بقلم : الأستاذ محمد حسن الياس[42]*
نقله إلى العربية: عثمان فاروق
يتّكئ بعض الناس على قول الله تعالى في سورة الطلاق الآية (٤) فيستنبطون منه أنّ القرآن، إذ ذكر عدة النساء اللاتي لم يحضن، يقر زواج الفتيات القاصرات ويجيزه. غير أنّ الأستاذ المكرّم جاويد أحمد غامدي يقرّر أن هذا الاستنتاج ليس إلا ثمرة قراءة اقتطعت الآية من سياقها. فإذا أعيد النظر فيها ضمن إطارها الكامل، واستحضرت خصائص أسلوبها وتناسق بنائها الداخلي، انكشف بجلاء أن مسألة زواج القاصرات ليست مطروحة أصلا في هذا الموضع.
وللوصول إلى المفهوم الصحيح للآية، لا بد من استحضار جملة من الجوانب الأساسية:
(١) هذه الآية لم تنزل لإقرار النكاح أو الإذن به، وإنما جاءت لبيان أحكام العدة بعد الطلاق. فالخطاب متوجه إلى نساء قد وقع عليهن الطلاق، ويجري تحديد عدتهن في ضوء أوضاعهن البيولوجية المختلفة. فاللائي يئسن من المحيض عدتهن ثلاثة أشهر، والحوامل عدتهن إلى أن يضعن حملهن، واللائي لم يحضن جعلت عدتهن أيضا ثلاثة أشهر. فالكلام كله منصب على تعيين العدة، لا على بيان جواز النكاح.
(٢) إن ألفاظ الآية هي: ’وَاللّٰٓیِٔ لَمْ يَحِضْنَ‘ وحرف ’لم‘ في العربية يفيد النفي الجازم، أي ينفي وقوع الفعل نفيا قاطعا. فمعنى ’لم يَحِضْنَ‘ هو أنهن لم يقع منهن الحيض. غير أن تعيين من يتوجّه إليهن هذا النفي إنما يُستفاد من السياق.
فلو كان المراد بهنّ الصغيرات اللاتي لم يبلغنَ سن الحيض أصلا، لكان عدم الحيض في حقهن أمرا طبيعيا بديهيا، لا يحمل أي دلالة خاصة تستدعي الذكر. إذ إنّ عدم الحيض في هذه المرحلة ليس أمرا مستغربا حتى يخصّ بالبيان.
ولتقريب المعنى، لو قيل: ’الفتيات اللاتي لم يحصلن بعد على وظيفة‘، فإن الفهم العرفي ينصرف إلى من بلغنَ سِنّ العمل وأهليته، ثم لم يحصلنَ على وظيفة لسبب ما. ولا ينصرف الذهن إلى الصغيرات، لأن عدم حصولهن على وظيفة في تلك السِنّ أمر بديهي لا يحتاج إلى بيان.
وبالطريقة نفسها، فإنّ إطلاق ’لَمْ يَحِضْنَ‘ لا يكون ذا دلالة إلا في الموضع الذي يكون فيه الحيض مرحلة طبيعية متوقعة، لكنه لم يقع لسبب ما. أي إنّ الحديث جار عن نساء يمكن أن يدخلن في سنّ الحيض، لا عن طفلات لم يبلغن هذه المرحلة أصلا.
(٣) وتشتمل الآية على جملة أخرى ذات دلالة، وهي ’إِنِ ارْتَبْتُمْ‘، أي ’إن وقع لكم شك‘. وإذا تأمّلنا ترتيب الكلام، وجدنا أنه يبدأ بذكر اللائي يئسْنَ من المحيض، ثم يعقب بذكر الشك، ثم يحدّد العدة بثلاثة أشهر، ثم يذكر اللائي لم يحضن، ويعقب ذلك مباشرة ببيان عدة الحوامل. وهذا النسق يكشف بوضوح أنّ الحديث يدور حول الحيض والحمل وتعيين النسب.
وعليه، فإن ’الشك‘ هنا لا يتعلق بالسِّنّ، وإنما يتعلق بخلو الرَّحِم أو عدمه. فإذا كانت المرأة قد قامت بينها وبين زوجها علاقة زوجية، فإنّ احتمال الحمل يبقى واردا، سواء في حال انقطاع الحيض أو عدم وقوعه. ومن ثم قرّرت عدّة الثلاثة أشهر لرفع هذا الاحتمال، وصونا للأنساب من أي التباس.
وعلى هذا، فإن هذه النقطة حاسمة، فإذا كان الشك منصبا على احتمال الحمل، فإن محل الكلام لا بد أن يكون امرأة تملك قابلية الحمل. أما الطفلة غير البالغة التي لم تبلغ النضج الجسدي، فاحتمال الحمل في حقها منتف من الأصل. وإذا انتفى إمكان الحمل، انتفى معنى الشك، كما تنتفي معه دلالة العدة. ومن ثم يتبين بوضوح أن الآية لا تتناول الطفلات غير البالغات.
(٤) يُضاف إلى ذلك أن القرآن يجعل النكاح ميثاقا غليظا. فهو عقد يقوم على المسؤولية، ويقتضي الوعي والرضا والقدرة على تحمل التبعات. ولم يحدد القرآن سنا معينا للنكاح، لأنه يكل ذلك إلى البداهات العقلية، ويعده من الأمور المسلمة التي تقضي بأن لا توكل المسؤولية إلا لمن بلغ حد البلوغ والرشد معا؛ أي إن النضج الجسدي لا يكفي وحده، بل لا بد معه من نضج عقلي يهيئ الإنسان لفهم هذه المسؤولية والقيام بها. وهذا هو مقتضى العقل والعلم أيضا؛ أن لا يقدّم على الزواج إلا من كان قادرا على إدراك معناه والوفاء بمقتضياته.
وعليه، فإنّ استنباط جواز زواج القاصرات من هذه الآية لا يستقيم بحالٍ. فمقصود الآية إنما هو ضمان حفظ الأنساب من خلال أحكام العِدّة بعد الطلاق، لا تقرير مشروعية النكاح في سن مبكرة. وبمراعاة هذا السياق، ترجم الأستاذ جاويد أحمد غامدي هذه الآية في ((البيان)) فأوضح معناها، إذ قال:
"من نسائكم اللاتي يئسن من المحيض، وكذلك اللاتي لم يحضن (مع أنهن بلغن سن الحيض)، إن كان لديكم شك، فعدتهن ثلاثة أشهر. وعدة الحوامل أن يضعن حملهن. (هذه توجيهات الله، فاتبعوها)، و(اعلموا أنّ) من يتق الله يجعل له في أمره يسرا. هذا أمر الله أنزله إليكم، ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا."
ـــــــــــــــــــــــــ
