أهمية الإسهامات العلمية
للإمام شاه ولي الله الدهلوي
[مستوحاة من كلمة للأستاذ جاويد أحمد غامدي ]
في التراث العلمي للمسلمين كان لفهم الدين وتقديمه منهجان رئيسيان:
الأول المنهاج السلفي، والثاني منهاج الفقه والتدبر.
المنهاج السلفي يقوم أساسا على مبدأ الطاعة، ففي هذا المنهاج يظهر الدين على أنه مجموعة من الأحكام. وتتحدد قائمة من الأوامر والنواهي التي يجب على المكلّفين الالتزام بها. ويستنبط من القرآن الكريم وأحاديث رسول الله ﷺ أحكام الترك والفعل، ويفرض على الناس التقيّد بها. ولأجل هذا الغرض يرجع إلى جانب القرآن والحديث وآثار الصحابة الكرام أيضا.
فإذا ثبت أنّ الحكم منسوب إلى رسول الله ﷺ فإنّ البحث في مصدره يكون أمرا ثانويا؛ أي لا تعود المسألة مهمة كثيرا فيما إذا كان مصدر الحكم هو القرآن والسنة أو الأحاديث والآثار.
ينتج عن هذا النمط من التفكير أن تفهم الأحكام على نحو مجزّأ ومنعزل، فتعرض كل مسألة على حدة من غير أن تربط بسياق كليّ يبيّن موقعها في بنية الشريعة ومقاصدها. فلا يلتفت إلى العلاقات التي تصل بين الأصل والفرع أو بين الكل والجزء، كما لا يعنى هذا المنهج بدراسة الحكم في ضوء أسبابه وعلله التي تبرز حكمته وغايته.
أما منهاج الفقه والتدبر، فعلى العكس من ذلك، فإنه يقوم على مبدأ التأمل والنظر العقلي. فالدين في هذا المنهاج لا يقدّم على أنه مجرد مجموعة من الأحكام، بل ينظر إليه بوصفه نظاماً فكرياً متكاملاً. وتبذل الجهود لفهم الأحكام في إطار شامل يبرز ترابطها الداخلي وتناغمها المنهجي. يبحث في هذا الاتجاه عن الأساس الذي تقوم عليه الأحكام، وعن الفلسفة التي تستند إليها، والحكمة التي تنطوي عليها، والنظام الذي تنتظم فيه. فلا تعدّ طاعة الحكم كافية في ذاتها، بل يسعى أيضاً إلى تحديد علّته ومبناه وأصله. ومن خلال هذا المنهج تتجلّى العلاقات الدقيقة بين الأحكام المختلفة، من حيث النصّ والشرح، والفصل والاشتراك، والكلّ والجزء، والأصل والفرع، فيظهر الدين كمنظومة مترابطة ومتناسقة في مبادئها ومقاصدها.
هذان هما المنهجان في فهم الدين، ويمكن توضيح الفرق بينهما بمثال البناء وأجزائه.
في المنهاج السلفي تبدو الأمور كما لو كانت موادّ البناء قبل تشييد العمارة؛ فهنا طوب، وهناك حجارة، وذاك ملاط، وذاك طلاء. أي إن العناصر كلها تظهر متفرقة ومنفصلة، دون أن تتكوّن منها صورة كلية متكاملة.
أما في منهاج الفقه والتدبر، فإن هذه الأجزاء نفسها تتخذ هيئة البناء المتناسق؛ إذ يوضع كلّ جزء في موضعه المحدد ضمن نظام دقيق وترتيب منسجم، فتتجلّى وحدة البناء واتساقه، ويبدو الدين في صورته الشاملة التي تربط بين عناصره ومقاصده في إطار واحد جامع.
في نظرنا، إنّ منهاج الفقه والتدبّر هو المنهاج الأقوم الذي سعى من خلاله علماء المسلمين، على امتداد تاريخهم، إلى إدراك الدين على وجهه الصحيح. وقد سلك هذا الطريق أئمّة الحنفية والشافعية وجماعة المتكلّمين، إذ وجدوا فيه السبيل الأمثل لفهم الشريعة واستيعاب مقاصدها. ومع أنّ مناهجهم في النظر ونتائج اجتهادهم قد تتباين، فإنّهم يشتركون جميعاً في رؤية الدين بوصفه نظاماً فكرياً متكامل البنية، تتساند فيه الأحكام والمعاني ضمن إطار واحد منسجم. ومن ثمّ، يمكن القول إنّ هذا المنهاج التأمّلي العميق يمثّل القاسم المشترك الذي يجمع بين مدارسهم ومناهجهم الفكرية.
إنّ النظر إلى الدين من هذا المنظور يحدث فرقاً بالغ الأثر؛ إذ يمكّن من إدراك الأساس الفلسفي للأحكام، ويبرز حكمتها، ويظهر نظامها الداخلي وترتيبها ومراتبها، كما يبيّن الصلات التي تربط بعضها ببعض، ويحدّد قيمتها ومكانتها ضمن الإطار الكلي للدين.
