تاريخ جمع وتدوين القرآن الكريم: دراسة نقدية

(الحلقة التاسعة)

3- فيما يتعلّق بالأسلوب التقييدي للروايات. (122)

سنقوم بتحليل هذه الفرضيّة بالنظر إلى كلا الاتجاهين في تفسير كلمة "جَمَعَ" أي هل المقصود بها الجمع الكتابي أم الحفظ في الصدور.

وقد أُشير سابقًا إلى أنّ كلاً من الرحماني والعمادي والخوئي يرون أنّ كلمة "جمع"

تُشير إلى الجمع الكتابي.

ويرى الرحماني (123) أنّ الروايات التي تُقيِّد كُتّاب القرآن بعدد أربعة فقط (الفئة الثانية) لها خلفيّة معيّنة، وقد أشار إليها ابن عبد البرّ (ت 463هـ). ووفقًا لهذه الخلفيّة، فإنّ هذه العبارات قيلت على لسان بعض أفراد قبيلة الخزرج من الأنصار في سياق مفاخرة ومجادلة مع أفراد قبيلة الأوس حول التفاضل والسبق. ويوضح ذلك ما جاء عن أنس:

حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني قال حدثنا أبو يوسف يعقوب بن ابراهيم البغدادي الدروقي قال حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس قال افتخرت الأوس فقالوا منا غسيل الملائكة حنظلة ابن الراهب ومنا من حمته الدبر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت ومنا من اهتز بموته عرش الرحمن سعد بن معاذ فقال الخزرجيون منا أربعة قرءوا القرآن علی عهد رسول الله ولم يقرأه غيرهم زيد بن ثابت وأبو زيد ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب .(124)

يقول الرّحماني إنّ هناك عددًا من الصحابة الآخرين قد كتبوا القرآن الكريم. كما يرى العِمادي (125) أنّه لا يمكن تصديق أن أربعةً فقط من الأنصار هم الذين كتبوا القرآن؛ إذ إنَّ ذلك غير معقولٍ ولا مقبولٍ عقلًا، لأنَّ المهاجرين الذين لازموا النبي ﷺ مدةً أطول لم يُعقل أن لا يكون فيهم من كتب القرآن، بينما ينفرد بذلك عددٌ قليل من الأنصار. ويستشهد – على سبيل المثال – بما هو معروف من أنّ عثمان بن عفان رضي الله عنه كان قد جمع القرآن، كما ذكر ذلك السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء(126). ويرى العِمادي أنّ مراد أنس رضي الله عنه ربما كان أن هؤلاء الأربعة من الخزرج – دون الأوس من الأنصار – كانوا أوائل من كتب القرآن.

كما يذهب الخوئي (127) إلى أن عدد الذين كتبوا القرآن كان أكثر بكثير مما تذكره الروايات ذات الأسلوب التقييدي الضمني. وأما الروايات ذات الأسلوب التقييدي الصريح، فيرى أنها لا يُعتد بها؛ لأنها تعارض روايات كثيرة، ولأنه من المتعذر عمليًا الإحاطة بالعدد الكلي لمن كتبوا القرآن، نظرًا لتفرّق الصحابة – وهم عدد كبير – في الأمصار المختلفة.

وفي المقابل، فإن العلماء الذين فهموا لفظ الجمع على أنه الحفظ، قد فسّروا هذه الروايات بوجوه متعددة؛ فبعضهم حاول تأويلها، بينما انتقدها آخرون ببيان تعارضها مع روايات أخرى تذكر أسماء صحابة غير هؤلاء الأربعة ممن حفظوا القرآن في حياة النبي ﷺ.

ومن بين هؤلاء العلماء، يمكن الإشارة إلى أربعة من الأئمة البارزين: الباقلاني (ت 403هـ)، والقرطبي (ت 671هـ)، وابن كثير (ت 774هـ)، وابن حجر (ت 852هـ).

