بقلم: عثمان فاروق [47]*
قال الله تبارك وتعالى:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ (سورة الفجر: ٢٧–٣٠)
إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.
انتقل إلى رحمة الله تعالى أستاذنا الجليل مسعود أحمد، يوم الخميس الموافق الثاني من أبريل، عن عمر ناهز خمسًا وسبعين عامًا، بعد حياة مباركة حافلة، أفناها في خدمة لغة القرآن الكريم، وتربية الأجيال، وبثّ العلم والفضيلة.
وفي هذه السطور، تصديقًا للقول المأثور: "عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة"، نجدّد ذكر أستاذنا الفقيد عليه الرحمة ونستحضر مآثره العطرة، رجاءً أن نتعلّم من سيرته ونقتبس من أخلاقه ونهتدي بهديه ونقتفي أثر جهوده المباركة.وقد قرّر أهل القلوب وعلماء النفس أن الإنسان يتعلّم من الشخصيات الحيّة والقُدوات العملية أكثر مما يتعلّم من الكتب والمواعظ والخُطب، لأن الأثر المشهود أبلغ في النفس وأرسخ في القلب؛ ولقد كان أستاذنا رحمه الله مثالًا حيًّا لتلك القُدوة التي تُربّي بصمتها وتُعلّم بسيرتها قبل كلماتها. وقد عبّر عن هذه الحقيقة شاعرنا الأردي الكبير أكبر إله آبادي[48] بقوله:
الترجمة: لا تمنح الدورات سوى ألفاظ، أما الإنسان فيصوغه إنسان. نحن في طلب الإنسان، وهم في اقتناء الكتب سُدًى.
وُلد أستاذنا الجليل مسعود أحمد رحمه الله سنة ١٩٥١م في قرية ’جبر‘، القريبة من مدينة ’كوجرخان‘ بمحافظة ’راولبندي‘ باكستان. وبعد أن أتمّ تعليمه الابتدائي، شدّ الرحال إلى المملكة العربية السعودية، حيث واصل مسيرته العلمية، حتى تخرّج في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام ١٩٨٧م. ثم عاد إلى وطنه ليؤدّي رسالته التعليمية بكل إخلاص وتفان، فشغل منصب مدير ’مدرسة الفائق الإسلامية‘ في مدينتنا العزيزة كوجرخان، وأسهم في تربية الأجيال، وبثّ العلم، وغرس القيم في نفوس طلابه.
وقد كانت خاتمته طيبة مباركة؛ إذ استيقظ لصلاة الفجر، وأيقظ أهله للصلاة، ثم مضى إلى المسجد فأدّاها مع الجماعة، وعاد إلى بيته، فما لبث أن وافته المنية إثر نوبة قلبية مفاجئة.وكان رحمه الله في لحظاته الأخيرة موصولا بربه؛ رطب اللسان بذكره، يلهج بالاستغفار، وهو في طريقه إلى المستشفى في مشهد يجسّد حياة عامرة بالإيمان وخاتمة يُرجى لها القبول.
وأشهد، وفاءً واعترافًا بالفضل، أنه كان أستاذي الأول في اللغة العربية؛ إذ لقيته بعد اجتيازي امتحانات الثانوية العامة (Matriculation Examination) سنة ٢٠٠٦م. وفي مستهل مسيرتي الأكاديمية، كنتُ طالبًا في شعبة العلوم، وقد اجتزتُ امتحانات الثانوية العامة بتقدير جيد، ودرستُ موادّ مثل الكيمياء والأحياء والفيزياء. غير أنّ لقائي بأستاذنا الغالي مسعود أحمد، وتعلّمي اللغة العربية على يديه، غيّر مساري تغييرًا جذريًا؛ فتحوّل اهتمامي من العلوم إلى دراسة اللغة العربية وآدابها، وكان هذا التحوّل منعطفًا حاسمًا في حياتي العلمية، تأثّرت فيه أشدّ التأثّر بتوجيهه الكريم وإخلاصه في التعليم. وكانت تلك البداية الشرارة الأولى لمسيرة طويلة من التوجيه والإرشاد العلمي المتواصل، وسنظل مدينين له ما حيينا بعظيم العرفان والوفاء؛ لما أسداه إلينا نحن طلابه من دعم ومعونة ونصح صادق، كان له الأثر البالغ في تشكيل مسيرتي العلمية. فكان له الأثر العميق في توجيهي وبناء أساساتي الأولى في هذه اللغة المباركة وغرس محبتها في قلبي. تعلّمتُ على يديه ونهلتُ من علمه وأدبه وتأثّرت بسمته وأخلاقه وتربيته. وجدير بالذكر، كُلّما كتبتُ أو تحدّثتُ بالعربية حضرني ذكره واستيقظ في نفسي شعور عميق بالامتنان، إذ ما زلتُ مدينًا له بما غرسه في من علم وخُلق.
