ميزان

ترجمة من الأردية: د. محمد غطريف شهباز الندوي

ميزان

(15)

وهذا الإيمان إذا ثبت في القلب حقيقةً والقلب يصدقه فوجوده يقتضي شيئين:

الأول العمل الصالح،

والثاني التواصي بالحق والتواصي بالصبر

كما قال:

وَالْعَصْرِ، اِنَّ الاْنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، اِلَّا الَّذِیْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ، وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ. (العصر: ۱۔۳)

والعمل الصالح كل عمل يتولد كنتيجة لتزكية الأخلاق. وأسسه كلها ثابتة بالعقل والفطرة، وقد نزلت شريعة الله لتهدي الإنسان للعمل الصالح هذا.

أما التواصي بالحق والتواصي بالصبر فأريد به أن يأمر الإنسان بعضه بعضا بالثبات على الحق والتناصح له. وهذا مما يقتضيه التسليم للحق اقتضاءً بديهيا وقد عبر القرآن بمصطلح "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" أيضًا. أي تلقين الناس في البيئة القريبة بمعروفات يدل عليها العقل والفطرة ونهي الناس عن منكرات عقلية وفطرية. فقال تعالى:

وَالْمُؤْمِنُوْنَ وَالْمُؤْمِنٰتُ بَعْضُھُمْ اَوْلِیَآءُ بَعْضٍ، یَاْمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ ویَنْھَوْنَ عَنِ الْمُنْکَرِ. (التوبة: ۷۱)

وكل مسلم مسؤول عن الإتيان بهذا الاقتضاء بباعث النصح والخير. فإنه لا تتم هذه المسؤولية بدون هذا الشعور وبغير روح صحيح للدين. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم."

(رواه مسلم رقم : 196)

فهذه هي مطالبات الإيمان من المسلمين في الحالات العامة. ولكن ربما تطرأ على الإنسان حالات خاصة نظراً إلى الأوضاع الخارجية في هذا العالم. فبرعايتها تتولد مطالبات ثلاثة أخرى غيرها للإيمان وهي كما يأتي:

الأول الهجرة

والثاني النصرة

والثالث القيام بالقسط

فإن كان المؤمن يواجه صعوبات خطرة في القيام بعبادة الرب تعالى. إنه يُعذب لأجل دينه ولايمكن له حتى إظهار إسلامه فحينئذ يقتضي منه إيمانه أن يهاجر من مكانه إلى مقام آخر، يمكن له فيه أن يعمل بدينه علانيةً. ويسميه القرآن الهجرة. وحينما دعي الناس إلى الهجرة مباشرةً من الله ورسوله في الزمان الرسالي فوعد القرآن بجهنم الذين يُعرضون عن الهجرة :كما جاء في سورة النساء:

اِنَّ الَّذِیْنَ تَوَفّٰھُمُ الْمَلاٰئکَةُ ظَالِمِي اَنْفُسِھِمْ، قَالُوْا: فِیْمَ کُنْتُمْ؟ قَالُوْا: کُنَّا مُسْتَضْعَفِیْنَ فِي الْاَرْضِ. قَالُوْٓا: اَلَمْ تَکُنْ اَرْضُ اللّٰہِ وَاسِعَة فَتُھَاجِرُوْا فِیْھَا، فَاُولٰٓئِکَ مَاْوٰھُمْ جَھَنَّمُ وَسَآءَ تْ مَصِیْرًا. (النساء:97 )

وبهذه الطريقة إذا كان الدين يحتاج إلى إقدام لنشر دعوته أو حفظ كيانه فيطلب الإيمان أن يُنصر الدين بالمال والنفس. ويعبر القرآن هذه العملية بنصرة الدين. فلما احتاج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى نصرة الدين بعد أن قامت سلطته في المدينة المنورة وطلب من الناس أن يقوموا بالجهاد والقتال، فدعا هم القرآن إلى ذلك على موقعة بأسلوب آتي وقال:

