logo
أخرى

موقف الأستاذ غامدي من قضية نزول المسيح

موقف الأستاذ غامدي من قضية نزول المسيح

[مقتبس من حوار الأستاذ غامدي مع محمد حسن إلياس]

(الحلقة الحادي عشر)

القرآن وإشكالية نزول المسيح عند غامدي

ويذكر القرآن الكريم عيسى (عليه السلام) في أمكنة كثيرة ومقامات متعددة. فقد جاء ذكره في عدة أماكن في 13 سورة مختلفة. تتحدث عن جوانب مختلفة من شخصيته ومواقف حياته المختلفة. فهو يذكر عائلته، ويعرّف بشخصية أمه المقدسة السيدة مريم (عليها السلام)، ويصف الظروف التي سبقت ولادته، ويفصّل ولادته الاستثنائية، ويلخص حياته كلها من ولادته إلى رفعه إلى الله، ويحكي قصة دعوته وردة فعل من وجهها إليه، ويشير إلى معجزاته العظيمة، ويذكر موته، ويروي سلوك اليهود والنصارى بعد موته، بل ويسجل حواره مع الله تعالى في المستقبل البعيد أي يوم القيامة، الذي وصفت فيه دوره في العالم. كل هذه الأمور موصوفة في القرآن بكل وضوح، ولكن الحدث الأهم في حياته، بل وفي تاريخ البشرية - وهو أنه سينزل مرة ثانية مباشرةً من السماء بعد قرون من موته وصعوده إلى الله - لم يتم ذكره في القرآن.

الإشكالية الأولى

عدم ذكر نزول المسيح في القرآن الكريم رغم مناسبات ذكره كل الأحداث المهمة المتعلقة بعيسى (عليه السلام) مذكورة في القرآن الكريم. ومنها أحداث ما قبل الولادة، وما عند الولادة، وما بعد الولادة، وما وقائع عند الموت، وما بعد الموت، وما سوف يحدث يوم القيامة. ومن الجدير بالذكر أن هذه الأحداث مذكورة، ولكن لم يتم ذكر حدث واحد مهم جداً ضمنها. ومن أجل فهم هذه القضية، هناك بعض الأماكن النموذجية في هذا الصدد على النحو التالي:

(أ) تتحدث الآيات 45-47 من سورة آل عمران  عن أهم الجوانب التي حدثت قبل ميلاد النبي عيسى (عليه السلام). والتي تستوعب أموراوأحوالامستقليةً له كماياتي:

•  بشر الله مريم بميلاد المسيح عيسى قبل أن تحمل.

•  عرفه الله بكلمته وسماه عيسى.

• أخبر الله أن المسيح سيتكلم عن نبوته في المهد.

• عندما يكبر، سيتم عده وحسابه من الصالحين.

والآيات هي كاالتالي:

اِذْ قَالَتِ الْمَلٰٓئِكَةُ يٰمَرْيَمُ اِنَّ اللّٰهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُﵱ اسْمُهُ الْمَسِيْحُ عِيْسَي ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيْهًا فِي الدُّنْيَا وَالْاٰخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِيْنَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَّمِنَ الصّٰلِحِيْنَ قَالَتْ رَبِّ اَنّٰي يَكُوْنُ لِيْ وَلَدٌ وَّلَمْ يَمْسَسْنِيْ بَشَرٌﵧ قَالَ كَذٰلِكِ اللّٰهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُﵧ اِذَا قَضٰ٘ي اَمْرًا فَاِنَّمَا يَقُوْلُ لَهٗ كُنْ فَيَكُوْنُ.

 )آل عمران3: 45-47)

وفي النص هنا مجال واسع لبيان أن الله تعالى لو شاء لذكر نزول المسيح. فإن هذا بيان ما قبل خلقه. ويذكر مولده العجيب الخارق للعادة ونجاحه في الدنيا والآخرة.

(ب) وكما في الآية 59 من سورة آل عمران  أيضاً ورد عن النبي عيسى (عليه السلام) أن مثله كمثل النبي آدم، أي كما قد خلق آدم بكلمة الله (كن) من قبل فكذلك خلق عيسى (عليه السلام). والمقصود من هذا أن نبين أنه إذا لم يكن آدم عليه السلام قد خلق من طين بأمر الله فيصبح إلها، فكيف يكون عيسى المسيح قد خلق بأمره فيصبح مستحقا للعبادة؟ فجاء في القرآن:

اِنَّ مَثَلَ عِيْسٰي عِنْدَ اللّٰهِ كَمَثَلِ اٰدَمَﵧ خَلَقَهٗ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهٗ كُنْ فَيَكُوْنُ.

