logo
أخرى

كلمات في تفسير السعادة والشقاوة

كلمات هامة في تفسير السعادة والشقاوة

(الحلقة الأولى)

(مقتطف من شرحه الحافل تحفة القاري بشرح صحيح البخاري)

] المختارات هو قسم مخصص لاختيارات من كتابات المؤلفين القدماء والجدد، وهدفه تقديم الفكر والنظر للماضي والحاضر أمام القراء والدار سين. ويتم فيها اقتباس مقاطع من تصانيف ممثلة لعلماء الماضي والتي تسلط الضوء على أفكارهم وأساليبهم، وكذلك تُضاف كتابات المؤلفين الجدد الفعّالة والموثوقة. وليس بالضرورة أن يتفق مدير التحرير والمؤسسة مع محتويات هذا القسم. الإدارة[

قال الإمام البخاري رحمه الله:

حدثنا عثمان قال ثناجريرعن منصورعن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن عن علي رضي الله عنه قال:كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: مامنكم من أحد أوما من نفسة منفوسة إلاكتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقيةً أو سعيدةً، فقال رجل يارسول الله أفلانتكل على كتابنا وندع العمل فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة؟ (فقال: إعملوا فكل ميسر لما خلق له كماجاء في روايات كثيرة) قال: أما أهل السعادة فسييّسرون لعمل (أهل) السعادة وأما أهل الشقاوة فسييسّرون لعمل (أهل) الشقاوة. ثم قرأ: فأما من أعطى واتقى الآية. ص 182وجرير هو ابن عبد الحميد.

قال الخازن رحمه الله في تفسيره "الشقاوة خلاف السعادة والسعادة هي معاونة الأمور الإلهية للإنسان ومساعدته على فعل الخير والصلاح وتيسيره لها. ثم السعادة على ضربين سعادة دنيوية وسعادة أخروية وهي السعادة القصوى لأن نهايتها الجنة وكذلك الشقاوة على ضربين شقاوة دنيوية وشقاوة أخروية وهي الشقاوة القصوى لأن نهايتها النار. (تفسير الخازن سورة هود)

وبيان ذلك أن السعادة تطلق على ثلاثة أمور:

1- موافقة الحالات في المقاصد الحسنة.

2- نيل المنافع والبركات في المكاسب أي التجارة والزراعة والحرفة.

3- الصيت الحسن والشهرة بالخير في الحياة الدنيا. والشقاوة على أضدادها ومثل ذلك:

ولدان دخلا المدرسة للتعلم، أحدهما ذكي مجتهد سليم من أسقام وأمراض لاتستقبله صعوبة في النفقات التعليمية، فيصير بعد سنوات متحلياً بالعلم وينجح في العلوم بدرجة ممتازة. وأما الثاني فغبي بليد أو غير مجتهد يضيع في اللهو واللعب. أو لزمته أمراض أو يعجز كفيله عن تقديم النفقات الواجبة فلهذه الأسباب العائقة بعضها أو كلها ينقطع عن التعلم. فالولد الأول سعيد في العلم والثاني شقي فيه. أخذ رجلان في وقت واحد بموضع في تجارة وبضاعتهما متساوية واشتغلا فيها إلى ثلاث سنوات ،فإذا أحدهما قد ربحت تجارته واكتسب بهما مالاً وافراً. وخسر الثاني حتى هلكت بضاعته فالأول سعيد في التجارة والثاني شقي فيها. أخوان شقيقان ولد أحدهما حسن الصورة تام الخلق ونبت بالعافية نباتاً حسناً حتى شب وترعرع محبباً في قلوب أهل قريته فخطب له أبوه جارية جميلة في أسرة مؤسرة فقبلوا خطبته وزوجوه إياها. والثاني ولد أكمه مشوه الخلق وصار يبتلي بمرض عقب مرض ويقع في آفة إثرآفة حتى شب ضعيفاً منهوك القوة وخطب له أبوه فردت خطبته. فالأول سعيد في حياته والثاني شقي فيها.فهذه أمثلة على السعادة والشقاوة الدنيوتين. وانظرفي الأمثلة التالية:

