انشقاق القمر: موقف الأستاذ غامدي
[مقتبس من حوار الأستاذ غامدي مع محمد حسن إلياس]
(الحلقة التاسعة)
٢. معجزات سيدنا عيسى عليه السلام
تم ذكر معجزات سيدنا عيسى عليه السلام في القرآن الكريم في سورتي آل عمران والمائدة. وقد وردت في هذين الموضعين أربعة معجزات بارزة له. في سورة آل عمران ذكر أنه عندما بشر الله تعالى السيدة مريم عليها السلام بميلاد المسيح عليه السلام، سألت قائلة: كيف يكون ذلك وقد لم يمسني رجل؟ فأجابها الله: ’كذلك يكون‘، لأن ما يقرره الله ويأمر به يتحقق بلا ريب. وبعد ذلك، أخبرها الله تعالى برسالة المسيح عليه السلام، وأنه سيرسله إلى بني إسرائيل كـ نبي ورسول. وفي سياق هذا البيان، ذكر القرآن أربعة من معجزات المسيح عليه السلام:
١. خلق طائر من طين بإذن الله.
٢. إحياء البصر للمولود كفيف.
٣. شفاء المصاب بالبرص من مرضه المستعصي.
٤. إحياء الموتى بإذن الله.
وقد أكّد القرآن الكريم صراحة أن كل هذه المعجزات كانت بقدرة الله وإذنه وحده.[6]* الآيات هي كما يلي:
قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (آل عمران: ٤٧-٤٩)
٣. معجزات محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
أعظم معجزة أعطيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي القرآن الكريم. فقد أنزل الله تعالى كلامه المبارك على لسان نبيه الكريم، فكان هو المتحدث باسم الله في تبليغ الرسالة. وكل كلمات القرآن، وجمله، وأسلوبه، وموضوعاته، وأخباره، وأحكامه، كلها من عند الله تعالى. ولهذا يعتبر القرآن معجزة فريدة من نوعها، لا مثيل لها في الوجود، كاملة في دلالتها وشهودها، ودائمة في ظهورها. إنه بلا شك خارق للعادات والقدرات البشرية، إذ لا توجد في التاريخ البشري كتاب آخر مثل القرآن؛ فلا تضاد أو تناقض فيه، ولا انخفاض أو ارتفاع في مستواه. اللغة والأدب عاجزان عن مجاراة فصاحته وبلاغته، أو التعبير عن لطافته وجماله. القرآن يحمل كمال المعنى، وارتفاع الخيال، وعمق النظر، واتساع الرؤية. إنه كلام عالم الغيب والشهادة، ولذلك فهو مكتوب فريد على هذه الأرض، يعلم عن المكان والزمان معًا. من يقرأه، تتكشف له حقائق الماضي المفقود، ويطلع على أخبار المستقبل المجهولة. لذلك، يضطر كل صاحب عقل، سواء أراد أم لم يرد، إلى الإقرار بأن القرآن مرجع للعلم والمعرفة، وخزان للدين والأخلاق، ومجمع للشريعة والحكمة، وأنه أفضل كتاب يمكن للإنسان أن يسترشد به للرشاد والهداية، وللفوز والفلاح في الدنيا والآخرة. أستاذنا الجليل جاويد أحمد غامدي، عند حديثه عن إعجاز القرآن، يقول:
"المعجزة التي أعطيت للنبي صلى الله عليه وسلم هي القرآن الكريم. فمن يقرأه من أصحاب الذوق الأدبي المطلعين على أساليب البلاغة العربية وعلم الأدب، يشعر فورًا أنه لا يمكن أن يكون كلام إنسان. وقد تحدى القرآن نفسه مخاطبيه في أكثر من موضع، قائلاً: إذا كنتم صادقين في اعتقادكم أن هذا ليس كلام الله، بل محمد اختلقه بنفسه، فقدموا سورة واحدة بمستوى هذا الكلام العظيم. فإذا كان أحد قومكم قادرًا على ذلك دون خلفية علمية أو أدبية، فلن يكون في الأمر أي صعوبة عليه. كان هذا التحدي الذي يطرحه القرآن دعوى مدهشة. والمعنى منها أن القرآن كلام لا