logo
أخرى

إشراقة: إعادة النظر في استراتيجية الكفاح المسلح

إشراقة

إعادة النظر في استراتيجية الكفاح المسلح

ضرورة ملحّة لقوى المقاومة

مع أن الحرب الإسرائيلية المدمّرة التي امتدت لعامين كاملين على قطاع غزة قد توقّفت مؤقتًا، إلا أنها لم تنته فعليًا؛ فالجيش الإسرائيلي لم ينسحب من غزة بكاملها ولا يزال مسيطرًا على رقعة أوسع منها، ويشن غارات جوية مكثفة من حين إلى آخر. لذلك تظلّ الحياة الفلسطينية تعيش أزمات متعاقبة ومشقات لا تنتهي. فالكيان المحتل يواصل اعتداءاته اليوميّة مستخدمًا أدنى الحجج، ويقتل الأبرياء العُزل من أطفال ونساء وشيوخ ومرضى، ولا رادع له عن خروقات الهدنة التي أبرمت بوساطة دول عربية وإسلامية وتحت رعاية الإدارة الأمريكية مباشرة.

منذ توقيع هذه الهدنة، التي اعتبرت زائفة لدى كثيرين لكونها قد تمت بين الضعيف والقوي، استشهد أكثر من ثلاثمائة فلسطيني رغم كل الضمانات الدولية والأمريكية. وليس هذا فحسب، بل إن الولايات المتحدة ما تزال تدعم إسرائيل وتمنحها الضوء الأخضر لخططها الإجرامية. وفي الوقت نفسه، يخطط الكيان لضم أجزاء من الضفة الغربية، وأغلق معبر رفح مجدّدًا، مانعًا دخول حافلات المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، مما يزيد من تفاقم أزمة الجوع ونقص الدواء وتدهور ظروف السلم والأمن والصحة والعافيةفي ظل نزول الأمطار وخاصة في زمن الشتاء. والآن حين يوشك تبادل الأسرى الأحياء والأموات أن يصل إلى نهايته أهل غزة يترقّبون بلهفة انتقال الهدنة إلى "المرحلة الثانية" أواليوم التالي كما تسمّى في الإعلام، وفي أملٍ أن تستبدل الإدارة المنهكة بنظام انتقالي جديد لغزة، وأن تتولّى قوات أمنية دولية، إسلامية وعربية، مهمة حفظ الأمن والسلام وتنظيم توزيع المساعدات على نطاق واسع، وبدء مرحلة إعادة الإعمار الشاملة للقطاع المنكوب.

غير أن نتنياهو، الذي وصف باعتباره إرهابيًا ومجرم حرب، ما زال يماطل ويعطّل كل هذه المساعي، إذ يخضع لضغوط المتطرفين في حكومته ويريد العودة إلى خيار الحرب لأي ذريعة تافهة. هذه الرغبة تهدف إلى طمس القضية الفلسطينية وإلغاء أفق حلّ الدولتين، ويبدو أن الرئيس الأمريكي ترمب شريك في هذه النوايا الخبيثة. كما يخططان لنزع سلاح المقاومة وتقسيم غزة إلى قسمين :شرقية وغربية معتقدين أن ذلك سيمكّن العدو الصهيوني، بتعاون الإدارة الأمريكية الماكرة، من القضاء النهائي على القضية الفلسطينية.

يرى محلّلون أنّ التقارب الأميركي-السعودي يمكن أن يدفع ملفّ إقامة الدولة الفلسطينية إلى الهامش، لأنّ الطرفين يركّزان حالياً على مصالحهما الاقتصادية والأمنية الثنائية. ومع ذلك، يبدو أنّ محمد بن سلمان أوضح صراحةً خلال لقائه مع ترامب أنّه منفتح على الانضمام إلى «اتفاقات أبراهام»، لكن بشرط أن يتمّ أولاً وضع خارطة طريق واضحة لحلّ الدولتَين.

ولو أنّ ولي العهد السعودي خضع للضغط الأميركي وتخلّى عن مطلبه المتعلّق بقيام دولة فلسطينية مقابل إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، لكانت دولٌ مثل باكستان وإندونيسيا وبنغلاديش وغيرها قد سارعت إلى الاعتراف بإسرائيل الواحدة تلو الأخرى. أمّا الآن، فإذا استمرّ في التمسّك بموقفه ولم ينحنِ أمام الضغط الأميركي، فإنّ ذلك يشكّل خبراً إيجابياً يمنح الفلسطينيين جرعة أمل في لحظة سياسية خانقة.

وللأسف، إن المقاومة تفتقر الآن إلى أوراق ضغط فعّالة على المحتل، فلا أفق مشرق يلوح في الأفق لقوى المقاومة أو للقضية الفلسطينية، في ظلّ ما يبدو من تواطؤ وتردد عربي وإسلامي مستمرّ.

المقاومة اليوم في مأزق خطير لا تعرف كيف تخرج منه أو إلى أين تتجه. القيادات العربية والإسلامية تظهر وكأنها دمى في يد الإدارة الأمريكية التي تحرّكها كيف تشاء. كل هذا يستدعي إعادة نظرٍ جذرية في أحداث السابع من أكتوبر (7 أكتوبر 2023)، التي شكّلت لحظة فاصلة في تاريخ القضية الفلسطينية والنضال التحريري. كان يوم 7 أكتوبر قد يصبح نقطة تحوّل لو توفرت له وحدَةٌ عربية وإسلامية حقيقية، ووقفت الأمة وراء قوى المقاومة متحدّة مصالحها الضيقة والانتقائية، دون تحويل القضية إلى ساحة صراع لمكاسب حزبية أو فئوية.

