logo
أخرى

دراسة نقدية للقصّة المروية في الصحيحين

دراسة نقدية للقصّة المروية في الصحيحين

عن العسل

(الحلقة الثالثة)

الواقعة الثانية

في تلك الأيام نفسها وقع حادث آخر، وهو أن النبي ﷺ أسرَّ إلى السيدة حفصة رضي الله عنها حديثًا وأوصاها ألّا تُخبر به أحدًا. لكن حفصة رضي الله عنها، لما كانت تعلم مدى محبّة النبي ﷺ لعائشة رضي الله عنها، رأت أنه لا حرج أن تخبرها بذلك السرّ، فحدّثتها به.

فأطلع الله نبيَّه ﷺ على الأمر، وأعلمه أن التي أسرّ إليها الحديث أفشته إلى أخرى. فعاتب النبي ﷺ حفصة قائلًا: لقد أخبرتِ أحدًا بالسرّ ولم تحفظيه. فلم تُبدِ حفصة رضي الله عنها ندمًا، بل قالت: ومن أخبرك بذلك؟ ظنّت أن عائشة هي التي أخبرته، إذ لم تخبر حفصة أحدًا غيرها. فقال ﷺ: أخبرني العليم الخبير، أي الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى.

ومع ذلك، لم تُعرِ حفصة الأمرَ أهمية كبيرة، ولم تُظهر التوبة أو الأسف. وكانت بين حفصة وعائشة رضي الله عنهما مودة عميقة، وقد اتفقتا معًا في الإصرار على أن يقطع النبي ﷺ صلته بالسيدة مارية القبطية رضي الله عنها. فجاء هذا الحادث ليزيد الموقف توترًا.

وبسبب الحزن والانزعاج، أقسم النبي ﷺ أن يعتزل بعض أزواجه شهرًا كاملًا، كما روت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها:

"إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ شَهْرًا"

(صحيح البخاري، كتاب النكاح، ص283 طبعة الهند).

والمقصود بـ«بعض أهله» هما عائشة وحفصة رضي الله عنهما. وهذا يُسمّى في الاصطلاح الفقهي «الإيلاء»، أي أن يحلف الزوج على اعتزال زوجته مدة معينة. ولم يُؤلِ النبي ﷺ من جميع أزواجه، بل من اثنتين فقط، لكنه ﷺ اعتزل الجميع فعليًا، فأقام في مشربة له شهرًا. لذلك ورد في بعض الأحاديث أنه «آلى من نسائه» على وجه الإجمال، فظن بعض المفسرين خطأً أنه آلى من جميع أمهات المؤمنين، وليس الأمر كذلك.

وفي شأن هذا الحادث — حادث إفشاء السر — نزل قول الله تعالى:

﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ (التحريم: 3)

أي قال لها سرًّا وأوصاها ألّا تُخبر به أحدًا.

ثم قال تعالى:

﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾

 (التحريم: 3)

أي حينما أفشت ذلك إلى الأخرى، وأطلعه الله على ما حدث، ذكَر لها بعض الأمر وترك بعضه، فعرض إجمالًا دون تفصيل.

ثم قال تعالى:

﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا، قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾

(التحريم: 3).

وأما ماهية السرّ نفسه، فلا يعلمها إلا الله. فلم يُذكر في القرآن ولا في حديث صحيح، ولم يتكلم فيها أحد من الصحابة، لا حفصة ولا عائشة رضي الله عنهما، بل كتمتاه طيلة حياتهما. ولهذا ينبغي للمؤمنين ألا يخوضوا في محاولة كشف ما لم يُكشف.

قال الشاعرالفارسي:

اكنون   كِرا   دماغ   کہ   پُرسد  زِ  باغباں

بلبل چہ گفت و گل چہ شنيد و صبا چہ كرد

أي: من له الجرأة ليسأل البستاني عمّا دار بين البلبل والورد والنسيم من حوار؟

وقد وردت في بعض كتب التفسير روايات شاذة لا يُعتدّ بها، أما في الصحيحين فلم يثبت سوى ما رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

"وَكَانَ قَدْ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا، فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً"

(البخاري: رقم 2468، 5191؛ مسلم: رقم 1479).

فخاطبهما الله تعالى بقوله:

﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (التحريم: 4)

أي إن تتوبا فهو خير لكما، فقد مالت[8] قلوبكما إلى ما لا يليق بمقامكما.

﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ التحريم: 4)

أي إن اتفقتما على مضايقة النبي ﷺ أو إيذائه، فلن تضرّاه شيئًا، لأن الله وليّه، وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة من بعدهم أنصاره.

وهكذا خيّرهما الله بين طريقين: طريق التوبة والإصلاح، أو طريق العناد والخصومة. فإن تابتا، رفع الله منزلتهما، وإن استمرّتا، خسرَتا التأييد الإلهي، ودعاء الملائكة، ومحبة المؤمنين، بل وسقَطتا من أعين آبائهما الكرام. وإن طلّقهما النبي ﷺ، فالله قادر أن يبدله خيرًا منهما، كما قال تعالى.

﴿عَسَى رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبۡدِلَهُۥٓ أَزۡوَٰجًا خَيۡرًا مِّنكُنَّ مُسۡلِمَٰتٖ مُّؤۡمِنَٰتٖ قَٰنِتَٰتٖ تَٰٓئِبَٰتٍ عَٰبِدَٰتٖ سَٰٓئِحَٰتٖ ثَيِّبَٰتٖ وَأَبۡكَارًا.التحريم :5﴾

هاتان الحادثتان في ذاتيهما لم تكونا عظيمتين، لكن عِظَم شأن أمهات المؤمنين جعلهما ذا وزن كبير. فقد كنّ لسن نساءً عاديات، بل شريكات حياة النبي ﷺ، الذي هو أعظم الخلق في الكون بعد الله تعالى. لذلك أراد الله أن يُذكَر ما حدث في القرآن الخالد، ليبقى عبرة لهنّ ولسائر المؤمنين إلى يوم القيامة، وليتعظ الناس بغيرتهنّ وإنسانيتهن وزلتهن رغم سموّ مقامهنّ.

وفي النهاية، نقول:

اللهم صلّ وسلم على نبيك محمدٍ وعلى أزواجه، كما تحب وترضى، عدد ما تحب وترضى.