logo
أخرى

تاريخ جمع وتدوين القرآن

تاريخ جمع وتدوين القرآن الكريم: دراسة نقدية

(الحلقة الخامسة)

أثناء دراسة الأسانيد الواردة في الروايات (80) التزمتُ بالمعايير التي قرّرها أئمةُ علم الرجال في تصنيف الروايات الصحيحة. وهذه المعايير الخمسة هي:

أولًا: أن يكون السند متصلًا غير منقطع .

ثانيًا: أن يكون الرواة عدولًا موثوقين.

ثالثًا: أن يكونوا ضابطين متقنين للحفظ والرواية.

رابعًا: أن تخلو الرواية من العلة الخفية.

خامسًا: أن تخلو من الشذوذ، أي ألّا يخالف الراوي الثقةُ من هو أوثقُ منه روايةً. (81)

وبما أنّ أكثر الروايات التي تم تحليلها قد خضعت أصلًا لهذه المعايير عند المحدّثين الأوائل الذين دوّنوها في مصنّفاتهم، فإنّ من تناول نقد هذه الروايات- ومنهم كاتب هذه الدراسة- أعاد تطبيق تلك المعايير مرّةً أخرى. وسببُ إعادة التطبيق هو أنّ هذا العملَ جهدٌ بشريّ، ومن ثمَّ لا يمكن اعتباره نهائيًّا أو قطعيًّا نظرًا لحدود الإدراك البشري.

ثالثًا: عند تحليل أيّ رواية، جرى تتبّعُ جميع طرقها وشواهدها ومتابعاتها؛ لتجميع أكبر قدر ممكن من المعلومات المتعلّقة بخلفية الحادثة أو الواقعة تحت البحث.

رابعًا: إذا وُجدت روايات متساوية في درجة الصحة لكنها متعارضة في المضمون، يُبذل أوّلًا جهدٌ للجمع والتوفيق بينها، فإن تعذّر ذلك، لم يُعتمد عليها في إثبات مضمونها.

خامسًا: في معظم الفصول تُعرَض آراءُ العلماء المتقدّمين في المسألة وتُناقش وتُقيّم، ثم يُستأنف النقد والتحليل بعدها.

مناهج الباحثين الغربيين في تحليل الحديث

لقد كان لتأثير المستشرقَيْن إغناطس غولد تسيهر (ت 1921م) وجوزيف شاخت (ت 1969م) على الدارسين الغربيين في موضوع موثوقية الحديث تأثيرٌ بالغ العمق.(8۲) فهذان العالمان اعتبرا الأحاديث غيرَ موثوقة ومصطنعةً إلى حدٍّ كبير، مما جعل أغلب الباحثين الغربيين يميلون إلى عدم الثقة بما تعكسه الأحاديث عن صدر الإسلام.

وفي العصر الحديث، يُعدّ الباحث الهولندي غوت هلم أندرياس يُوينبول (G.H.A. Juynboll)ت 2010م) أبرز من تبنّى أطروحتهما. فقد طوّر منهجًا لدراسة روايات الحديث من خلال تحليل الأسانيد، وابتكر مصطلحاتٍ مختلفةً لدراسة جميع الروايات المتفرعة عن أصلٍ واحد ضمن ما سمّاه بـ ’’حزمة الأسانيد‘‘(isnād -bundle).  ويرى يُوينبول أنّ أغلب الروايات يبدأ من النبي ﷺ كخيطٍ مفرد يتفرّع في الطبقة الثالثة أو الرابعة (عادةً عند أحد التابعين) إلى عدة رواةٍ، وأنّ أصلَ هذا التفرّع هو شخصٌ محوريٌّ يسمّيه ’’لرابط المشترك‘‘(common link)(83) وهو ما يُعرف في المصطلح الإسلامي بـ ’’المدار‘‘. (84) ويرى يُوينبول أنّ هذا الرابط المشترك هو في الغالب واضع الرواية ومُنشِئها، لا ناقلها الحقيقي.

أمّا المستشرق هارالد موتسكي، فيرى أنّه لا يوجد ما يكفي من الأدلة لتعميم هذا الحكم، وأنّ كل رواية يجب دراستها على حدة من غيرها؛ إذ يمكن أن يكون الرابط المشترك وضّاعًا كما يمكن أن يكون ناقلًا صادقًا.(85) وقد تبنّى موتسكي ومعه غريغور شولر (Gregor Schoeler) المنهج المعروف بـ المنهج التاريخي للنقل (Überlieferungsgeschichtlich)، ودعَوا إلى اعتماد تحليلٍ يجمع بين المتن والسند (isnād-cum-matn)  أو بالعكس، بحسب نقطة انطلاق البحث وشدّة التركيز على أحد الجانبين.(86)