رجل مؤمن قضى حياته في طاعة الله عزوجل وطاعة رسوله ومات على إيمانه وطاعته فهو يدخل الجنة مكرماً مبجلا مرضياً عند الله تعالى فهو سعيد في الآخرة. ورجل كافر لم يقبل هدي الله وقضى حياته في الكفر والفسق ومات على ذلك فسيصلى جهنم مذموماً مدحوراً فهو شقي في الآخرة. والدنيا فانية ومنافعها ولذاتها وسعاداتها فانية، والآخرة باقية أبدية وكذلك منافهها وراحاتهاونعيمها. فسعادة الدنيا ليس بشيئ يذكربجنب سعادة الآخرة ،فمن كان سعيداً في الآخرة فهو أسعد وإن عاش في الدنيا محروماً من السعادات الدنيوية ومن كان شقياً في الآخرة فهو الشقي وإن كان قد صبت عليه السعادات في الدنيا.

فثبت بهذا البيان أن السعادة الدنيوية والسعادة الأخروية لاتتلازمان. وكذلك الشقاوة الدنيوية والشقاوة الأخروية. فمن الناس من يكون سعيداً في الدارين الدنياوالآخرة معاً، ومنهم من يكون شقياً في الكونين معاً "خسرالدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين"ومنهم من يعيش سعيداً في الدنيا وماله في الآخرة من نصيب من السعادة، ومنهم من يكون شقياً في الدنيا سعيداً في الآخرة.

والفرق بين السعادتين وبين الشقاوتين أن الله تعالى قد أوجب على كل مكلف أن يأخذ مايُسعده في الآخرة وهو الإيمان والعمل الصالح. ولاتحصل السعادة الأخروية لأحد من المكلفين إلا بهذا السبب الوحيد. ولايمكن أن تحصل لمن مات كافراً عاصياً ومحال أن لاتحصل لمن مات مؤمناً مسلماً. وقد حرم الله عزوجل على كل مكلف أن يتمسك بما يشقيه في  الآخرة وهو الكفر والفسق. لاتتحقق  الشقاوة الأخروية إلابهذا السبب الوحيد. يمتنع أن تمس تلك الشقاوة من مات مؤمناً مسلماً ويستحيل أن يجنبها من مات كافراً فاسقاً.

وأما السعادات الدنيوية والشقاوات الدنوية فماأوجب الله على أحد أن يظفر بالسعادة ولاحرم على أحد أن يبتلي بالشقاوة. ولامعنى للإيجاب والتحريم فيها إذ كان الأمرأن السعادة الدنيوية لاتدل على أن صاحبها مقبول عند الله ولاالشقاوة الدنيوية تنبئ أن صاحبها مردود عند الله. ووجه هذا  الفرق أن مايسعد العبد المكلف في الآخرة -وهو الإيمان-ومايشقيه في الآخرة -وهو الكفر- في اختياره فإن شاء اختار الإيمان والعمل الصالح ليسعد في الآخرة وإن شاء استحب الكفر والفسوق فيشقى في الآخرة. ولكن الحصول على سعادة دنيوية أو الوقوع في شقاوة دنيوية ليس في اختيار الإنسان. إن الإنسان يجتهد ويسعى ليحصل على سعادة دنيوية ويبتعد عن شقاوة دنيوية فقد ينجح في مرامه وقد يخيب.ولايلزم أن يكون ناجحا وإنما نجاحه في سعيه موكول إلى مشيئة الله وحكمته وقضاءه.

وأما من اجتهد وسعى للحصول على السعادة الأخروية فآمن وعمل الصالحات فهو ناجح في مرامه لامحالة لايمكن أن يخيب. وعداً من الله والله لايخلف الميعاد-قال الله تعالى- من كان يريد العاجلة عجلناله فيها مانشاء لمن نريد ثم جعلناله جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً ومن آراد الآخرة وسعى لهاسعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً (الإسراء: 17-18 ) وقال من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب. (الشورى: 20)

فمن الممكن بل من الواقع الذي وقع ويقع كثيراً في العرب والعجم أمصار الارض وقراها حضرها وبدوها أن يبذل رجل ماعنده من الجهود ويُفرغ مالديه من المساعي ليعيش في الدنياغنياً ثرياً ولكن لايزال يخيب في آماله حتى يدركه الموت وهو فقير مسكين، ولايمكن أن لايدرك السعادة الأخروية من ثبت واستقام على إيمانه وإسلامه إلى أنفاسه الأخيرة.

