logo
أخرى

مقطتف من ’’ميزان‘‘

ميزان

(الحلقة العاشرة)

 

مبادئ تدبر الحديث

إن الروايات لقول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره وتصويبه، التي انتقلت إلينا في أكثر الأحايين على طريقة الأخبار الأحادية، والتي اصطلح عليها بالحديث، فشيء واحد عنها واضح جدًّا أنها لا تضيف إلى الدين عقيدة وعملًا. كما أننا صرحنا في بداية كلامنا صراحة كاملة أن ذلك لا يأتي في دائرة الحديث أن يصير مأخذ الحكم الجديد في الدين. ومع ذلك فهذه أيضًا حقيقة أن الحديث هو المصدر المهم والأكبر لمعرفة سيرة النبي وأسوته الحسنة وتفهيمه للدين وتبيينه له. فللحديث إذًا مكانة كبيرة لا يستغني عنه طالب للدين ولهذه المكانة الكبرى للحديث لا بد لنا من بيان قواعد وأصول لله فيه أيضًا بعد القرآن والسنة. فأولًا لنأخذ أصولًا وقواعد يجب مراعاتها في رد وقبول أي حديث:

سند الحديث

إن الذي يوصل شيئًا إلى درجة الحديث بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو سند ذلك الشيء، فعدالة الرواة وضبطهم واتصال سلسلة الرواية ثلاثة أشياء يجب أن ينظر فيها بدقة نظر في ضوء تلك المواد التي، قد وفرها أيمة الرجال بجهد كبير في هذا الباب مع مراعاة علل الإسناد. نعم عدالة الصحابة مستثناة في ذلك لا الله تعالى بنفسه قد شهد لهم ووثقهم في كتابه: ( انظر الآية رقم 11 من سورة آل عمران) هذا المعيار لتحقيق إسناد الحديث قد أقامه المحدثون وهو قطعي لدرجة أنه لا يمكن الاختزال ولا الزيادة فيه.

ولأن الرواية لكلام مشتبه منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يبعث على النتائج الخطرة في الدنيا والآخرة، ولذا أصبح من الضروري اللازم أن يطلق هذا المعيار على كل رواية متصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم ويتم ذلك بطريقة محتمة للغاية دون أي تنازلات، وتقبل فقط تلك الروايات التي يصدقها ذلك المعيار من كل جهة. ولا يقبل دون ذلك شيء منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإن خرجه كبار  الأئمة في أمهات كتب الحديث البخاري ومسلم والموطأ للإمام مالك وغيرها.

متن الحديث

وبعد تحقيق سند الحديث الشيء الثاني هو متن الحديث. والأئمة المحدثون وإن لم يألوا جهدًا في التوصل إلى معلومات صحيحة عن حالات الرواة وسيرتهم، ونفقوا أعمارهم في هذه العملية ولكن مع ذلك قد بقي بعض الخلل الفطري في رواية الحديث كما هو الحال في كل عملية إنسانية،[5] فنظرًا إلى ذلك الخلل لا بد من أن ينظر إلى هذه الأشياء الآتية في متن الحديث أيضًا.

أولًا أن لا يكون في متن الحديث ما يخالف القرآن ولا السنة.

وثانيًا أن لا يكون فيه ما يعارض مسلمات العقل.

وعما يتعلق بالقرآن فقد قلنا من قبل أنه بمثابة الميزان والفرقان في الدين. وهو مهيمن على كل شيء وأنزل حَكمًا للتمييز بين الحق والباطل، ولذا لا نحتاج إلى استدلال زائد على ذلك أنه إذا كان هناك شيء يخالف القرآن يرد لازمًا.

وهذا هو أمر السنة أيضًا فإن هداية الدين التي وصلتنا بطريق السنة قد ثبت عنها بقطعية كاملة أن النبي قد أجراها باهتمام كامل مثل القرآن، فلا فرق فيها بين القرآن والسنة من حيث اعتبار الثبوت. فكما أن القرآن ثابت بإجماع الأمة فكذلك السنة أيضًا تؤخذ من إجماع السنة. وبما أن هذه الحقائق المتصلة بالسنة قاطعة تامة، فإذا كان خير الواحد ينافي السنة ولا وجه بينهما للتوافق فيرد خبر الواحد لازمًا.

ومسلمات العلم والعقل أيضًا تحرز هذه الحيثية في هذا الباب. والقرآن صريح في ذلك، فإن دعوته تقوم تمامًا على هذه المسلمات، ويقوم استدلاله في مباحث التوحيد والمعاد الجزرية أيضًا عليها أصالة. وإنه يبرز للناس بطريق تعليماته مما تتقاضاه مسلمات العلم والعقل وتطالبه. فكل طالب للقرآن وافق على أنه يقدمها كحكم لدعوته فقد قدمها أمام مشركي العرب وأمام اليهود والنصارى أيضًا كقول فصل. وهو يقول إنه من يخالف مسلمات العقل والنقل فإنه يتبع هواه. فحقائق الوجدان ومصدقات التاريخ، وثمرات ونتائج التجربة والمشاهدة قد جاءت في القرآن كمسلمات للعقل والعلم. ولذا فالأشياء التي جعلها القرآن بذاته معيارًا للتمييز بين الحق والباطل،  إذا جاء هناك خبر الواحد ينافيها فكيف تقبله؟ والظاهر أننا سنرده على كل حال.

فإن الأئمة المحدثين قد ذهبوا هذا المذهب في هذا الباب. الكفاية في علم الرواية هو أم الكتاب في فن أصول الحديث ومصنفه الإمام الخطيب البغدادي يقول:

"ولا يقبل خبر الواحد في منافاة حكم العقل وحكم القرآن الثابت المحكم والسنة المعلومة والفعل الجاري مجرى السنة وكل دليل مقطوع به. (432)

(يتبع ...)