وقد طبّق موتسكي هذا المنهج على روايات جمع القرآن في عهدي أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعثمان بن عفان رضي الله عنه، فخلص إلى أنّ ’’الرابط المشترك‘‘ في كلتا الحالتين هو ابن شهاب الزهري (ت 124هـ)، وأنّه يمثّل طريقًا حقيقيًّا للرواية عن شيوخه؛ وهم: عبيد بن السباق في الحالة الأولى، وأنس بن مالك (ت 91 /92 /93 /95هـ) في الثانية. ويقول موتسكي : إنّ تاريخ وفاة الزهري يمثل حدًّا أدنى زمنيًّا لما يمكن أن تكون هذه الروايات قد دوِّنت بعده.(87) ويضيف في استنتاجه النهائي:
"إننا لا نستطيع أن نُثبت أنّ الروايات عن تاريخ جمع القرآن تعود إلى شهود عيانٍ للأحداث المزعومة، ولا يمكننا أن نجزم بأنّ ما ورد فيها قد وقع فعلًا كما رُوي. ومع ذلك، فإنّ الروايات الإسلامية أقدم بكثير، وبالتالي أقرب زمنيًّا إلى الأحداث من التقديرات التي افترضها الباحثون الغربيون سابقًا.(88)

ولما كان نقد موتسكي لمنهج يُوينبول مقنعًا في نظري، فقد تبنّيتُ منهجه في تقويم الروايات ولم أستعمل طريقة يُوينبول.

خلاصة أقسام الكتاب

تنقسم هذه الدراسة إلى قسمين رئيسين:

القسم الأول: التقييم النقدي (ويتكوّن من سبعة عشر فصلًا).

يتناول هذا القسم بالنقد والتحليل مختلف الروايات التي تتعلّق بتاريخ جمع القرآن وتدوينه ونقله، وهي الأساس الذي اعتمد عليه العلماء المسلمون التقليديون في بناء تصوّرهم لهذا التاريخ. وتشمل الفصول ما يأتي:

1- دراسة نقدية للروايات التي تذكر أنّ أربعةً فقط جمعوا القرآن في حياة النبي ﷺ.

 2- تحليلٌ نقديٌّ لروايات جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه(89).

3- تحليلٌ نقديٌّ لروايات جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه.

4- تقويمٌ نقديٌّ لروايات جمع القرآن في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

5- دراسةٌ للروايات التي تتحدّث عن مصاحف الصحابيين الجليلين أُبيّ بن كعب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما.

6- متابعة البحث في إحدى قضايا مصحف ابن مسعود، وهي الروايات التي تزعم أنه لم يعدّ المعوّذتين من القرآن الكريم.

7- تحليلُ الرواية التي تفيد أنّ عثمان رضي الله عنه اعتبر سورتي الأنفال والتوبة سورةً واحدة.

8- تقويمُ الروايات التي تذكر رفضَ ابن مسعود تسليم مصحفه للعمّال العثمانيين.

9-دراسةُ الروايات المنسوبة إلى عثمان رضي الله عنه، والتي تزعم وجود أخطاء (لحن) في النسخ التي جُمعت بأمره.

10- تحليلُ الرواية التي تصف ترتيبًا معيّنًا للسور في المصحف بحسب تناقص الطول.

11- بحثُ الروايات التي تشير إلى وضع نسخة من المصحف عند أحد أعمدة مسجد النبي ﷺ.

12- دراسةُ الروايات التي تزعم أنّ الحجاج بن يوسف غيّر في القرآن أحد عشر موضعًا.

13- تقويمُ الروايات التي تتحدّث عن اختلافاتٍ بين المصاحف العثمانية.

14- دراسةُ روايتي ’’آية الرجم‘‘ و’’آية الرضاع‘‘ اللتين توحيان بنقصٍ في القرآن.

15- إعادةُ النظر في نسبة التطورات الأولى في رسم المصحف وضبطه وتنقيطه إلى بعض الأفراد.

16- تقويمُ الروايات المتعلّقة بنزول القرآن على سبعة أحرف.

17- دراسةُ أسانيد القراءات السبع المشهورة لبيان ما إذا كانت تُفيد التواتر أم لا.

القسم الثاني: التركيب والاستنتاج (ويتكوّن من فصلين).

1-  عرضٌ تركيبيٌّ لتاريخ جمع القرآن كما يقدّمه القرآن نفسه .

2- بيانُ تاريخ نقل القرآن وتواتره      

وتُختتم الدراسة بخاتمةٍ عامة تُلخّص أهم النتائج، يليها مجموعةٌ من الملاحق وفهرسٌ للمراجع المستعملة، كما تُلحق بعض الملاحق الخاصة بكل فصل في نهاية ذلك الفصل.

