الحداثة وما بعد الحداثة

(الحلقة الثالثة)

لقد كُنّا نعيش بعد الحرب العالمية الثانية حالة التهديد المتواصل بالحرب دون أن تأخذ المواجهة دائمًا صيغة عنيفة (الحرب الباردة)، فقد كانت الحرب عمومًا (حرب الجزائر أو حرب الفيتنام) إقليمية وتجربة لا تتطلب تدخل تحالفات وجيوش مختلفة ومكثفة. أما الآن فتكاد الحرب حالة عادية في الاستراتيجية العالمية بحيث لا تمتد الحرب في مكان من العالم إلا لتشتعل في مكان آخر. ومنذ حرب الخليج، أصبح من الممكن تنظيم حروب عالمية مصغّرة يكون الهدف منها إعادة تقسيم خيرات منطقة من مناطق العالم حسب التحالفات الجديدة، وحسب معطيات جغراسياسية معينة. هكذا إذن كما بينّا في كتابنا (العقل والحرية)، تكون الحرب سمة تأسيسية للعولمة، بحيث لا يمكن لهذا النظام العالمي الجديد الذي تزعمه أمريكا أن يستمر ويتعيش إلا بالحرب والعنف، والعنف يغذي العنف وينتج حتمًا الإرهاب. لذلك فإن قناعتنا أن ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية في ١٠ أيلول (سبتمبر) وما أنتجه من مواقف وصراعات وقتال وتعميم المذابح في فلسطين وقبله بأفغانستان وتوجه حرب إعلامية شرسة ضد الإسلام والمسلمين والعرب والآسيويين لا يمكن أن يفسر بنظرية صدام الحضارات على الرغم من أنه في الظاهر على الأقل قد يضع الحضارتين وجها لوجه. في حقيقة الأمر لا يمكن بأية حال أن نعد منفذي العملية الذين يبدو حسب أمريكا ودون أن تقدم الأدلة الواضحة على ذلك أنهم ينتمون إلى تنظيم متطرف بزعم أن بن لادن وجماعته يمثلون الحضارة الإسلامية، هم الذين قد أحدثوا الرعب والرهب في كثير من المجتمعات العربية والإسلامية كالجزائر مثلا التي تعرضت إلى أبشع عمليات القتل وقد طالت الأبرياء من المسلمين. هؤلاء يضرون بالمجتمعات الإسلامية في كل مكان ويحاولون – باسم تصورات خاصة بهم لتعاليم الإسلام – بث الجهل والتخلف العلمي والتقني في ربوع العالم الإسلامي الذي من خلال مستتبعات استراتيجيتهم – سيستخرج شيئًا فشيئًا عن حركة التحديث الهائلة المتواصلة الآن في كل حضارات العالم.

لا محالة أن يوجد أيضًا متطرفون في الحضارة الغربية يريدون توجيه الأحداث إلى صدام مع الإسلام والمسلمين، ويدخل ضمن هؤلاء، اليمينيون والصهيونيون والعنصريون وكل الذين يريدون أن لا تتقدم المجتمعات الإسلامية إلى الأفضل اقتصادًا واجتماعًا. وقد قرأنا لهم مقالاتهم في الصحف الغربية وشاهدناهم يشتمون الإسلام والمسلمين في كثير من الشاشات التلفزية الغربية، بل كثير من الخبراء المهتمون بالإسلام ولسنا ندري من أين جاءت هذه الخبرة، وقام أكثرهم بالتحريض على العدوان ضد العرب والمسلمين. وما يقوم به النظام الإسرائيلي اليوم من تقتيل يومي للأطفال والعزل من الشعب الفلسطيني هو نتيجة مباشرة لتدخل هؤلاء الخبراء وتأثيرهم على الرأي العام الذي أصبح يرى حتى في الطفل العربي أصل الإرهاب، لذلك سوف لن يتحرك أحد أمام هذه المذابح اليومية. بل هناك من الفلاسفة والمفكرين الغربيين من حلل الحدث بكثير من التشنج والادعاءات الباطلة ومن اتخذ مواقف تشبه مواقف العنصريين مثل المفكر الإيطالي أمبرتو إيكو، أو المفكر الفرنسي برنارد هنري ليفي. لكن كل ذلك لا يمكن أن يكون سببًا لاصطدام حضارتين عظيمتين مثل الحضارة الغربية والحضارة العربية والإسلامية. على أننا لو تعمقنا نظريًا في أطروحة صدام الحضارات، لوجدنا أنها قد أخطأت في تناول هذه الظاهرة. فخطؤها يتمثل في كونها لم تنتبه إلى أن الحضارات تتكون وتتغير وتتبدل من خلال جدلية الأخذ والعطاء، وجدلية التداخل والتصارع؛ فمن لا يعرف أن ما يسمى اليوم بالحضارة الغربية هو نتيجة مباشرة لتطور العلوم والتكنولوجيا، وأن هذا التطور جاء بالاعتماد على إنجازات الإغريق والعرب والمسلمين أحيانًا وبالاصطدام مع نظرياتهم أحيانًا أخرى، بحيث أن حضورهم تكويني للحداثة. وقد نبّه الفيلسوف الفرنسي ألكسندر كويري إلى أن الغرب لم يتعلم الفلسفة والعلوم إلا من العرب ومن حضارتهم الكبرى، فالحضارات إذن في كل الأزمنة، ولا سيما في زماننا، زمن السرعة والاتصال، مرتبطة بعضها ببعض، متصلة، تتكامل أحيانًا وتتصارع أحيانًا أخرى، تتكمل بعض عناصرها بتواصلها وتختلف عناصرها الأخرى فتتفكك لتضمحل أو لتعود بأوجه جديدة. فهي على كل حال متشابكة ومعقدة، وتنتج حتمًا تلاقحًا في المجتمعات؛ يكون هذا التلاقح بواسطة العنف (كالحرب الاستعمارية مثلًا أو كاحتلال نابليون لمصر) أحيانًا، وبواسطة انتقال التكنولوجيا والعلوم أحيانًا أخرى. فليس هناك صدام للحضارات ولا يمكن للحضارات أن تتحارب، لأن الحرب سياسية أي امتداد للسياسة داخليًا وخارجيًا، وهي قاعدة أكد عليها المنظر الألماني كلاوزفيتز، وهو جنرال حارب نابليون بونابرت وترك لنا كتابًا في نظرية الحرب حللت هذه الظاهرة تحليلاً ضافيًا.

(يتبع...)

* كتاب "الحداثة وما بعد الحداثة"، د. عبد الوهاب المسيري والدكتور فتحي التريكي، صـ ١٧٩- ١٨٢

________________

الحداثة وما بعد الحداثة - الإشراق العربي - مايو 2026 - أفكار - أفكار