الباقلاني(128)

يرى الباقلاني أن الروايات التي تحصر عدد الحُفّاظ في عدد معيّن يمكن تفسيرها بعدة وجوه، منها:

  1. أن هؤلاء الأربعة أو الخمسة هم الذين حفظوا القرآن بجميع وجوه قراءاته التي نزل بها.
  2. أنهم وحدهم الذين حفظوا الآيات المنسوخة وغير المنسوخة.
  3. أنهم تلقّوا القرآن مباشرةً من النبي ﷺ، بينما أخذه غيرهم عن بعضهم البعض.
  4. أنهم اشتهروا بالحفظ والتعليم، وربما كان هناك غيرهم كثير، لكن الراوي لم يطّلع عليهم.

القرطبي(129)

يقول القرطبي إن من الثابت أن سبعين من حفّاظ القرآن قُتلوا في معركة اليمامة (بعد وفاة النبي ﷺ بأشهر)، كما قُتل مثلهم في بئر معونة في حياته ﷺ، فكيف يُحصر العدد في أربعة؟! ولعل أنسًا رضي الله عنه ذكر هؤلاء الأربعة لصلته الوثيقة بهم، أو لأنه لم يعرف غيرهم من بين الحفّاظ.

ابن كثير(130)

يرى ابن كثير أن ما ورد في هذه الروايات غير دقيق؛ لأن عددًا كبيرًا من المهاجرين أيضًا كانوا قد جمعوا القرآن. ويُحتمل أن المقصود أن من بين الأنصار – دون غيرهم من القبائل – لم يجمع القرآن إلا أربعة. ثم ذكر روايات متعددة تدل على أن عددًا من المهاجرين كذلك كانوا قد جمعوا القرآن، ومنهم:

(أ) أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقد جاء فيه:

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد الأشج كلاهما عن أبي خالد قال أبو بكر حدثنا أبو خالد الأحمر عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أوس بن ضمعج عن أبي مسعود الأنصاري قال قال رسول اللّٰه صلی الله عليه وسلم يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله. (131)

(ب) عثمان رضي الله عنه

حدثنا أبو عبيد حدثنا هشيم قال أخبرنا منصور عن ابن سيرين قال: قالت نائلة بنت فرافصة الكلبية حيث دخلوا علی عثمان ليقتلوه فقالت إن تقتلوه أو تدعوه فقد كان يحيي الليل بركعة يجمع فيها القرآن. (132)

(ج) علي رضي الله عنه

حدثنا عبد الله قال حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي قال : حدثنا ابن فضيل، عن أشعث ، عن محمد بن سيرين قال: لما توفي النبي صلی الله عليه وسلم أقسم علي أن لا يرتدي برداء إلا لجمعة حتی يجمع القرآن في مصحف ففعل فأرسل إليه أبو بكر بعد أيام أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ قال: لا و الله إلا أني أقسمت أن لا أرتدي برداء إلا لجمعة فبايعه ثم رجع [قال أبو بكر: لم يذكر المصحف أحد إلا أشعث وهو لين الحديث وإنما رووا حتی أجمع القرآن يعني: أتم حفظه فإنه يقال للذي يحفظ القرآن قد جمع القرآن ] (133)

(د) عبد الله بن مسعود وجاء فيه:

حدثنا عبد الله قال حدثنا عبد الله بن محمد بن النعمان قال: حدثنا سعيد بن سليمان قال: حدثنا أبو شهاب، عن الأعمش، عن أبي وائل قال: خطبنا ابن مسعود علی المنبر فقال: ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة غلوا مصاحفكم ، وكيف تأمروني أن أقرأ علی قراءة زيد بن ثابت، وقد قرأت من في رسول الله صلی الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة، وأن زيد بن ثابت ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان، و الله ما أنزل من القرآن إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل، ما أحد أعلم بكتاب الله مني، وما أنا بخيركم ، ولو أعلم مكانا تبلغه الإبل أعلم بكتاب الله مني لأتيته.(134)

(ه) عبد الله بن عباس

وجاء فيه:

أخبرنا الحكم بن المبارك أخبرنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن مجاهد قال لقد عرضت القرآن علی بن عباس ثلاث عرضات أقف عند كل آية أسأله فيم أنزلت وفيم كانت.(135)

(و) عبد الله بن عمرو، وجاء فيه:

أخبرنا قتيبة بن سعيد قال ثنا المفضل عن بن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة عن يحيی بن حكيم بن صفوان عن عبد الله بن عمرو قال جمعت القرآن فقرأت به في كل ليلة فبلغ ذلك النبي فقال لي اقرأ به في كل شهر فقلت أي رسول اللّٰه دعني أستمتع من قوتي وشبابي قال اقرأ به في كل عشرين قلت أي رسول الله دعني أستمتع من قوتي وشبابي فقال اقرأ به في كل عشر قلت أي رسول الله دعني أستمتع من قوتي وشبابي قال اقرأ به في كل سبع قلت أي رسول الله دعني أستمتع من قوتي وشبابي فأبی.(136)

(ز) سالم مولى أبي حذيفة

يُشير ابن كثير أيضًا إلى أن سالم مولى أبي حذيفة كان من الحفّاظ المشهورين للقرآن، غير أنه لا يذكر أيّ روايةٍ تؤيّد ذلك.(137)

وبعبارةٍ أخرى، يرى ابن كثير أنه في ظلّ وجود هذه الروايات التي تُسمّي بعض حفّاظ القرآن من المهاجرين، لا يمكن قبول الروايات محلّ البحث إلا إذا حُمِلت على معنى خاص، وهو أنها تقصد حصر الحفظ في هؤلاء من الأنصار مقارنةً بالمهاجرين، لا نفي وجود حفّاظٍ من المهاجرين أصلًا.

الهوامش

(122) من الواضح أنّ روايات الفئة الثانية تنصّ صراحةً على حصر عدد جامعي القرآن في أربعة. أمّا روايات الفئة الأولى، فيمكن أن يُختلف في كونها تفيد هذا الحصر أم لا. غير أنّه إذا اعتُبر أنّها ـ ولو ضمنًا ـ تدلّ على حصر الجامعين في أربعة، فإنّ نفس النقد أو التأويل الذي طُبّق على روايات الفئة الثانية في هذا المبحث سينطبق عليها أيضًا.

(123) الرحماني، تاريخ القرآن، ص 56، 71.

(124) يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ط1، ج1 (بيروت: دار الجيل، 1412هـ)، ص 382.

(125) العمادي، جمع القرآن، ص 169–170.

(126) جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، تاريخ الخلفاء، ط1 (مصر: مطبعة السعادة، 1952م)، ص 148.

(127) الخوئي، البيان، ص 269–270.

(128) القاضي أبو بكر الباقلاني، الانتصار للقرآن، ط1، ج1 (بيروت: دار ابن حزم، 2001م)، ص 180–181.

(129) ابن حجر، فتح الباري، ج9، ص 43.

(130) ابن كثير، فضائل القرآن، ص 97–100.

(131) مسلم، الجامع الصحيح، ج1، ص 465، رقم (673).

(132) أبو عبيد، فضائل القرآن، ص 90–91.

(133) ابن أبي داود، كتاب المصاحف، ص 16، 22–23.

(134) نفس المصدر

(135) الدارمي، السنن، ط1، ج1 (بيروت: دار الكتاب العربي، 1407هـ)، ص 273، رقم (1120).

(136) النسائي، السنن الكبرى، ج5، ص 24، رقم (8064).

(137) ولعله يشيرإلى رواية آتية:

إن أبا وائل يحدث عن مسروق عن عبد اللّٰه بن عمرو عن النبي قال استقرؤا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود وسالم مولی أبي حذيفة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب. (أحمد بن حنبل، المسند، ج 2، ص 189، رقم 6767).

(يُتبع...)

ـــــــــــــــــــــــــ

تاريخ جمع وتدوين القرآن الكريم: دراسة نقدية - الإشراق العربي - مايو 2026 - أفكار - أفكار