logo
أخرى

فهم القرآن والحاجة إلى تحقيق الروايات التفسيرية


فهم القرآن والحاجة إلى تحقيق الروايات التفسيرية

(الحلقة الثالثة)

2- جاء محمد ﷺ كرسولٍ من عند الله يحمل رسالة اقرأ الثورية. فكان ذلك حدثًا محسوسًا ويقينيًّا، ابتدأ برؤى صادقة أُعدّ لها النبي ﷺ إعدادًا غير محسوس على مدى طويل. وكان اضطراب النبي ﷺ عند تلقيه أول وحي أمرًا طبيعيًّا بالنظر إلى ما انطوت عليه الرسالة من تبعاتٍ ومسؤولياتٍ جسيمة، لكنه ﷺ لم يشكّ لحظة في صدق الرسالة ولا في نبوّته. غير أن بعض الباحثين المحدثين في السيرة النبوية استنبطوا من تعبير "خشيتُ على نفسي"الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، أن النبي ﷺ قد انتابه في البداية نوعٌ من التردد أو الظنّ بأن مَن جاءه ربما كان جنًّا أو طيفًا لا مَلَكًا.(12)

وفي بعض الروايات المعتبرة (وهي في الحقيقة مدرجة من كلام الزهري) يُذكر أن انقطاع الوحي بعد المرة الأولى كان شديدًا على النبي ﷺ حتى إنه – والعياذ بالله – حدّث نفسه بالتفكير في إنهاء حياته.(13) والزهري إمامٌ جليل من أئمة الحديث، كبير الثقة والمكانة، غير أن المأخذ عليه أنه كان يُدرج آراءه الشخصية في متن الحديث، فيختلط كلامه بكلام النبي ﷺ، وتُعرف تلك الإضافات بالمدرَجات أو المرسلات. والعلماء المتبحرون في علم الحديث يدركون هذه المدرجات ويميزونها، لكن عامة القراء قد لا ينتبهون، فتتولّد لديهم شبهاتٌ حين يقرؤون أن الزهري يروي مثلًا:  أن كثيرًا من القرآن ذهب مع القرّاء الذين استُشهدوا يوم اليمامة، فلم يُعرف ولم يُكتب بعدهم، أو أن آيةً أكلتها شاة!(14) ولحسن الحظ أن هذه الروايات لا تَرِد إلا في ابن ماجة وكنز العمال، وكلا الكتابين مشحون بالضعاف والموضوعات، كما قرر أئمة الحديث. غير أن المستشرقين وجدوا في مثل هذه الروايات مادةً للطعن، فاستغلوها للطعن في حفظ القرآن وسلامته من التحريف. (15)

ومثل ذلك ما أوردته بعض التفاسير من الجدل حول حقيقة الوحي: هل هو من عند الله لفظًا ومعنًى، أم أن المعاني فقط من عند الله والألفاظ من النبي ﷺ؟
الإمام السيوطي في كتابه الإتقان في علوم القرآن نقل عن ابن أبي حاتم، بسنده عن عُقَيل عن الزهري، أن الوحي هو ما يُلقيه الله إلى قلب النبي فيعيه، ثم يعبر عنه النبي بلسانه ويكتبه الكُتّاب، فيكون ذلك هو "كلام الله". واستدل بعضهم بقول الله تعالى: نزل به الروح الأمين"، قائلين إن جبريل كان ينقل المعاني، ثم يصوغها النبي ﷺ بألفاظٍ عربية. والإمام أحمدبن عبد الرحيم الشاه ولي الله الدهلوي – كما نقل عنه السرّ سيد أحمد خان –كان يرى أن المعاني من عند الله والألفاظ من عند النبي.(16) لكن السرّ سيد ردَّ هذا الرأي بقوة، واعتبر أن الألفاظ والمعاني كليهما من الله تعالى. غير أنه – دون أن يشعر – أوقع نفسه في إشكالٍ آخر، إذ أنكر وجود جبريل الحسّي، واعتبره مجرّد «ملكة النبوة»، والملكة يمكن أن تأتي بالمعاني، لكنها لا يمكن أن تأتي بالألفاظ ما لم يُسلَّم بوجود المَلَك ذاته.(17)