 )آل عمران3: 59(

وهذا المكان في الواقع هو وصف للاستثناء الإبداعي الذي حققته شخصيتان في تاريخ البشرية، سيدنا آدم وسيدنا عيسى (عليهما السلام). وكلاهما ولدا بأمر مباشر من الله.[3]

فقد جاء آدم عليه السلام إلى الوجود بكلمة (كن) في التراب، وولد عيسى عليه السلام بإلقاء كلمة (كن) على مريم، فإذا كان الله تعالى قد وصف هذا الحدث الاستثنائي فلماذا لم يصف حدثاً استثنائياً من نفس المستوى، وهو أن ينزل عيسى المسيح من السماء مباشرة كالاستثناء الوحيد بين البشر؟

(ج) الآيات 48-51 من سورة آل عمران (3) تصف عمل النبي عيسى (عليه السلام) قبل ولادته. وفي هذا الصدد تم ذكر المعجزات التي أنعم الله عليه بها أيضًا. وقد قيل ذلك. الآيات 48-51 من سورة آل عمران (3) تصف عمل النبي عيسى (عليه السلام) قبل ولادته. وفي هذا الصدد تم ذكر المعجزات التي أنعم الله عليه بها أيضًا وقيل:

•يعلمه الله الكتاب والحكمة، أي يعلمه التوراة والإنجيل.

•يُرسَل رسولاً إلى بني إسرائيل.

 •يصنع من الطين تمثالاً لطائر ثم ينفخ فيه فيصير طائراً حياً.

•يعيد البصر إلى من وُلد أعمى، ويشفي من يعانون من مرض الجذام الذي لا شفاء منه.

•يعيد الموتى إلى الحياة.

•إنه يصدق التوراة.

•ويحل ما حرم عليهم.

والآيات هي كالتالي:

وَيُعَلِّمُهُ الْكِتٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرٰىةَ وَالْاِنْجِيْلَ وَرَسُوْلًا اِلٰي بَنِيْ٘ اِسْرَآءِيْلَﵿ اَنِّيْ قَدْ جِئْتُكُمْ بِاٰيَةٍ مِّنْ رَّبِّكُمْﵖ اَنِّيْ٘ اَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطِّيْنِ كَهَيْـَٔةِ الطَّيْرِ فَاَنْفُخُ فِيْهِ فَيَكُوْنُ طَيْرًاۣ بِاِذْنِ اللّٰهِﵐ وَاُبْرِئُ الْاَكْمَهَ وَالْاَبْرَصَ وَاُحْيِ الْمَوْتٰي بِاِذْنِ اللّٰهِﵐ وَاُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَاْكُلُوْنَ وَمَا تَدَّخِرُوْنَﶈ فِيْ بُيُوْتِكُمْﵧ اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَاٰيَةً لَّكُمْ اِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِيْنَ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرٰىةِ وَلِاُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِيْ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِاٰيَةٍ مِّنْ رَّبِّكُمْﵴ فَاتَّقُوا اللّٰهَ وَاَطِيْعُوْنِ اِنَّ اللّٰهَ رَبِّيْ وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوْهُﵧ هٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيْمٌ.

كل ما يجب على عيسى المسيح (عليه السلام) أن يفعله نيابة عن الله قد ذكر هنا. أي أن هذه هي واجباته أمام الله، ومكونات دوره الدنيوي. إن نزول المسيح هو أيضاً عمل من عند الله، وهو تنفيذ لبعض قرارات الله المهمة قبل يوم القيامة. ويؤدي غيابها عن هذه القائمة أيضًا إلى خلق مشاكل.

(د) إن ولادة عيسى عليه السلام من بطن مريم عليها السلام من دون أب حدث خارق للعادة. وكان ذلك بأمر مباشر من الله تعالى. ولذلك جعل الله تعالى مريم وابن مريم آيتين. وقد جاء في سورة المؤمنين: وَ جَعَلۡنَا ابۡنَ مَرۡیَمَ وَ اُمَّہٗۤ اٰیَۃً.... (23: 50) كما عبربهما في سورۂ الأنبياء’اٰیَۃً لِّلۡعٰلَمِیۡنَ وقال: وَالَّتِیۡۤ اَحۡصَنَتۡ فَرۡجَہَا فَنَفَخۡنَا فِیۡہَا مِنۡ رُّوۡحِنَا وَ جَعَلۡنٰہَا وَ ابۡنَہَاۤ اٰیَۃً لِّلۡعٰلَمِیۡنَ(21: 91).

ولذلك يتبين من سورة مريم أن ولادة عيسى المسيح من غير أب كانت حدثاً خارقاً للطبيعة، أنزله الله تعالى آية من آياته. ومن أجل ذلك خرج الله تعالى عن قانون الخلق العام فأنزل أمره مباشرة وأقره كجنين في بطن أمه بكلمته (كن) ونفخ فيه من روحه. ستبقى هذه العلامة بارزةً إلى الأبد كدليل على خلق البشرية وتجددها. فقال تعالى:

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا.

