logo
أخرى

حیاة أمین

حیاة أمين 

سيرة الشيخ أمين أحسن الإصلاحي

]وفقًا لوصية صاحب "تدبر القرآن"، هذه صفحات من سيرته بقلم كاتبها نعيم أحمد بلوش [

(الحلقة العاشرة)

ألّف الإمام حميد الدين الفراهي، وفقًا لنظامه الفكري المتميز، عددًا من الكتب الرائدة التي أسهمت في بناء مشروعه العلمي والفكري. غير أن هناك كتبًا عديدة لم تكتمل بعد، إذ وافته المنية وهي لا تزال في طور الإعداد والتدوين. كانت هذه المؤلفات في شكل ملاحظات ومسودات محفوظة بعناية داخل صندوق في غرفته الخاصة.

وفي ليلة من الليالي، تعرض ذلك الصندوق للسرقة من مبنى المدرسة. ويذكر الدكتور شرف الدين الإصلاحي أن تلك الليلة لم يكن فيها الشيخ أمين الإصلاحي ولا الشيخ أختر أحسن الإصلاحي في المدرسة. ويبدو أن اللصوص ظنوا أن الصندوق يحتوي على أشياء ثمينة، فحملوه بعد أن لاحظوا القفل المحكم عليه وغادروا المكان. ابتعد اللصوص عن المبنى حتى وصلوا إلى أحد الحقول، وهناك حاولوا فتح الصندوق لاستخراج ما فيه من "كنز ثمين". وبعد أن كسروا القفل، فوجئوا بأن الصندوق لا يحتوي إلا على أوراق ومسوّدات. كانت هذه الأوراق تمثل للإمام الفراهي وللمدرسة ثروة علمية لا تقدر بثمن، لكنها بدت في نظر اللصوص مجرد أوراق بلا قيمة. وكان الجو شتويًا باردًا، فأخذوا بعض الرزم وأشعلوا بها النار ليستدفئوا بحرارتها، دون أن يدركوا حجم الكارثة التي ارتكبوها. ومن الغريب أنهم لم يحرقوا جميع المسودات، بل تركوا الصندوق في مكانه وفروا تاركين وراءهم إرثًا كاد أن يفقد إلى الأبد.

حين أشرقت الشمس، لمح أحد المارة "الصندوق الغامض" ملقى في أحد الحقول. وفي تلك الأثناء، ساد الاضطراب في أرجاء المدرسة بعد انتشار خبر سرقة صندوق الأستاذ الإمام. وما إن وصلت أنباء العثور على الصندوق حتى أسرع الطلاب إلى المكان، ليواجهوا مشهدًا مؤلما: أوراق مبعثرة، مسودات محترقة وممزقة، وصندوق مكسور. كان المنظر صادمًا جعل القلوب ترتجف أسى وحزنًا. بدأ الجميع فورًا بجمع ما تبقى من هذا الكنز العلمي الثمين، فجمعوا الأوراق والقطع المتناثرة بكل حرص وأعادوها إلى المدرسة ليتحققوا مما ضاع ومما نجا. وكان الشيخ أختر الإصلاحي قد وصل في الحال بعد سماعه بالحادثة. وبعد فحص المسودات بدقة، ظهرت مفاجأة مفرحة للجميع؛ فقد تبين أن أغلب المسودات الأصلية سلمت من الحريق، وأن ما تلف منها كان قليلًا جدًا لا يذكر. بدت في ذلك الحادث عناية إلهية خاصة، إذ حفظ معظم تراث الإمام الفراهي من الضياع.

ومع ذلك، أشار الدكتور شرف الدين الإصلاحي إلى جانب آخر من القصة فقال:

"يقال إن المسودات لم تتعرض لأي ضرر، غير أن هذا القول لا يمكن التأكد منه إلا لمن كان مطلعًا على كل ورقة فيها. فاللصوص لم يكونوا على درجة من الثقافة تجعلهم يميزون بين الأوراق العادية والمخطوطات القيمة، فربما أحرقوا بعض ما لا يعوض دون أن يدركوا قيمته." (ذكر فراهي، صـ ٥١٤)

رأي الدكتور شرف الدين الإصلاحي رحمه الله في هذه الحادثة يبدو غير دقيق تمامًا، لأنه هو نفسه يذكر أن الشيخ أختر أحسن الإصلاحي عندما سمع بخبر السرقة، ذهب فورًا إلى المدرسة وتولى بنفسه متابعة الأمر، إذ كان بيته قريبًا منها. ومن الطبيعي أن يكون هو الشخص الذي عرف بالضبط مقدار ما ضاع ومقدار ما بقي من المسودات. كما أن الكتب التي نشرت للإمام الفراهي بعد ذلك لم يذكر عن أي منها أنها ناقصة بسبب احتراق بعض أوراقها، ولم ترد أي رواية تشير إلى أن الإمام كتب في موضوع معين ثم فقد بسبب الحريق. لذلك من المنطقي أن نصدق الرواية التي تقول إن الخسارة كانت قليلة جدًا، وأن الله تعالى بلطفه حفظ معظم تراث الإمام الفراهي من التلف والضياع.