ومن مظاهر جعل الروايات حاكمةً على القرآن ما نراه في قضية نزول المسيح، وما ارتبط بها من أساطير حول المهدي وخروج الدجال. ولا ندري أيّ دجالٍ هذا الذي تنتظره الأمة منذ قرون! فالدجال – بمعنى الكاذب المضلّ – لم يخلُ منه زمان، إذ ما أكثر من ادّعوا النبوة زورًا وبهتانًا! وكذلك كم من أناسٍ خرجوا باسم «المهدي المنتظر» فأثاروا الفتن وأهرقوا الدماء! أما القرآن الكريم فيصرّح بوضوح في شأن المسيح عليه السلام:

"إني متوفيك ورافعك إليّ ومطهّرك من الذين كفروا" (آل عمران: 55).

والموت قَدَرٌ كونيّ على كل مخلوق، لا يُستثنى منه نبيٌّ ولا وليّ. لكن بعض المفسرين فهموا من قوله تعالى "ورافعك إليّ" أن عيسى رُفع إلى السماء حيًّا، ومن ثم نشأت فكرة نزوله آخر الزمان(18) وصُنعت مئات الروايات الإسرائيلية لتأكيدها.

وقد تساهل بعض المفسرين الكبار في الإفادة من روايات أهل الكتاب، فكانت تلك البساطة العلمية سببًا في دخول كثير من الخرافات والأساطيرإلى الفكر الإسلامي عبر أحبارٍيهود ككعب الأحبار، الذي ثبت عن الصحابة أنهم اتهموه بالكذب، إذ قالوا: " إنا كنا نبلو عليه الكذب".(19) ثم جاء بعده تلامذة وموالي، كعكرمة، فزادوا الطين بلّة، حتى قال ابن عمر لنافع: "لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس".(20) واليوم أصبح نزول المسيح وخروج الدجال وظهور المهدي من المسلّمات المتواترة عند كثير من الناس، رغم أن القرآن يرفض هذه التصورات رفضًا قاطعًا، وكتب العلماء فيها مصنفاتٍ كاملة لإثبات ما لا أصل له من الدين.(21)

قراءات القرآن

إن الأمة الإسلامية تقرأ القرآن اليوم على قراءة واحدة هي قراءة العرضة الأخيرة، وهي المتواترة المقطوع بصحتها، ولم تقبل الأمة غيرها في عبادتها وتعليمها.
غير أن التفاسير والروايات أطلقت العنان للتعدد حتى سبع أو عشر قراءات.
وقد كانت هذه الاختلافات محصورة في القرّاء المتخصصين، لكنها اليوم – كما أشار الأستاذ ريحان أحمد اليوسفي – أصبحت تُنشر على وسائل الإعلام، وتُطبع مصاحف متعددة بها، مما جعل العقلاء يتساءلون، ووفّر للخصوم مادةً للطعن في وحدة النصّ القرآني. مع أن رواة هذه القراءات السبعية أو العشرية – كما يقول أهل الجرح والتعديل – فيهم ضعفٌ ونكارة. وحتى القائلون بها لا يجيبون عن هذا السؤال المنطقي: كيف يُقرأ لفظٌ واحد في القرآن سبع أو عشر مرات بطرق مختلفة؟ وكيف علّم النبي ﷺ أصحابه ذلك؟ ثم أين هي النصوص الصحيحة، ولو واحدة، التي تثبت أن النبي ﷺ أجاز لأحدٍ أن يقرأ الآية الواحدة بأوجهٍ مختلفة؟

القرآن نُقل إلينا بالتواتر جيلًا بعد جيل، لفظًا ومعنى، من الصحابة إلى التابعين إلى أتباعهم، حتى استقر في المصاحف في عهد الحجاج بن يوسف، يوم أمر سبعين من العلماء الثقات بوضع الإعراب والضبط تيسيرًا على الأمة. فهو المصحف الذي يُتلى اليوم في مشارق الأرض ومغاربها.