قُل ما تشاء فأنت فيه مصدّق
الحُبّ يقضي والمحاسن تشهد
كان أستاذنا الغالي رحمه الله يدرّس لنا المقررات الدراسية للشيخ محمد بشير سيالكوتي، رحمات الله عليه تترى (٢٠١٦-١٩٤٠) الذي أطلق عليه الدكتور ف. عبد الرحيم، طيّب الله ثراه (٢٠٢٣-١٩٣٣) لقب "شيخ العربية" تقديرًا لجهوده الكبيرة والمتميزة في نشر اللغة العربية في باكستان.
لقد كان أستاذنا الكريم رحمه الله شديد الشغف بتعليم اللغة العربية لم تفتر همته رغم تقدمه في السن، بل ظل مواظبا على العطاء، مخلصا لرسالته يذهب إلى المدرسة حتى في أواخر عمره ليقدّم دروسه لطلابه.وكان التدريس نبض حياته الذي لا ينقطع وحتى بعد أن ألمت به جلطة قبل أشهر لم تنكسر عزيمته ولم يتخلّ عن القراءة والكتابة والتعليم بل بقي ثابتاً على دربه وفيا لرسالته حتى آخر أيامه.
ويجدر بالذكر، أن مدرسته ’الفائق العامة الإسلامية‘ هي الوحيدة في مدينتنا العزيزة كوجرخان التي تُدرّس فيها اللغة العربية كمادة إلزامية، بدءًا من المرحلة الابتدائية والمتوسطة وحتى المستوى الثانوي.
ومن اللافت أنني أشارككم نص رسالته الصوتية الوحيدة باللغة العربية. أما خلفية هذه الرسالة، فهي أنني حصلتُ على المركز الثالث في مسابقة الخطابة العربية بعنوان:
"غزة: رحلة خالدة إلى حضارة الإيمان"
والتي عُقدت في جامعة بنجاب بلاهور تحت إشراف قسم اللغة العربية وآدابها، بتاريخ ١٧ ديسمبر ٢٠٢٥م. ويجدر بالذكر أنّ أستاذنا الغالي كان يسكن على بُعد نصف ساعة مشيا على الأقدام من بيتي؛ لذلك كنا نلتقي في الغالب وجهاً لوجهٍ، نجلس معاً بعد صلاة العصر، أو نتواصل أحيانا عبر الهاتف. ومن هنا، كان هذا الموقف استثنائيا حقاً؛ إذ سجّل لي رسالة صوتية لأوّل مرة. وقد أخبرني لاحقا ابنه الأصغر، مُخبِت إلهي، أن والده كان في غاية السعادة، حتى إنه سأله عن كيفية تسجيل رسالة صوتية وإرسالها. وإليكم نص هذه الرسالة الصوتية، إذ يقول:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، لقد اطلعتُ قبل قليل على مشاركتك في المسابقة، وقد أراني إياها ابني رأفت إلهي. والحمد لله، إنني مسرور بك سرورا عظيما. ولله الحمد، فقد حصلتَ على المركز الثالث، وهذا إنجاز ممتاز جدا، لا سيما وأن هذه المسابقة كانت على مستوى جميع الجامعات الباكستانية، ولا شك أن ذلك شرف كبير لنا جميعا. وأتمنى لك مزيدا من الفوز والنجاح، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يغمرك برحمته، وأن يحقق لك كل ما تتمنى. وإنني في الحقيقة لا أستطيع أن أعبر عما في نفسي من شدة الفرح بك، ولكن إن شاء الله، حين نلتقي، سنتحدث عن هذا الأمر مطولا. شكرا لك."وكان من آخر ما وصلني منه رسالة نصية كريمة بعثها إليّ بمناسبة ما نلته من تحسين وتقدير حين نقلتُ قصيدة الأستاذ عمر محمود ضوبع إلى اللغة الأردية فأرسلتها إليه عبر الواتس ايب٬ وكان ذلك يوم الاثنين ٣٠ مارس ٢٠٢٦م فكتب إليّ يقول:
"حبيبنا الغالي أستاذ عثمان فاروق أطال الله عمرك ... لقد اطلعتُ على الترجمة الأردية التي قُمتَ بها لأبيات الأستاذ عمر محمود ضوبع التي تثني على مجلة الإشراق الموقّرة وفي رأيي أنكم أدّيتم حق الترجمة على أتم وجه من حيث الفهم واختيار الكلمات المناسبة المتناسقة في أسلوب جميل ... أسأل الله أن يوفقكم لنصرة الدين وخدمة المسلمين ..."