فلذلك أقول- والحق أقول- إن الله عزوجل قد جعل السعادة والشقاوة الأخروية تحت تشريعه وترك السعادة والشقاوة الدنيويتين تحت تكوينه. والفرق بين السعادتين أن سبب المفضي إلى السعادة الأخروية واحد-وهو الإيمان-وكذلك السبب المفضي إلى الشقاوة الأخروية واحد-وهو الكفر-والإيمان والكفرمن أعمال العبد الاختيارية. وأما الأسباب الموصلة إلى السعادة الدنيوية والأسباب الموقعة في الشقاوة الدنيوية فكثيرة لاتعد ولاتحصى وأكثرها خارج عن حيطة قدرة الإنسان واختياره. أنظر إلى الحرث أليس أن الأسباب الموصلة إلى النجاح للحارث في حرثه ليس في اختياره وقدرته إلا قليل منها. وغالبها ممالايقدر عليه أصلا. والأسباب التي هي في دائرة قدرته واختياره يهديه فيهاشرع الله إلى الرشد والصواب ويجعل له حدودا ويحرم عليه أن يتجاوزها. وأما الأسباب التي هي خارجة عن حيطة قدرته واختياره فشرع الله لاينطق له فيها بشيئ. ألا ترى أنك مأمور بأن الأرض التي تحرث فيها تكون جائزة الحرث غير مغصوبة أو مسلوبة من أحد بغير حق. والبذور التي تلقي فيها تكون مملوكة لك لامغصوبة ولامسروقة ولامأخوذة بغير حق. ولكنه لايأمرك بأن تنزل المطرعلى حرثك بعد الزرع بكذا مدة أو تنمي زرعك في عشرة أيام كذا وفي عشرين يوماً كذا. فأن شرع الله وأمره ونهيه لايتعلق إلا بفعل يكون في قدرة المكلف واختياره.

وإنما عين الله السبب الموصل إلى السيادة الأخروية أو الشقاوة الأخروية ولم يعين أسباب السعادة الدنيوية لأن العبد قاصر وعاجز عن إبداء حيلة مفضية إلى السعادة الأخروية. وأما السعادات الدنيوية فإن العقل يهدي ويرشد الإنسان إلى أسبابها ويستفيد الإنسان في ذلك بتجاربه وتجارب غيره وبالعلم والتاريخ وتشاور الناس. فيستطيع الإنسان أن يجتهد للحصول على السعادات الدنيوية بدون نور الوحي ولايستطيع أن يجتهد للحصول على السعادة الأخروية بدونه. فأجرى سلسلة الوحي والنبوة هدىً وإرشاداً للناس إلى السعادة الأخروية وجعلها منوطة باتباع رسوله. وأما أسباب السعادة الدنيوية ففوضها إلى انتخاب العباد واختيارهم وشرع لهم أصولاً وضوابط تمنعهم مراعاتها عن الظلم وإتلاف الحق كيلا يقع الإنسان بالتخيل للحصول على سعادة دنيوية في شقاوة أخروية. وإذ كان الله تعالى مرشداً وهاديا لعباده إلى ماتحصل لهم به السعادة الأخروية فهو أمريقيني لاريب في أنه مستلزم لها. وإذ كان الإنسان هو المهتدي بعقله وعلمه وتجربته وفهمه إلى مايوصله إلى السعادة الدنيوية فهو أمرظني فتارة ينجح في مرامه وتارة يخيب.

والفرق  الثالث بين السعادتين وبين الشقاوتين أن السعادة الأخروية تكون جزاء يجزي الله بها عبده المؤمن الصالح وكذلك الشقاوة الدنيوية لايلزم أن تكون جزاءً على الكفروالفسق.ولكن الله ربط السعادة الدنيوية والشقاوة الدنيوية بأعمال العبد الدنيوية غالباً،وطواهما في ستورها. فمامن أحد من المكلفين إلا وهو مضطر إلى أن يعمل أعمالاً مناسبة للسعادة والشقاوة سواء أكان جبرياً قائلاً بالجبر المحض أو قدريا قائلاً بأنه قادرمطلق يفعل مايشاء. كل إنسان يكشف بأعماله الستر عن سعادته أو شقاوته ولهذالم يكن قط ولايكن عوض من البشر من تعطل عن العمل، وهو صحيح البدن سليم الأعضاء غير مريض. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اعملوا فكل ميسرفمن كان من أهل السعادة فييسرلعمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فييسرلعمل أهل الشقوة.

(يتبع ...)