معالم في طريق الطامحين

نقله إلى العربية: أ. عثمان فاروق

[وفقًا لوصية صاحب "تدبر القرآن"، هذه صفحات من سيرته بقلم كاتبها نعيم أحمد بلوش ]

(15)

دور الشيخ منظور نعماني:

ومضيا مع هذا السرد يروي الشيخ الإصلاحي تفاصيل تلك المرحلة قائلا:

"ثم لما أخذت فكرة قيام "الجماعة الإسلامية" تتبلور أقبل إليّ الشيخ منظور نعماني وقال: أنظر، لقد تمّ الصلح بينك وبين الشيخ أبو الأعلى المودودي، فلو قامت جماعة على هذا النهج الذي ذكرته فهل ستكون منضما إليها؟ فأجبته يا شيخنا الغالي لستُ ممن جبلوا على التنقل بين الجماعات والانخراط فيها وإنما خلقني الله لعمل آخر. أرى نفسي مدعوا إليه إنما أريد أن أتم كتب شيخنا الجليل (العلامة حميد الدين الفراهي رحمه الله) وأن أقوم بترجمتها ولعلّ مدرسة الإصلاح تتيح لي هذه الفرصة. نعم، أما المبادئ التي أشرتم إليها فإن قامت عليها جماعة فلها مني الدعاء والتعاطف لا أكثر من ذلك ولا أستطيع أن أعدّ بالانضمام."

ثم يضيف الشيخ الإصلاحي:

"وعلى الرغم من وضوح موقفي ظل الشيخ منظور نعماني مُصرّا يحاول استمالتي ويقول:

امضِ فيما أنت عليه، ولكن لا بد لك من لقاء مع الشيخ المودودي ...

هل فهمتَ قصدي؟ قالها لي بهذا !"

لقاء الشيخ المودودي في لاهور

ثم يروي الشيخ الإصلاحي أن الشيخ منظور نعماني أخذه معه إلى لاهور أخذا فيه شيء من الإلزام حتى إنه لم يكن راغبا في هذه الرحلة. فلمّا وصلوا تبيّن أن الأمر ليس لقاء عابرا، بل هو اجتماع منظّم قد حضره عدد كبير من الناس واستمر يومين أو ثلاثة. وكان ذلك قبل الاجتماع التأسيسي ل "الجماعة الإسلامية" الذي انعقد في أغسطس سنة ١٩٤١.

ويصف الشيخ الإصلاحي تفاصيل ذلك الاجتماع فيقول:

"في هذا الاجتماع عرض الشيخ أبو الأعلى المودودي الجزء الأول من تفسيره وكان قد شرع في تأليفه من قبل ولا أدري ماذا كانت آراء الحاضرين فلما سُئلتُ عن رأيي قلت يا شيخنا الغالي، لا ينبغي لك أن تتجه إلى هذا العمل، بل عليك أن تعد الرجال، هل تسمع ما أقول؟ لقد صرّحتُ بذلك بوضوح، إن الحاجة إلى إعداد الرجال أشد وأولى أما التفسير، فأنا أتكفل به.

ويضيف أن هذا القول لم يرق له، غير أنني قلتُ له بصراحة، لا تكتب التفسير."

ثم يذكر الشيخ الإصلاحي أنه طُلب منه في أثناء ذلك أن يُلقي كلمة فقام فقال بوضوح إن المشروع الذي تعتزمون القيام به مشروع مبارك عظيم ولكن له مراحل من الإعداد ولا بد له من تهيئة طويلة. وكان مقصود الشيخ الإصلاحي من ذلك أن المشروع الذي يهدف إلى إنشاء جماعة تحمل الناس على الوفاء بمطالب الدين هو عمل جليل في ذاته غير أنه كان يرى أن مقوّماته من الإعداد والتأهيل لم تكتمل بعد وأن المرحلة لا تزال تفتقر إلى الأسس التي يقوم عليها مثل هذا البناء. وهذه كانت أول لقاء تفصيلي بين الشيخ الإصلاحي والشيخ أبو الأعلى المودودي. فلما عادوا من الاجتماع سأل الشيخ نعماني عن رأيه فيه فكان شديد التحفظ في إبداء حكمه حتى إنه أعرض بوجهه تارة إلى هذه الجهة وتارة إلى تلك، فلما ألحّ عليه، قال قولا لم يفصح عنه آنذاك وإنما أظهره الشيخ نعماني بعد ذلك حين كتب منتقدا له في مجلته.

ويحكي الشيخ الإصلاحي ذلك فيقول:

"لمّا سألني أعرضتُ بوجهي، فلمّا كرّر السؤال عدلتُ عنه فلمّا ألحّ عليّ، قلتُ ما قلتُ، وقد أفشى ذلك فيما بعد حين دافعت عن الشيخ المودودي في وجه بعض المولويين فكتب الشيخ نعماني في رسالته معترضا عليّ وذكر أني قلتُ فيه كذا."

ثم يوضح قائلا:

"إنما شبهته بـ غلام أحمد برويز في صورته آنذاك لا في حاله المتأخر إذ كانت كتاباته في تلك الفترة جيدة ذات نزعة إصلاحية وكانت تنشر في مجلة "معارف" التي كان يشرف عليها الشيخ منظور نعماني كما نشرت في مجلتي "الإصلاح" وفي غيرهما من الدوريات، ولم أرد إلا أنه كان يكتب كتابة ذات طابع فكري لا علمي صرف وكان يحسن الكتابة لا أكثر."

ثم يمضي في السرد قائلا:

"بعد ذلك توجه الشيخ نعماني إلى بريلي وعُدّتُ أنا إلى أعظم كره وبعد أيام أعلن عن اجتماع لتأسيس "الجماعة الإسلامية" ودعيتُ إليه غير أني لم أحضر، وقد انعقد الاجتماع وأعلنت أسماء المشاركين فإذا باسمي يدرج في جملتهم. فلما نشرت الأخبار واطلع عليها الشيخ سليمان الندوي وكان يراني بمنزلة رائد في معركته العلمية، استدعاني وسألني كيف يذكر اسمك وأنت لم تحضر؟ فقلتُ له الأمر كما ترى، فقال: ينبغي أن تصدر تكذيبا، فقلتُ: لا أرى ذلك مناسبا، فقال: إن لم تفعل فعلتُ أنا، فقلتُ: لا داعي لذلك فالقوم إنما يقصدون خيرا فدع الأمر. وأقول صادقا إنما تركتُ التكذيب لأنني ظننتُ أن الشيخ المودودي والشيخ نعماني قد ذكرا اسمي ثقة بي وأنني لن أعترض وربما كان الشيخ نعماني قد طمأنه إلى ذلك فقد كانت بيني وبينه علاقة أخوية وثيقة. وهكذا وجد اسمي بين المؤسسين وصرتُ أعد من أركان الجماعة الإسلامية مع أني لم أتقدم بطلب ولم أملأ استمارة ولم أبايع أحدا ولم أتعهد بشيء ومع ذلك نلتُ تلك المنازل العالية دون سعي مني أو طلب."

(يتبع ...)

ـــــــــــــــــــــــــ

معالم في طريق الطامحين - الإشراق العربي - مايو 2026 - أفكار - أفكار