فكانت هذه الكلمات آخر ما عهدته منه شهادة عزيزة أعتزّ بها وذكرى باقية لا تُنسى.
وكان شرفًا لي أن أدرجتُ اسمه الكريم في "كلمة الشكر والتقدير" ضمن رسالتي لدرجة الماجستير في الفلسفة في اللغة العربية وآدابها، الموسومة بـ
"الدكتور سيد رضوان علي الندوي: شخصيته العلمية وآثاره في العربية"
وفاءً لحقّه واعترافًا بجميل أثره الذي سيبقى حيًّا في نفسي ما حييتُ.
كان رحمه الله لا يدّخر جهدا في خدمة طلابه يهب وقته وعلمه دون انتظار مقابل مردّدا بلسان حاله:
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
كان أستاذنا الغالي عليه الرحمة مثالا في الإخلاص والوفاء لله تعالى والإحسان إلى الخلق مجسّدا قول سلفنا الصالح : "كن مع الله بلا خلق ومع الخلق بلا نفس".كما عُرف أستاذنا الجليل بلين الجانب وسلامة الصدر وحُسن المعاملة لا يحمل غِلّاً لأحد ولا يعرف القسوة أو الشدة وعلى الرغم من ميله إلى المنهج السلفي في العقيدة والعبادات فقد كان نموذجاً في الاعتدال والتوازن، يحترم جميع المسلمين ويدعو إلى التعايش السلمي ويجمع القلوب ولا يفرّقها .ومن سمات أستاذنا الجليل رحمه الله البارزة أنه فضّل تعليم اللغة العربية على الانخراط في الأعمال التجارية العائلية التي أسسها والده الكريم رحمت إلهي رحمه الله، وظل طوال حياته يعيش حياة بسيطة، مكتفيًا بالكفاف، مؤكّدًا بذلك أن شغفه بالعلم وتعليم الطلاب، كان دائمًا فوق أي اعتبارات مادية.
ولا أملك في ختام هذا الرثاء إلا أن أهدي إلى روحه الطاهرة هذه الرثاء[49] لأخي وصديقي العزيز الشاعر السوري والأستاذ الكبير عمر محمود ضوبع:
وقد كتب شاعرنا الغالي عمر ضوبع في نشره على صفحته الفيسبوك[50] يقول:
"وكان رحمه الله قد وصلته رسالتي الموسومة بالأرجوزة السمية من الشمائل المحمدية[51]، على يد أخي الدكتور عثمان فاروق، فقرأها ونالت استحسانه وقبوله، فنلتُ بذلك شرف رضاه، وكما كانت شمائل النبي صلى الله عليه وسلم سببًا لاتصالي به في الدنيا فإني أسأل الله أن يجمعني به يوم القيامة تحت لواء صاحب الشمائل العطرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم."وفي الختام، نسأل الله تعالى أن يغفر له ويرحمه وأن يتغمّده بواسع رحمته وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة وأن يجزيه عن العلم وأهله خير الجزاء وأن يلهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
ـــــــــــــــــــــــــ
