ترجمة من الأردية: أ. عثمان فاروق
(11)
وقائع يأجوج ومأجوج في الأحاديث
تعرض الأحاديث المتعلقة بيأجوج ومأجوج صورا يمكن أن يلحظ فيها نوع من المقارنة مع أحداث الحرب العالمية الثانية، إذ يفهم من سياقها أن اندفاعهم "مِنْ كُلِّ حَدَبٍ" يقابل من حيث الدلالة هجوما كاسحا شاملا، كما تجلى في هجوم ألمانيا النازية.
هجومهم من كل حدب ومقابلته بالهجوم النازي
تصور الأحاديث بداية الحرب العظمى الأخيرة ليأجوج ومأجوج من خلال التعبير القرآني في سورة الأنبياء: "مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُوْنَ". غير أن القرآن الكريم عبر بلفظ "فُتِحَتْ" ١٣٥، في حين جاءت الأحاديث بلفظ "يبعث الله" ١٣6. ويكشف هذا التحول في التعبير عن دلالة دقيقة، مفادها أن ظهورهم الأول قد وقع من قبل، كما يمكن أن يفهم في سياق العصر الاستعماري، ثم جاء بعثهم مرة أخرى إيذانا بمرحلة أخيرة حاسمة.
وفي هذا الإطار، يمكن حمل هذا الوصف على أنه يشير إلى فئة من يأجوج ومأجوج، وهي ألمانيا النازية، التي اندفعت مع مطلع الحرب العالمية الثانية اندفاعا سريعا، عنيفا، واسع الامتداد في حركة توسع إقليمي متسارعة. وقد أبرزت القوة العسكرية النازية، بما اقترنت به من استراتيجيات خاطفة، قدرة على تحقيق مكاسب متتابعة في بقاع متعددة من أوروبا في مراحلها الأولى، في صورة تحاكي اندفاع المهاجم من موضع عال، يهبط بغتة فيوقع بخصومه ويقوض بنيانهم.
شربهم ماء بحيرة طبرية ومقابلته باستنزاف الموارد
ورد في الأحاديث١٣٧ ذكر شرب يأجوج ومأجوج ماء بحيرة طبرية. وكانت هذه البحيرة، المعروفة أيضا ببحيرة الجليل، في زمن النبي ﷺ من أهم موارد المياه العذبة في بلاد الشام، وكان العرب على معرفة بها. ويغدو هذا التصوير في دلالته رمزا إلى استنزاف شامل للموارد؛ إذ يمكن فهمه على أنه يشير إلى ما قامت به ألمانيا النازية من استغلال قاس لموارد الأقاليم التي خضعت لسيطرتها، من نفط وغذاء ومعدات صناعية. وقد أدى هذا الاستنزاف الحاد إلى إنهاك تلك الأقاليم وتجريدها من مقوماتها، كما أسهم، مع امتداد الحرب العالمية الثانية، في تعاظم الضغط على الاقتصاد الألماني نفسه وعلى قدرته الحربية.
بلوغهم بيت المقدس ورميهم إلى السماء ومقابلته بالعدوان على الأديان
وتذكر الأحاديث١٣٨ وصول يأجوج ومأجوج إلى مقربة من بيت المقدس، حيث يقولون: "قتلنا من في الأرض فلنقتل من في السماء"، ثم يرمون سهامهم نحو السماء فتعود مخضبة بالدماء. ويعكس هذا التصوير حالة من الغرور المتصاعد والتجاوز المطلق؛ وهو ما يمكن ملاحظته في بدايات الحرب العالمية الثانية، حين أفضت النجاحات السريعة التي حققتها ألمانيا النازية إلى تضخم نزعة التكبر لدى قيادتها.
وفي هذا السياق، يمكن فهم صورة "السهام المخضبة بالدماء" بوصفها تمثيلا رمزيا للهجوم على الدين ومحاولة إخضاعه بالقوة؛ إذ إن بيت المقدس كان في العهد النبوي مركزا لليهودية والنصرانية، وقد وجهت السياسات النازية ضرباتها إلى هذين المكونين الدينيين على نحو خاص، من خلال استهداف دور العبادة، وملاحقة رجال الدين، وممارسة القتل والاعتقال.
كما أن التوجهات الفكرية داخل ألمانيا النازية سعت إلى بناء تصور عقدي بديل، قائم على تمجيد العرق وإضفاء طابع شبه ديني على القيادة، وهو ما يعكس مرحلة من تصاعد الشعور بالقوة والثقة، مقرونة بمحاولة إزاحة الأطر الدينية التقليدية وإحلال منظومة فكرية جديدة محلها.
