logo
أخرى

آداب حملة القرآن

آداب حملة القرآن

(الحلقة الثانية والأخيرة)

٥- كثرة التلاوة والمراجعة

من آداب حملة القرآن المواظبة على تلاوته ومراجعته باستمرار، حتى لا ينساه ولا يغيب عن قلبه. فالقرآن سريع التفلت ما لم يتعاهد، كما قال النبي ﷺ:

"تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصّيًا من الإبل في عقلها".

 (رواه البخاري، رقم: ٥٠٣٣)

فالمداومة على التلاوة والمراجعة تحفظ من الغفلة، وتزيده قربًا من الله، وتبقي نور القرآن متجددًا في صدره ولسانه.

قال الإمام الغزالي رحمه الله في آداب التلاوة:

أولاً: التعظيم للمتكلم: ينبغي للقارئ عند بدء التلاوة أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم، ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر.

ثانياً: حضور القلب: وترك حديث النفس أثناء القراءة، فقد كان بعض السلف إذا قرأ آية ولم يحضر قلبه فيها أعادها ثانية.

ثالثاً: التدبّر: الغرض من القراءة هو التدبر، وإن لم يتمكن القارئ من التدبر إلا بالترديد فليردد.

رابعاً: التخلّي عن موانع الفهم: كثير من الناس يمنعهم الشيطان عن فهم معاني القرآن، بسبب الذنوب، الكبر، أو تعلق القلب بهوى الدنيا، فهذه أسباب ظلمة القلب وصدئه وهي أعظم الحجب.

خامساً: تقدير أنّ القرآن موجّه إليه: عند سماع أمر أو نهي، فليقدر القارئ أنه المنهي أو المأمور، وعند سماع وعد أو وعيد، فليعتبره موجهًا له كذلك.

سادساً: تأثّر القلب: أن يتأثر قلبه، وقد قال وهيب بن الورد: نظرنا في هذه الأحاديث والمواعظ فلم نجد شيئا أرق للقلوب ولا أشد استجلاباً للحزن من قراءة القرآن وتفهمه وتدبره. (مستفاد من كتابه "إحياء علوم الدين")        

٦- تعليم القرآن ونشره

إن من أجلّ القربات وأعظم الطاعات نشر العلم وتعليمه، ولا علم أشرف ولا أنفع من تعليم كتاب الله تعالى. فحامل القرآن لا يكتفي بحفظه وتلاوته والعمل به، بل يسعى إلى تبليغه وتعليمه للناس، اقتداءً بقول النبي ﷺ:

"خيركم من تعلم القرآن وعلمه". (رواه البخاري، رقم: ٥٠٢٧)

٧- الزهد في الدنيا        

من آداب حملة القرآن الزهد في الدنيا، وألا يكون حامل القرآن متكالبًا على متاعها الزائل أو حريصًا على زخارفها الفانية، بل يكون قلبه معلّقًا بالآخرة، راضيًا بما قسم الله له، عامرًا بالرضا والقناعة.

٨- الصبر والاحتساب زاد حامل القرآن

من آداب حملة القرآن الصبر على ما يلقونه في سبيل الله من مشاقّ وأذى، فإن طريق الدعوة إلى الله وتعليم القرآن ليس مفروشًا بالورود، بل يحتاج إلى جلد وثبات واحتساب للأجر. وقد صبر الأنبياء والمصلحون من قبل على ما أصابهم في سبيل تبليغ الحق، فحريّ بحامل القرآن أن يقتدي بهم، محتسبًا ما يلقاه عند الله تعالى، واثقًا بأنّ العاقبة للمتقين.

٩- التزام الدعاء

من آداب حملة القرآن التزام الدعاء؛ فهو زاد القلب وروح العبادة، وبه يستمدّ حامل القرآن توفيقه وثباته على طريق القرآن. كذلك ينبغي لحامل القرآن أن يلازم الدعاء في كل أحواله، يسأل الله الإخلاص، والفهم، والعمل بما حفظ، وأن يجعله من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.

١٠- بين الفهم والتأثير: توازن حامل القرآن في تلقي كتاب الله

ومع ما نؤكّد عليه دائمًا من ضرورة فهم القرآن وتدبّره، فإنّ جانب التأثير والتأثّر لا يقلّ شأنًا، بل هو روح العلاقة مع كتاب الله، إذ لا يكتمل التدبّر إلاّ إذا أثمر خشوعًا في القلب وخضوعًا في الجوارح. فالقرآن لم ينزّل ليتلى بالألسنة فحسب، بل ليهزّ القلوب ويصوغ النفوس. قال تعالى:

﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللهِ﴾ (الزمر: ٢٣)

وفي هذا المشهد الربّاني تتجلّى صورة التفاعل الحيّ مع القرآن، حيث ترتعد الجلود خشية وتلين القلوب رحمةً وإيمانًا. وقال تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (الأنفال: ٢)

فليس المقصود من التلاوة مجرّد العلم، بل أن يورث العلم خشية. بل إنّ الله جلّ جلاله يضرب المثل بعظم أثر القرآن في قوله:

﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾

 (الحشر: ٢١)

فما أحوجنا إلى أن نحقّق هذا التوازن بين فهم القرآن بعقولنا وتأثّره في قلوبنا، ليكون القرآن علماً ونوراً، عقلاً وهدايةً، فهماً وتأثيراً معًا.

وفي الختام، نذكر أن آداب حملة القرآن ليست مجرد توجيهات نظرية، بل هي منهج حياة يجب أن يطبقه كل من اصطفاه الله لحمل كتابه العزيز، ليكون قلبه متأثراً بكلماته، ولسانه صادقاً بما يحمل، وسلوكه مطابقاً لتعاليمه.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا لفهم كتابه والعمل به، وأن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، وأن يجعله حجة لنا لا علينا، وأن يجعلنا من حملة القرآن وأهله وخاصته، الذين تتراءى عليهم آياته في القول والفعل، ويحيون به قلوبهم ويهتدون به سلوكهم، وأن يكون القرآن شفيعاً لنا يوم القيامة. آمين.