هل كانت قريش تخشى خلافة بني هاشم؟
(ردًّا على تعليق للدكتور محمد عمار خان ناصر)
(الحلقة الأولى)
]هذا العمود المعنون بـ "وجهات نظر" مخصص لكتابات مختلف أصحاب الفكر وتعبر عن آراء أصحابها وليس من الضروري أن تتفق المؤسسة مع المقالات المنشورة تحته.[
في العصر الجاهلي، كانت القيادة الدينية والسياسية لقريش بيد بني عبد مناف. وكانت القيادة السياسية بيد بني عبد شمس واستمرت في ذرية ابنهم أمية، بينما كانت المسؤوليات الدينية على عاتق بني هاشم. وكان هذان القبيلتان يعتبران حليفين ومتحدين ضد أعدائهما بسبب العصبية المشتركة. وبسبب الزواجات المتبادلة بينهما، أصبحا أقارب بالقرابة والصهر. وغالبًا ما كان زعماؤهما أصدقاء مقربين وحماة لبعضهم البعض.
وحين بعث محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم، اجتمعت في شخصه القيادتان الدينية والسياسية معاً، فارتفعت مكانة بني هاشم إلى ذروة لم يسبق لها مثيل في قريش. وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم، رأت بطون بني عبد مناف أن استمرار الزعامة فيهم امتداد طبيعي لما كان عليه الحال من قبل، واشتدّ لدى بني هاشم خاصة الشعور بأن الخلافة ينبغي أن تبقى فيهم، لأنهم أول من نال شرف الجمع بين الدين والسياسة. غير أن التحدي الذي واجهوه تمثل في غياب شخصية هاشمية مؤهلة للقيادة تحظى بقبول واسع بين المسلمين. وكان المرشح الوحيد الممكن هو سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان آنذاك شاباً في الثلاثين من عمره، لم يعرف له تاريخ سياسي سابق، وإن كانت صلته الوثيقة بالنبي صلى الله عليه وسلم من جهة النسب والمصاهرة تؤهله للترشيح من الناحية الاجتماعية. إلا أن التحول الجوهري الذي أحدثه النبي صلى الله عليه وسلم في مفهوم القيادة جعل من معاييرها الإيمان والسابقة في نصرة الدعوة، لا العصبية والنسب. فقد أصبحت الكفاءة الإيمانية والعملية معيار الأحقية في تولّي شؤون الأمة. وفي ضوء هذا المعيار، برز سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه من بني تيم وسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه من بني عدي، وهما من البطون الأقل نفوذاً في قريش، غير أن مكانتهما الرفيعة في الإسلام وسوابقهما في خدمة الدعوة جعلاهما الأوفر حظاً في تولي الخلافة. وبذلك، لم يكن امتناع الخلافة عن بني هاشم ناتجاً عن خشية قريش من سلطتهم، بقدر ما كان تعبيراً عن تحول جوهري في معايير الزعامة داخل الجماعة الإسلامية، حيث غلب الاعتبار الديني والأخلاقي على الاعتبار القبلي والموروث السياسي.
كان بنو هاشم وبنو أمية قد تولّوا الزعامة في قريش قبل الإسلام، غير أن موقفهم من الدعوة الإسلامية في بداياتها اتّسم بالمعارضة والتردد؛ إذ تأخر كثير من زعمائهم في الدخول في الإسلام، بل وقف بعضهم موقف العداء الصريح من النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته. ولهذا السبب لم يكن هؤلاء الزعماء، في نظر الجماعة الإسلامية الناشئة، أشخاصاً مؤهلين للقيادة في مرحلة ما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. فقد حاول العباس بن عبد المطلب، سيد بني هاشم، ومعه أبو سفيان بن حرب، سيد بني أمية، وحليفهما من بني أسد، الزبير بن العوام وهو ابن صفية بنت عبد المطلب، عمة النبي صلى الله عليه وسلم أن يدفعوا باتجاه مبايعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد وفاة النبي مباشرة، باعتباره أفضل مرشح متاح من بني هاشم آنذاك.