هلاكهم ومقابلته بهزيمة ألمانيا النازية
تذكر الأحاديث١٣٩ أن الله يرسل دابة تصيب يأجوج ومأجوج في رقابهم، فيهلكون جميعا كأنهم نفس واحدة. ويجيء هذا التصوير في سياق دلالي مكثف يرسم نهاية مباغتة حاسمة.
وفي ضوء هذا المعنى، يمكن حمل هذه الصورة على ما آل إليه مصير ألمانيا النازية في أواخر الحرب العالمية الثانية؛ إذ تمثل إصابة الرقاب هنا رمزا لانقطاع مركز القوة والقرار. ويقابل ذلك ما وقع من النهاية المفاجئة التي تمثلت في انتحار أدولف هتلر في أبريل ١٩٤٥، وهو حدث أفضى مباشرة إلى تفكك بنية السلطة النازية.
ولم تمض إلا أيام يسيرة حتى أعلنت ألمانيا النازية في مايو ١٩٤٥ استسلامها غير المشروط، في صورة تحاكي ما ورد في الحديث من هلاك جماعي سريع، يقع دفعة واحدة، كأنما أزهقت نفس واحدة.
أسئلة متعلقة بالتأويل
السردان المتوازيان للدجال ويأجوج ومأجوج
تذكر رواية صحيح مسلم١٤٠ أحداث الدجال أولا، ثم تعقبها بذكر وقائع يأجوج ومأجوج. وقد يوحي هذا الترتيب بأن هلاك الدجال يسبق خروج يأجوج ومأجوج، غير أن التأمل في أسلوب العرض يكشف أن الأمر لا يتعلق بترتيب زمني بقدر ما هو ترتيب بياني؛ إذ كثيرا ما يُستوفى عرض موضوع بعينه، ثم يُنتقل إلى موضوع مواز له، وإن كانا واقعين في إطار زمني واحد.
وفي هذا السياق، يُحمل الدجال على الاتحاد السوفيتي، الذي نشأ سنة ١٩٢٢ وانتهى سنة ١٩٩١، بينما يُفهم يأجوج ومأجوج على أنهم ألمانيا النازية، التي خاضت خلال المدة (١٩٣٩–١٩٤٥) حربا عالمية مدمرة. ولما كان ظهور الاتحاد السوفيتي سابقا على ألمانيا النازية، جاء ذكره وتفصيل خبره أولا، ثم أُتبع ببيان وقائع يأجوج ومأجوج، على وفق ما تقتضيه طرائق السرد المتوازي في العرض والتحليل.
ويؤكد هذا الفهم ما ورد في الحديث من الإشارة إلى فترة تمتد سبع سنين من السلم عقب هلاك الدجال، يعقبها هبوب ريح باردة تقبض روح كل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان١٤١. فإذا افترض أن خروج يأجوج ومأجوج إنما وقع بعد الدجال، وأن تلك الريح جاءت بعدهم، لزم من ذلك أن يكون فسادهم قد وقع ضمن تلك المدة الموصوفة بالسلم، وهو ما يناقض وصفها ذاته. وهذا التعارض يدل دلالة واضحة على أن خروج يأجوج ومأجوج كان موازيا لفتنة الدجال، وأن ذكرهم في الحديث متأخرا إنما هو من قبيل ترتيب العرض والتفصيل، لا من قبيل الترتيب الزمني للأحداث.
يأجوج ومأجوج وألمانيا النازية في الأحاديث
تشير الأحاديث، في هذا السياق التأويلي، إلى تخصيص ألمانيا النازية بوصفها تمثيلا ليأجوج ومأجوج، مع أن الحرب العالمية الثانية شهدت مشاركة قوى أوروبية أخرى ضمن الحلفاء، وهي من حيث الأصول التاريخية والعرقية داخلة في إطار تلك الأمم. غير أن هذا التخصيص لا يراد به الحصر بقدر ما يقصد به الإيضاح ورفع اللبس، حتى لا يقع الغموض في تعيين الجهة التي تشير إليها هذه الأحاديث.
وقد درجت التصورات المتعلقة بيأجوج ومأجوج على ربطهم بالأقوام الشمالية التي عرفت عبر التاريخ بالنزوع إلى الغزو، وإيقاع الدمار، واستنزاف موارد غيرها من الأمم. وهذه السمات تبدو متجلية بوضوح في سلوك ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية؛ الأمر الذي يفسر تخصيصها بالذكر في هذا السياق، اتقاء للإبهام، وتحديدا للمراد على وجه أكثر بيانا ودقة.
الهوامش:
١٣٥. Quran 21:96
١٣٦. Sahih Muslim 2937a:
١٣٧. Sahih Muslim 2937a:
١٣٨. Sahih Muslim 2937b:
١٣٩. Sahih Muslim 2937a:
١٤٠. Sahih Muslim 2937a:
١٤١. Sahih Muslim 2940a:
ـــــــــــــــــــــــــ