يمكن للعقل البشري أن يخلقه مثله. كان هذا الادعاء بشأن الفصاحة والبلاغة والبيان المتميز للقرآن، وأن أي كلام بشري لا يمكن أن يصل إلى مستواه. كان القرآن يدعو إلى تقديم كلام يظهر أن الله هو القائل، ويكشف الحقائق التي تحتاج الإنسانية إلى وضوحها بشدة، والتي لا يمكن لأي كلام بشري أن يوضحها. إنه كلام يشهد له الحدس، وتؤكد على صحته المعارف والعقول، ويحيي القلوب القاحلة كما تحيي الأرض الميتة بالمطر. فيه تلك الشأن والتأثير ذاتهما، الذي يشعر به كل قارئ للقرآن، فإذا كان ملمًا باللغة، يلمس كل كلمة وكأنها تعكس قوة القرآن وتأثيره المباشر. تشير الأحداث التاريخية إلى أن مخاطبي القرآن لم يجرؤ أي منهم على مواجهة هذا التحدي. فقد جاء في القرآن الكريم:
وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَٱتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهۦ وَٱدْعُوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَٱتَّقُوا ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ. (البقرة: ٢٣-٢٤)
هذا الكتاب العظيم ما زال بحوزتنا حتى اليوم، وقد مضى عليها حوالي أربعة عشر قرنًا. خلال هذه المدة، تغيرت الدنيا تغيرًا كبيرًا، وصنع الإنسان آلهة فكرية ونظرية كثيرة ثم هدمها بنفسه. وتغيرت آراؤه عن النفس والكون مرارًا، وخاض مراحل عدة من التجربة والاختيار، وشق طرقًا عديدة حتى وصل إلى ما وصل إليه من معرفة. ومع ذلك، يبقى هذا الكتاب، الذي تناول العديد من المسائل التي كانت موضع بحث علمي خلال القرون الماضية، ثابتًا ومحكمًا كما كان منذ أربعة عشر قرنًا. فالعلم والعقل أمامه عاجزان كما كانوا في الماضي، وكل ما ورد فيه لا يزال قائمًا في مكانه بكل هيبته ومصداقيته. لم تستطع البشرية، مهما بلغت من الاكتشافات العلمية المدهشة، إدخال أي تعديل أو تغيير فيه. قال الله تعالى:
وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (الإسراء: ١٠٥)
(ميزان، صـ ١٣٦-١٣٨)
إلى جانب هذا المعجزة العظيمة المتمثلة في القرآن الكريم، فقد منح رسول الله ﷺ معجزات مختلفة من حين لآخر بحسب المواقف والظروف. ومن المهم أن نوضح هنا أن ذات الرسول ﷺ في حد ذاتها معجزة عظيمة، فالله تعالى يكلمه، وجبريل الأمين يبلغ إليه وحي الله، وهو في معية الملائكة، ومن فمه يخرج كلام الله تعالى. ويخبر الناس بأخبار الغيب بما يأتيه من السماء، وتصدر البركات والخيرات من وجوده الشريف. نادرًا ما يمرّ يوم إلا وتظهر فيه آية من آيات الله أو علامة من علاماته في محيطه أو من ذاته المباركة. وقد ذكر بعض هذه العلامات في القرآن الكريم، وبعضها الآخر في كتب الحديث والسيرة النبوية.[7]**
ومن بين هذه المعجزات، نذكر مثالين اثنين فيما يلي:
إحداهما معجزة غزوة بدر، حين أخذ النبي ﷺ قبضةً من التراب فرماها نحو جيش الكفار، فتحولت إلى غبار عاصف دخل في أعين الكافرين. وقد ورد ذكر هذه المعجزة في القرآن الكريم وكذلك في الروايات التي نقلت بعض تفاصيلها. قال الله تعالى في سورة الأنفال:
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ اللهَ رَمَىٰ وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. (سورة الأنفال، الآية ١٧)
(للحديث صلة ...)