أما سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهو من بني أمية، فكان من كبار الصحابة سنّاً ومكانة، وقد عرف بسخائه ومواقفه المالية العظيمة في خدمة الإسلام، مما جعله محبوباً بين المسلمين، وكان، من حيث المكانة الاجتماعية والانتماء إلى بني عبد مناف، أقرب إلى مواصفات المرشح المقبول للخلافة. ومع ذلك، لم يكن عثمان في ذلك الوقت مرشحاً فعلياً للخلافة، ولم يكن المسلمون على استعداد لتقديمه على أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، لما لهما من سابقة راسخة في الدعوة والصحبة والموقف. ومن ثمّ، برز سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه مرشحاً للخلافة، رغم حداثة سنّه وقلة خبرته السياسية، لأنّه كان المرشح الوحيد من بني هاشم الذي يجمع بين القرابة الوثيقة من النبي صلى الله عليه وسلم والسمعة الدينية العالية بين المسلمين.
عندما تمّ اختيار الخليفة الثالث سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه باتفاق الرأي، عادت الزعامة القرشية مجدداً إلى بني عبد مناف، إذ كان عثمان من بني أمية، أحد فروعهم البارزة. غير أنّ بني هاشم ظلّوا مع ذلك بعيدين عن منصب الخلافة.
وفي المرحلة التالية، حين تولّى سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه الخلافة أخيراً، لم تجمع قريش على مبايعته، بل امتنعت فئات مؤثرة منها عن الاعتراف بشرعيته. ولم يكن امتناعهم هذا، في جوهره، نابعاً من حسد أو تنافس قبلي فحسب، بل كان له أسباب سياسية واجتماعية مباشرة؛ إذ رأى كثير منهم أن تأخر علي رضي الله عنه في الاقتصاص من قتلة عثمان، وما اعتبروه ميلًا منه إلى الثوّار الذين شاركوا في الفتنة، جعلا موقفه موضع ريبة وتردد.
ومع ذلك، تولّد انطباع عام، خاصة في الروايات اللاحقة، بأن قريشاً كانت منذ البداية تسعى لإقصاء بني هاشم عن الخلافة. وقد استند أنصار هذا التصور إلى بعض الآثار التي ورد فيها ذكر ذلك عن علي وعمر رضي الله عنهما، وإلى الحادثة الشهيرة في سقيفة بني ساعدة، حين تدخّل سيدنا عمر رضي الله عنه لفضّ اجتماع لبني عبد مناف كانوا يتشاورون في مبايعة سيدنا علي رضي الله عنه خليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا، اختلط في الروايات التاريخية العامل السياسي الآني الذي نشأ عن ظروف الفتنة بقراءات لاحقة حمّلت الأحداث بعداً قبلياً، في حين أن طبيعة الخلاف في أصله كانت أقرب إلى الاختلاف في الاجتهاد السياسي منها إلى التنازع العشائري.
فيما يتعلّق بموقف قريش المذكور تجاه بني هاشم، روي عن سيدنا علي رضي الله عنه الأثر الآتي:
"فتقول: إن ولي عليكم بنو هاشم لما تخرج منهم أبدا، وإذا كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم." (تاريخ الطبري، ٤ /٢٣٣)
الأثر المنقول عن سيدنا عمر رضي الله عنه هو كما يلي:
"قال ابن عباس: خرجت مع عمر في بعض أسفاره فإنا لنسري ليلة. وقد دنوت منه إذ ضرب مقدم رحله بسوطه وقال:
كذبتم وبيت الله يقتل أحمد و لما نطاعن دونه و نناضل
ونسلمه حتى نصرّع حوله و نذهل عن أبنائنا والحلائل
ثم قال: استغفر الله، وسار فلم يتكلّم إلا قليلا ثم قال:
وما حملت من ناقة فوق رحلها أبرّ و أوفى ذمة من محمّد
وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله وأعطى لرأس السابق المتجرد
ثم قال: استغفر الله يا بن عباس، أبوك عمّ رسول الله، وأنت ابن عمّه، فما منع قومكم منكم؟ قال: قلت: لا أدري. قال: لكني أدري، يكرهون أن تجتمع فيكم النبوّة والخلافة." (أنساب الأشراف، للبلاذري ١٠ / ٣٧٨)
استنادًا إلى تلك الآثار، يرى الدكتور محمد عمار خان ناصر أن انتخاب سيدنا علي رضي الله عنه خليفة للمسلمين لم يكن ممكنًا في ظل وجود شخصيات جليلة القدر وعظيمة المنزلة مثل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، إلا أنه يذهب إلى أنه حتى لو وجد في بني هاشم من يماثل هذين الشيخين في الفضل والمقام، لتجنّبت قريش اختياره للخلافة.[9]*
للحديث صلة ...