(يتبع...)

الهوامش:

80- يمكن للقارئ أن يلاحظ أن مصطلحات الجرح المستخدمة في تقييم الأسانيد قد شُرحت في الملحق (ج) الموجود في نهاية هذا الكتاب.

  81 - انظر على سبيل المثال :أبو عمرو ابن الصلاح الشهرزوري، المقدمة (بيروت: دار الفكر، 1977م)، ص 11 –12    

82- للاطلاع على عرضٍ مفصّلٍ للآراء الغربية حول تأريخ الحديث، انظر –  هارالد موتسكي،        

Dating  Muslim Traditions: A  Survey”  ، مجلة Arabica المجلد 52، العدد 2 (2005م): 204–253.

83- يتفق كلٌّ من شاخت ويونبول على أنّ الرواية قد صُنعت على يد هذا "الرابط المشترك" (أو – في رأي شاخت – على يد شخصٍ لاحقٍ استخدم اسمه). انظر:
جوزيف شاخت، Origins of Muhammadan Jurisprudence، الطبعة الأولى (لندن: مطبعة جامعة أكسفورد، 1950م)، ص 171–172؛ ج. هـ. أ. يونبول، “Some Isnad Analytical Methods    - Illustrated on the Basis of Several Women Demeaning Sayings from Hadith Literature”، ضمن Studies on the Origins and Uses of Islamic Ḥadīth، الطبعة الأولى (هامبشاير: آشكيت بابليشينغ ليمتد، 1996م)، ص 353.
   والاختلاف الوحيد بينهما هو في تحديد الحقبة التاريخية للشخص الذي يمكن أن يكون ذلك الرابط المشترك. فبحسب موتسكي:

بما أن شاخت كان مقتنعًا بأن الحديث نشأ في القرن الثاني الهجري في أقرب تقدير، فقد استُبعد التابعون الأقدمون، والصحابة، والنبي ﷺ من كونهم روابط مشتركة حقيقية،بينما «يونبول – الذي يرجّح بداية الإسناد قبل شاخت بجيلٍ واحد – يرى أن التابعي، حتى وإن كان كبير السن، يمكن أن يكون رابطًا مشتركًا حقيقيًا. أنظرهارالد موتسكي(محرر):

 Hadith: Origins and   Developments، سلسلة The Formation of the Classical Islamic World، المجلد 28 (ألدرشوت: آشكيت بابليشينغ ليمتد، 2004م)،ص  xxxviii
وللتعريف العام بمصطلحات منهج يونبول، انظر:   ج. هـ. أ. يونبول، “Early Islamic Society as Reflected in its use of Isnads”، ضمن Studies on the Origins and Uses of Islamic Ḥadīth، الطبعة الأولى (هامبشاير: آشكيت بابليشينغ ليمتد، 1996م)، ص 152–159؛ ج. هـ. أ. يونبول (محرر)، Encyclopedia of Canonical    Ḥadīth     ، الطبعة الأولى (ليدن: بريل، 2007م)، ص xvii–xxviii.  

84- وقد جادل حليت أوزكان بأن مصطلح المدار المستخدم في الأدب التاريخي الإسلامي يختلف عمّا يفهمه شاخت ويونبول (عندما يعادلانه بمصطلحهما ’’الرابط المشترك (common link)‘‘ انظر حليت أوزكان، “The Common Link and its Relation to the Madār”، Islamic Law Quarterly، المجلد 11 (2004م): ص 42–77

85-  وللانتقاد الموجَّه إلى فكرة أن الرابط المشترك هو نفسه الواضع للرواية انظر:  
هارالد موتسكي، “Dating Muslim Traditions: A Survey”، مجلة Arabica، المجلد 52، العدد 2 (2005م): ص 228–229؛ هارالد موتسكي، “The Collection of the Qur’an: A        

86-   Reconsideration of Western Views in the Light of Recent Methodological      Developments”، مجلة Der Islam، المجلد 78 (2001م): ص 27–28

هارالد موتسكي، “The Collection of the Qur’an: A Reconsideration of Western Views in the Light of Recent Methodological Developments”، مجلة Der Islam، المجلد 78 (2001م): ص 28

87-  المصدر نفسه، ص 29      

88-  المصدر نفسه، ص 31    

89-   ونظرًا لارتباط الجمع المنسوب إلى أبي بكر رضي الله عنه ارتباطًا وثيقًا، فقد نوقش الجمع المنسوب إلى عمر رضي الله عنه في قسمٍ تكميلي من الفصل نفسه.