تأسيس "دائرة حميدية"

من الطبيعي أن تكون هناك منذ البداية في مدرسة الإصلاح رغبة جادة في إيصال اكتشافات الإمام الفراهي العلمية إلى العلماء وطلاب العلم. ولهذا الغرض، تم تأسيس دائرة حميدية سنة ١٩٣٥م، بوصفها مؤسسة فرعية تابعة لمدرسة الإصلاح، برئاسة الدكتور حفيظ الله (وقد سبق تقديم ترجمته بالتفصيل)، وتولى عبد الغني، وهو موظف رفيع في الحكومة.

وقد حددت للدائرة ثلاثة أهداف رئيسية:

١. إصدار مجلة شهرية باسم "الإصلاح"، تنشر فيها مؤلفات الإمام الفراهي ومقالات علمية أخرى.

٢. ترجمة كتب الإمام الفراهي إلى اللغة الأردية.

٣. الإشراف المنتظم على طباعة ونشر مؤلفاته.

واتّفق كذلك على أن يتولى الشيخ أمين أحسن الإصلاحي الإشراف العام على هذه المهام، فيكون هو مدير مجلة "الإصلاح"، والمسؤول عن اختيار فريق العمل لتحقيق بقية الأهداف.

وفي يناير سنة ١٩٣٦م صدر العدد الأول من مجلة "الإصلاح" بإدارة الشيخ أمين أحسن الإصلاحي، وقد تألف من ٦٤ صفحة. كتب اسم المجلة بخط النسخ في أعلى الغلاف، وتحتها بخط النستعليق التالي:

"المجلة الشهرية العلمية والدينية لدائرة حميدية"

وفي أسفل الصفحة كتبت كلمة "مرتبة" بدلًا من "مدير" وتحتها الإسم: "أمين أحسن الإصلاحي". ولم تكتب في الصفحة الأولى أي عبارات أخرى. ويجدر بالذكر أن الشيخ أمين أحسن الإصلاحي لم يضف في حياته لقب "مولانا" إلى اسمه في أي من مؤلفاته أو كتاباته، بل كان يكتب اسمه ببساطة: "أمين أحسن الإصلاحي". ولم يكن ذلك رفضًا منه للقب "مولانا"، وإنما كان يرى أن الإنسان لا ينبغي أن يضيف بنفسه إلى إسمه أي لقب أو وصف تكريمي. ومع ذلك، عندما كان تلامذته ومحبوه يخاطبونه بلقب "مولانا" في كلامهم أو كتاباتهم، لم يكن يعترض على ذلك، بل كان يتقبل الأمر برحابة صدر. فقد كنا نحن، طلابه، نخاطبه بهذا اللقب احترامًا وتقديرًا، وهو لم يبد أي استياء من ذلك.

استمر صدور المجلة الشهرية "الإصلاح" لأربعة أعوام متواصلة، وفي الوقت نفسه استمر ترجمة كتب الإمام الفراهي والعناية بنشرها. وبالإضافة إلى ذلك، بدأ الاهتمام بنشر ما كتبه الإمام الفراهي باللغة الأردية، سواء كان مكتوبًا أصلاً أم محفوظًا في صورة مخطوطات، فأصبحت مؤلفاته متاحة للقراء بشكل أوسع. إلى جانب أعمال الإمام الفراهي العلمية، كانت مجلة "الإصلاح" تنشر أيضًا مقالات الشيخ أمين الإصلاحي البحثية والدعوية والنقدية، والتي تمثل أولى كتاباته العلمية. وسيتم توضيح تفاصيل هذه الكتابات لاحقًا.

كما نشرت المجلة مقالات لأساتذة مدرسة الإصلاح، ولعلماء ومفكرين من خارج المؤسسة، بشرط أن تتوافق هذه المقالات مع المعايير العلمية العالية للمجلة. ومن أكثر ما كان يلفت الانتباه ويهم القراء، مقالات "الشاب الإصلاحي" التي كان يكتبها الشيخ أمين الإصلاحي بنفسه كمدير للمجلة، حيث كانت تحتوي على تعليقات مختصرة وحيوية حول الأحداث الوطنية والقضايا العامة، مع تحليل موضوعي للوقائع والقضايا الاجتماعية والسياسية.

(يتبع ...)