یٰٓاَیُّھَا الَّذِیْنَ اٰمَنُوْا، ھَلْ اَدُلُّکُمْ عَلٰی تِجَارَۃٍ تُنْجِیْکُمْ مِّنْ عَذَابٍ اَلِیْمٍ؟ تُؤْمِنُوْنَ بِاللهِ ورَسُوْلِه وَتُجَاھِدُوْنَ فِي سَبِیْلِ اللهِ بِاَمْوَالِکُمْ وَاَنْفُسِکُمْ، ذٰلِکُمْ خَیْرٌ لَّکُمْ، اِنْ کُنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ. یَغْفِرْلَکُمْ ذُنُوْبَکُمْ ویُدْخِلْکُمْ جَنّٰتٍ تَجْرِیْ مِنْ تَحْتِھَا الْاَنْھٰرُ ومَسٰکِنَ طَیِّبَةٍ فِي جَنّٰتِ عَدْنٍ، ذٰلِکَ الْفَوْزُ الْعَظِیْمُ. وَاُخْرٰی تُحِبُّوْنَھَا، نَصْرٌ مِّنَ اللهِ وفَتْحٌ قَرِیْبٌ، وبَشِّرِ الْمُؤْمِنِیْنَ. یٰٓاَیُّھَا الَّذِیْنَ اٰمَنُوْا،کُوْنُوْآ اَنْصَارَ اللهِ کَمَا قَالَ عِیْسَی ابْنُ مَرْیَمَ لِلْحَوَارِیّنَ: مَنْ اَنْصَارِيٓ اِلیَ اللهِ؟ قَالَ الْحَوَارِیُّوْنَ: نَحْنُ اَنْصَارُ اللهِ. (الصف: 10-14)

ومهما حصلت من جهود تجديدية وحركات إصلاحية لحفظ الدين وبقائه في السلف والخلف، قامت كل ذلك وفاءً بهذا المقتضى الديني. فهذه النصرة هي المأخذ لكل الجهود الإصلاحية لساناً وقلماً، سيفاً وسناناً ودرهماً وديناراً في تاريخ الأمة كلها. ويطلب القرآن إنه إذا حان وبدا هذا المقتضى للإيمان فلا يعز على عبد مؤمن أي شيء دنيوي مقابلاً له. ولذا قال القرآن عندما بدت هذه المرحلة في الدعوة المحمدية فقال:

قُلْ: اِنْ کَانَ اٰبَآؤُکُمْ واَبْنَآؤُکُمْ واِخْوَانُکُمْ واَزْوَاجُکُمْ وَعَشِیْرَتُکُمْ واَمْوَالُنِِ اقْتَرَفْتُمُوْھَا وَتِجَارةٍ تَخْشَوْنَ کَسَادَھَا وَمَسٰکِنُ تَرْضَوْنَھَآ اَحَبَّ اِلَیْکُمْ مِّنَ اللهِ وَرَسُوْلِه وجِھَادٍ فِي سَبِیْلِه فَتَرَبَّصُوْا حَتّٰی یَاْتِي اللهُ بِاَمْرِہ، وَ اللهُ لَا یَھْدِي الْقَوْمَ الْفٰسِقِیْنَ. (التوبة: 24)

ثم إذا جاءت العواطف البشرية والتعصبات والمصالح والأهواء تحرفه من جادة العدل والإنصاف في أية معاملة للدنيا والآخرة، فهذا الإيمان نفسه يتقاضاه أن العبد المؤمن وليس فقط ما يزال يقوم على الحق والعدل، بل إذا طلبا منه الشهادة أنجز طلبهما بتضحية النفس والنفيس في سبيل ذلك. يقول بالحق ما دام حياً ويسلم للحق وينصف، ويشهد له ولا يختار أي شيء سوى الحق والإنصاف عقيدةً وعملاً. وهذا هو القيام بالقسط في مصطلح القرآن قال تعالى في ذلك:

یٰٓاَیُّھَا الَّذِیْنَ اٰمَنُوْا، کُوْنُوْا قَوّٰمِیْنَ بِالْقِسْطِ، شُھَدَآءَ ل لِلهِ، وَلَوْعَلٰٓی اَنْفُسِکُمْ اَوِالْوَالِدَیْنِ وَالْاَقْرَبِیْنَ، اِنْ یَّکُنْ غَنِیًّا اَوْ فَقِیْرًا فَاللهُ اَوْلٰی بِھِمَا، فَلَا تَتَّبِعُوا الْھَوٰٓی اَنْ تَعْدِلُوْا، وَاِنْ تَلْوؤٓا اَوْ تُعْرِضُوْا فَاِنَّ اللهَ کَانَ بِمَا تَعْمَلُوْنَ خَبِیْرًا. (النساء: ۱۳۵) وقال في موضع آخر:

یٰٓاَیُّھَا الَّذِیْنَ اٰمَنُوْا، کُوْنُوْا قَوّٰمِیْنَ لِلهِ، شُھَدَآءَ بِالْقِسْطِ، وَلاَ یَجْرِمَنَّکُمْ شَنَاٰنُ قَوْمٍ عَلٰٓی اَلاَّ تَعْدِلُوْا، اِعْدِلُوْا ھُوَ اَقْرَبُ لِلتَّقْوٰی، وَاتَّقُوا اللهَ، اِنَّ اللهَ خَبِیْرٌ بِمَا تَعْمَلُوْنَ. ( المائدة ۵: ۸)

إن المقصد الذي يهدفه هذا الدين هو "التزكية" في مصطلح القرآن. والتزكية يعني تربية فكر الإنسان وإنماء عمله إنماءً صحيحًا بطريق تزكية حياته الفردية والاجتماعية. والقرآن يؤكد في أكثر من موضع أن الجنة المعلاة والمُلك الخالد الذي وصفه القرآن بحالة "راضية مرضية" هما نصب عينه. ويضمن القرآن للصول إلى ذلك الفوز العظيم لمن يزكى نفسه في هذه الحياة الدنيا فقال:

قَدْ اَفْلَحَ مَنْ تَزَکیّٰ وَذَکَرَ اسْمَ رَبِّه فَصَلّٰی. بَلْ تُؤْثِرُوْنَ الْحَیٰوۃَ الدُّنْیَا، وَالْاٰخِرَۃُ خَیْرٌ وَّاَبْقٰی. (الأعلیٰ: 16-17)

وعليه فالتزكية هي الغاية التي يرمي إليها الإنسان والمقصد الذي تم لحصوله بعث الأنبياء والرسل، وقد نزل الدين كله لكي يرشد الإنسان لبلوغ ذلك المقصود ولوصول تلك الغاية كما قال تعالى:

ھُوَ الَّذِیْ بَعَثَ فِی الْاُمِّیّنَ رَسُوْلًا مِّنْھُمْ، یَتْلُوْا عَلَیْھِمْ اٰیٰتِه ویُزَکِّیْھِمْ ویُعَلِّمُھُمُ الْکِتٰبَ وَالْحِکْمَة. (الجمعة: 2)

والطريقة التي يجب على متبعي هذا الدين للعمل به هي طريقة الإحسان. والإحسان أن تأتي يعمل على أحسن وجهه. فإذا حصل عمل ما مقرون فيه الإحسان روحاً وقالباً باتزان كامل. وبرعاية كل أجزائه رعايةً تامةً ويعتبر الإنسان أثناء ذاك العمل كأنه في الحضرة الإلهية فهناك يتم الإحسان. كما قال تعالى:

وَ مَنْ اَحْسَنُ دِیْنًا مِّمَّنْ اَسْلَمَ وَجْھَه لِلّٰہِ، وَھُوَمُحْسِنٌ، وَّاتَّبَعَ مِلَّة اِبْرٰہِیْمَ حَنِیْفًا. (النساء: ۱۲۵)

وقد أوضح الإحسان النبي صلى الله عليه وسلم في أسلوبه البليغ كما يلي:

"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك."

(رواه مسلم رقم الحديث: 23)

(يُتبع ...)

ـــــــــــــــــ

ميزان - الإشراق العربي - مايو 2026 - أفكار - أفكار