ومن الآية السابقة يتبين أن سيدنا عيسى عليه السلام كان آية من آيات الله. جعل الله شخصيته وصفاته آيات للناس. السؤال هو، إذا كان القرآن قد وصف جميع جوانب وجوده كآية إلهية، فلماذا لم يصف الجانب الخارق للطبيعة من نزوله، مع أن نزوله في معنى هو آية أعظم من خلقه. يمكن إنكار مولده الخارق للعادة بشكل افترائي، وقد تم إنكاره بالفعل، ولكن حقيقة أن رجلاً من العصور القديمة نزل مباشرة من السماء أمام أعين الناس بعد ألفي عام هو حدث لا يمكن إنكاره. ولذلك فمن الواجب المنطقي أن يذكر نزوله كالشهادة العظيمة بأن يسوع المسيح آية من آيات الله مع بقية الأدلة. وإذا لم يذكر ذلك فإنه ممايعقل أيضاً أن يثار الشك في وقوعه.

خامساً: وقد جاء تفصيل ميلاد المسيح عليه السلام وكلامه في المهد في الآيات 22-33 من سورة مريم (19). لقد كان كلا الحدثين غير عاديين للغاية في حياته وفريدين تمامًا في تاريخ البشرية. وقد جاء في سورة مريم أن السيدة مريم حملته بأمر الله فخرجت به من بلدها. ثم لما جاء وقت المخاض والولادة جاء ملاك الله يعزيها ويعطيها عين ماء. ثم أمرها أن تأخذ المولود وترجع إلى قومها. وإذا طرحوا أي سؤال أو اعتراض، فيجب عليها الإشارة إلى أنها قد  التزمت بالصمت. فعادت. ولما رأوا الطفل معها بدأ الناس يشككون في عفتها، فأشارت إلى الطفل.  أن كلموه فقال الناس: كيف نسأله وهو مولود جديد لم يبلغ سن النطق؟ وعندها بدأ الطفل يتكلم. فقال:

•إنه عبد الله

•لقد آتاه الله الكتاب والنبوة

•ولذا فقد أصبح مصدرًا للخير والبركات.

•جعله الله طائعاً لأمه.وبراً بها

•ولم يجعله الله شقياً متمرداً.

• وأوصاه الله تعالى بأن:

(أ) يستمر في الصلاة( ب) الاستمرار في إخراج الزكاة.

(ج) -لقد بشر الله بالسلام في ثلاث مناسبات من حياته وموته: أ. اليوم الذي ولد فيه. ب. اليوم الذي يموت فيه. ج. ويوم يبعث حياً.

ويقول القرآن في كل ذلك:

فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهٖ مَكَانًا قَصِيًّا فَاَجَآءَهَا الْمَخَاضُ اِلٰي جِذْعِ النَّخْلَةِﵐ قَالَتْ يٰلَيْتَنِيْ مِتُّ قَبْلَ هٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَّنْسِيًّا فَنَادٰىهَا مِنْ تَحْتِهَا٘ اَلَّا تَحْزَنِيْ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُزِّيْ٘ اِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِيْ وَاشْرَبِيْ وَقَرِّيْ عَيْنًاﵐ فَاِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ اَحَدًاﶈ فَقُوْلِيْ٘ اِنِّيْ نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْمًا فَلَنْ اُكَلِّمَ الْيَوْمَ اِنْسِيًّا فَاَتَتْ بِهٖ قَوْمَهَا تَحْمِلُهٗﵧ قَالُوْا يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْـًٔا فَرِيًّا يٰ٘اُخْتَ هٰرُوْنَ مَا كَانَ اَبُوْكِ امْرَاَ سَوْءٍ وَّمَا كَانَتْ اُمُّكِ بَغِيًّا فَاَشَارَتْ اِلَيْهِﵪ قَالُوْا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ اِنِّيْ عَبْدُ اللّٰهِﵪ اٰتٰىنِيَ الْكِتٰبَ وَجَعَلَنِيْ نَبِيًّاﶫ وَّجَعَلَنِيْ مُبٰرَكًا اَيْنَ مَا كُنْتُﵣ وَاَوْصٰنِيْ بِالصَّلٰوةِ وَالزَّكٰوةِ مَا دُمْتُ حَيًّاﶫ وَّبَرًّاۣ بِوَالِدَتِيْﵟ وَلَمْ يَجْعَلْنِيْ جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلٰمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ اَمُوْتُ وَيَوْمَ اُبْعَثُ حَيًّا (مریم 19: 22-33)

والجزء الأخير من كلام عيسى عليه السلام في المهد، الذي تناولته الآيات السابقة من سورة مريم، يحمل دلالة خاصة بالنظر إلى الموضوع الذي نحن بصدده

(للبحث صلة ...)