لكن البلاء في أولئك الذين فُتنوا بالاختلاف، فأرادوا أن يجعلوا من القرآن نفسه ساحةً للتباين، واخترعوا لذلك أحاديث مرفوعة وآثارًا منسوبة إلى الصحابة.

ورواها جهّال لا يخافون الله، ودوّنها بعض المصنفين بحسن نيةٍ دون تمحيص.
ومن تلك الأحاديث الموضوعة – كما بيّن العلامة شبير أحمد أزهر الميرتهي – الحديث المشهور في «القراءة على سبعة أحرف»، الذي يرويه الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس. يرى العلامة أزهر الميرتهي أن الحديث باطل من أوله إلى آخره، إذ لم يُعقَل أن يطلب النبي ﷺ التعدد في القراءة بعد أن علّمه جبريل القرآن على وجهٍ واحد. كما أن اختلاف الألفاظ يؤدي إلى اختلاف المعاني، فيجعل الأمة في ضيقٍ وحرجٍ، وهذا ما يتنزه عنه نبيّ الرحمة ﷺ

إن القرآن نُقل تواترًا تامًّا دون تبديل، أما هذه الروايات المتشعبة فهي من آثار الشغف بالاختلاف والتكلف الذي لا يليق بكلام الله.(22)

(يتبع...)

الهوامش:

12- محمد حسين هيكل: حياة محمد، تحرير: إسماعيل الراجحي الفاروقي:

He feared the cave might be haunted and that he might run away still unable to explain what he saw. He walked in the area around the mountain asking himself who could have commanded him to read.Page74 The Life of Mohammad ,published by New Crescent Publihing company Delhi.Reprint August 2009
لقد خاف أن يكون الغار مسكونًا بالأرواح، وأن يفرّ من المكان عاجزًا عن تفسير ما رآه. فراح يمشي في المنطقة حول الجبل يسائل نفسه: من الذي أمره بالقراءة؟ (ص 74، The Life of Mohammad، منشورات New Crescent Publishing Company، دلهي، الطبعة المعاد طبعها في أغسطس 2009)

13- وقد ورد هذا في أصحّ كتب الحديث، صحيح البخاري، في "باب بدء الوحي". إلا أنّ الرواة والمحدثين والشارحين لم ينتبهوا إلى أن في هذه الرواية إدراجًا، وأن الجملة التي فيها إضافة من الزهري نفسه، حيث تُنسب فيها إلى النبي ﷺ فكرة الإقدام على الانتحار. وقد رفض العلامة الميرتْهي هذا الجزء المُدرَج من الحديث، بناءً على أساسَي الرواية والدراية، في شرحه تحفة القارئ.
انظر: إشراق عربي، عدد يونيو 2025، مقال: «أيةُ سورةٍ من القرآن نزلت أولًا؟» (الحلقة الرابعة، ص 78).

14- عن ابن شهاب قال: بلغنا أنه قد أُنزِل قرآن كثير، فقُتل العلماء يوم اليمامة الذين كانوا قد حفظوه، ولم يُعلم بعدهم، ولم يُكتب، فلما جمع أبو بكر وعمر وعثمان القرآن، ولم يُوجد مع أحد بعدهم، وكان ذلك فيما بلغنا مما حملهم على أن تتبعوا القرآن فجمعوه في الصحف في خلافة أبي بكر، خشية أن يُقتل رجال من المسلمين في المواطن ومعهم كثير من القرآن فيذهبوا بما معهم من القرآن فلا يُوجد عند أحد بعدهم، فوفّق الله عثمان فنسخ تلك الصحف في المصاحف فبعث بها إلى الأمصار وبثّها في المسلمين. (رواه ابن أبي داود) [كنز العمال رقم: 4778 ]