ولا بدّ أن تحمّل قوى المقاومة مسؤولية تقييمها الاستراتيجي قبل التحرك؛ فقد كان عليها أن تقدّر الثمن الباهظ الذي سيتكبّده الشعب الفلسطيني، وأن تكون واثقة من مواقف الأمة الإسلامية: هل ستقف معها أم لا؟ أم أن تبايناتها وضعفها السياسي والاقتصادي وفسادها الأخلاقي ستمنعها من ذلك؟ عند هذه النقطة ارتُكِب خطأ جسيم؛ إذ أخفقت قيادة المقاومة في تقييم قدراتها وقدرات العدو بدقة، وانطلقت بقرارٍ متعجل دفع ثمنه الشعب الفلسطيني ثمناً باهظا. وإذا نراجع هذا القرار اليوم، فإن نتائجه غير واضحة ولا نعرف كيف ستجاوز المقاومة هذه المرحلة الحسّاسة والخطيرة.

يبرّر البعض عملية حماس في السابع من أكتوبر بأن الهدف كان منع العرب والعالم من إخماد القضية الفلسطينية عبر التطبيع مع إسرائيل، بغضّ النظر عن معاناة الفلسطينيين. لكننا نقول إن ثمة طرقًا أخرى لمنع التطبيع دون الانطلاق في هجمة جلبت معها إبادة جماعية وجرائم قتل وتشريد وتجويع لم يشهد التاريخ مثلها. لا يبرِّر ما تبع السابع من أكتوبروجرائم الحرب الإسرائيلية من التعاطف الرأي العالمي مع الفلسطينين ضحايا السبعين ألفًا من الأبرياء بمافيهم عشرين ألفا طفلافلسطينيا في نظرنا.

تاريخًا، تكرّر مثال عن هجومٍ مفاجئ عندما هاجم اليابانيون ميناء بيرل هاربر في عام 1941 في جزيرة هاوائي وذهب ضحيته حوالي أربعة آلاف أمريكي، فأدى ذلك إلى رد انتقامي قاسٍ من الولايات المتحدة بلغ حدّ إلقاء القنبلة الذرية على ناغاساكي وهيروشيما. وبالمثال ذاته، هجمت حماس في 7 أكتوبر 2023 على إسرائيل، وردّت إسرائيل بشنّ أشرس هجوم على مدينة غزة المحاصرة، ودمرتها تدميرًا شبه كليّ أمام أنظار العالم.

وبناءً على ذلك، على قيادات المقاومة إعادة النظر في استراتيجياتها الكفاحية واستثمار فرصة الهدنة المؤقتة الآن في خطوتين عمليتين: أولًا، تحقيق وحدة الفصائل الفلسطينية وجمع كلمتها وتنسيق جهودها؛ ثانيًا، التعاون مع القوى العربية والإسلامية والدولية من أجل إعادة إعمار شامل لغزة واتخاذ خطوات تدريجية نحو إقامة الدولة الفلسطينية، الحلم الذي بالكاد يستحيل تحققه في ظل الأوضاع الراهنة للمنطقة، حتى لو تطلّب ذلك تجميد السلاح كما تقترح مصر، لا نزعه، لإدارة جديدة مسؤولة عن الأمن والنظام في غزة كمرحلة انتقالية.

في عام 1947م، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين إلى كيانين: أحدهما لليهود والآخر للعرب الفلسطينيين. وقد قبلت القيادات الصهيونية القرار فوراً، فقامت دولة إسرائيل مباشرة بعد ذلك. أمّا الفلسطينيون والعرب فرفضوا خطة التقسيم، فلم تُقم دولة فلسطين. وكان ذلك خطأً استراتيجياً كبيراً دفع الفلسطينيون ثمنه باهظاً عبر العقود، وما زالوا يدفعونه حتى اليوم.

ولهذا أصبح لزاماً على إخواننا الفلسطينيين اليوم أن يتعاملوا مع الواقع القائم كما هو، وأن يعيدوا بناء حياتهم وفق الحقائق الموجودة على الأرض، بعيداً عن الأوهام المرتبطة بما يُسمّى بالقانون الدولي، الذي لم يُثمر لهم شيئاً طوال تاريخ القضية. أو الإدارات الدولية التي هي منحازة تماماً لصالح الصهاينة أو العالم الإسلامي الضعيف المسكين الذي لم يجدِ لهم نفعا ،أو الضميرالإنساني الذي مات في غزة. نسأل الله تعالى أن يأتي بإمكانيات خارقة للعادة، تنقذ قوى المقاومة وتفتح طريقًا نافعًا لحلّ القضية الفلسطينية وإعادة الحقّ لأصحابه.

والعدد الحادي عشر من مجلة "الإشراق" العربي" مزدان، كعادته في كل الأعداد السابقة، ببعض الأبحاث المنتخبة من مجلة الإشراق الأردي الصادرة في أمريكا لعدد نوفمبر 2025م، إلى جانب واحة رائقة من الشعر العربي الحديث.

ونسأل المولى الكريم أن يتقبّل منا هذه الجهود المخلِصة في نشر كلمته، وسائر الأعمال الصالحة. كما نرحّب بآراء المتابعين والمستشيرين لإثراء مجلتنا هذه، بصدور مفتوحة وقلوب واعية.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوكم في الدين،

أ. د / محمد غطريف شهباز الندوي

           (16 نوفمبر ٢٠٢٥م، علي كره)