ويعدّ الإمام أبو حنيفة عليه الرحمة مؤسّس هذا المنهاج القائم على الفقه والتدبّر. فعلى الرغم من أنّه لم يدوّن كتاباً مستقلاً في أصول هذا المنهج، إلا أنّه وضع أسسه الكبرى، وغرس مبادئه في عقول تلامذته حتى استقرّت فيهم رسوخاً. ثم جاء تلامذته بعده فشيّدوا على تلك الأسس صرحاً علمياً متكاملاً. ثم تلاه الإمام الشافعي رحمه الله، الذي امتاز بأنّه سعى إلى تنظيم هذا المنهج وتقعيده، وأضاف إلى ذلك جهداً آخر حين حاول التوفيق بين المنهاج السلفي ومنهاج الفقه والتدبّر، وهي محاولة أثّرت تأثيراً عميقاً في العلماء من بعده. ولهذا نرى أنّ معظم الأئمة الكبار الذين برزوا في العصور التالية كانوا على المذهب الشافعي، متأثرين بهذا الجمع الموفّق بين النقل والعقل، وبين النص والتأمل.
في مدرسة الفراهي الفكريّة، يعدّ هذا المفهوم بالغ الأهميّة، حتى إنّ محاولة فهم الدين من خلال منهاج الفقه والتدبّر تتحوّل في ذاتها إلى برهان على صدق هذا الدين ومصدره الإلهي. فالنتيجة التي تنبثق عن هذا المنهج ليست مجرّد رؤية فكرية، بل هي نظام معرفيّ متكامل يمثّل في حدّ ذاته معجزة قائمة. ذلك أنّ البناء الفكري لهذا الدين يبدو على درجة من التماسك والدقّة والترتيب والانسجام بين أجزائه، بحيث يدرك الناظر أنّه لا يمكن لأيّ فلسفة إنسانية أو منظومة فكرية أخرى أن تضاهيه أو تقاربه في عمقه واتّساقه. فهو نظام يشهد بنفسه على أنّه وحي من عند الله تعالى.
الإمام شاه ولي الله الدهلوي رحمه الله (١١١٤-١١٧٦) يعدّ من كبار العلماء الذين ساروا على هذا المنهاج الثاني، أي منهاج الفقه والتدبّر في فهم الدين. فقد انتمى بعمق إلى تلك المدرسة العلمية التي نشأت في العالم الإسلامي نتيجة هذا المنهج، وهي المدرسة التي انكبّ علماؤها على دراسة الشريعة واستنباط قواعدها الكلية لإبراز ما فيها من نسق وترابط ونظام دقيق، وكان للحنفية والشافعية فيها الدور الأبرز. ولهذا السبب، لا يمكن بحال من الأحوال إغفال شخصه أو التقليل من شأن عمله.
كان شاه ولي الله راسخاً في تراث الفقه والتدبّر، لكنه، مع ذلك، لم يعرض عن المنهج السلفي، بل نظر إليه بعين التقدير. ويبدو أنّ رحلته إلى الحرمين الشريفين كانت نقطة تحوّل مهمّة في مسيرته العلمية، إذ ازداد فيها وعيه بقيمة الأحاديث النبوية وأهمّيتها البالغة في بناء الفهم الديني. ويمكن القول إنّه أعاد قراءة المنهج السلفي ضمن رؤيته الفكرية الشاملة، فكتب شروحاً على الموطأ للإمام مالك عليه الرحمة بالعربية والفارسية، وتناول في كتابه العظيم "حجة الله البالغة" كلّ ما يتصل بالأحاديث النبوية التي تبيّن معالم الدين وأحكامه.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إنّ شاه ولي الله قد وحّد بين المنهجين: السلفي من جهة، ومنهج الفقه والتدبّر من جهة أخرى، محاولاً الجمع بينهما في نسق واحد متكامل. لقد سعى إلى أن يبرز أنّ هذين التيارين لا ينبغي أن ينظر إليهما على أنّهما متقابلان أو متعارضان، بل متكاملان ومتساندان. وبعبارة أخرى، فقد نسج شاه ولي الله خيطاً فكرياً واحداً جمع فيه هاتين المدرستين، فجعل من كلّ منهما حبّة لؤلؤ في عقد واحد يعبّر عن نظام فكري موحّد للدين، استطاع من خلاله أن يبدّد كثيراً من مظاهر التباين والاضطراب التي كانت محتملة بين المنهجين.
وفي تقديرنا، لقد تميّز الإمام شاه ولي الله، باكتشافه ذلك الرابط العميق الذي استطاع من خلاله أن يجمع بين المنهجين، ويؤسس عليه نظامه الفكريّ المتكامل. وهذا في حدّ ذاته إنجاز فريد يسجّل له بجدارة. ومن هذا المنطلق يمكن القول إنّ مكانته الفكرية تشبه "مجمع البحرين" حيث يلتقي المنهجان ويتكاملان. ولهذا نرى أنّه بعده أصبح كلّ من أتباع منهج الفقه والتدبّر، وكذلك المنهج السلفي، ينتسبون إليه ويعدّونه إمامًا لهم.[2]*