15- للتفصيل انظر: شهزاد سليم، History of the Qur’an. الدكتور شهزاد سليم نال درجة الدكتوراه من جامعة ويلز في المملكة المتحدة حول موضوع "تاريخ القرآن". يتعلّق بحثه بعملية جمع القرآن وترتيبه، وباختلاف القراءات، والأخطاء النسخية، ودراسة المخطوطات المختلفة. وقد استغرق هذا المشروع ثمانية أعوام، وهو مكتوب باللغة الإنجليزية.

16- السيد أحمد خان، مقدمة تفسير القرآن وهو الهدى والفرقان: يقول نقلاً عن الشاه ولي الله الدهلوي:

فمن ذلك (أي من التدليات) القرآن العظيم، وذلك أن ألفاظ القرآن إنما هي من اللغة العربية التي يعرفها محمد ﷺ ويتخيّلها، والمعاني فائضة من الغيب تعليمًا له ﷺ تدليًا إلى الخلق، فصارت كلامًا إلهيًا لأن إرادة الخير بالناس أمدّت في خياله عليه السلام، فهي التي جمعت الألفاظ ونظّمتها، ثم أُمدّ هذا النظم فلبس لباسًا محاكيًا للجبروت، فصار بذلك تدليًا إلهيًا وسُمّي كلام الله. (التفهيمات الإلهية، ص 85) بحسب ما ورد في: تفسير القرآن للسيد أحمد خان، الجزء الأول، منشورات مكتبة خدا بخش الأورينتالية، پتنا، ص 41.

17- أيضًا ص 51.

18- وللاطلاع على نقدٍ مفصّلٍ لهذا التصوّر، انظر: الأستاذ جاويد أحمد غامدي: نزول المسيح، والعلامة شبير أحمد أزهَر الميرتْهي: الأحاديث حول الدجال – دراسة نقدية (الطبعة الثانية)

19- وقد روى البخاري من حديث الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، أنه سمع معاوية رضي الله عنه يحدّث رهطًا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار فقال:

"إنه كان لمن أصدق هؤلاء المُحدّثين الذين يحدّثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب."

20- وقال إسحاق بن عيسى: سألتُ مالك بن أنس، قلتُ: أبلَغَك أن ابن عمر قال لنافع: لا تكذب عليَّ كما كذب عكرمة على ابن عباس؟ قال: لا! ولكن بلغني أن سعيد بن المسيّب قال ذلك لِبُردٍ مولاه. (تهذيب الكمال 20/282؛ مقدمة فتح الباري، ص 291.)

21- فمثلاً إنّ عبد العليم عبد العظيم هو الذي رتّب موسوعة المهدي كاملة، وقد حاول فيها—بتكلّف شديد—إثبات صحّة ثماني أحاديث فقط تتعلّق بالمهدي. غير أنّا عندما درسنا هذه الأحاديث تبيّن لنا أنّ واحدًا منها لا يصحّ. وعلى المنوال نفسه تأتي شهرة كتاب العلامة أنور شاه الكشميري التصريح فيما تواتر بنزول المسيح، الذي نشره بتحقيقٍ متقن العلامة عبد الفتاح أبو غدّة.

ولمن أراد نقدًا علميًا وافيًا لأحاديث خروج الدجّال ونزول المهدي والمسيح، فليراجع كتاب: "أحاديث الدجّال: دراسة تحليلية نقدية" للعلامة شبير أحمد أزهر ميرتهي، إعدادًا وتحشيًا للدكتور محمد غطريف شاهباز الندوي، والصادر عن مؤسّسة الدراسات الإسلامية – نيو دلهي.

٢٢- ص ٧٤ – العدد الخاص من مجلة إشراق أمريكا، سبتمبر 2025م، جائزة الإنجاز مدى الحياة.