نحو تصحيح المفهوم الفقهي لقاعدة "الخراج بالضمان"
وقع نزاع بين رجلين في صفقة بيع وشراء، فاحتكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقضي بينهما.
روت السيدة عائشة رضي الله عنها:
"أنّ رجلًا اشترى غلامًا، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد به عيبًا، فخاصمه إلى النبي ﷺ، فردّه عليه، فقال الرجل: يا رسول الله، قد استغللت غلامي، فقال رسول الله ﷺ: الخراج بالضمان." (رواه أبو داود، رقم:٣٥١٠)
يدلّ لفظ الضمان في اللغة العربية على تحمّل المسؤولية، وقد عبّر اللغويون عنه بعبارتي ’الكفالة والالتزام‘ [26]*أي التعهّد بكفالة الشيء والقيام بشؤونه. وانطلاقاً من هذا المعنى، فإن المقصود بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ’الخراج بالضمان‘ أن المشتري ما دام العبد في ملكه، كان ملتزماً بنفقته ورعايته وحمايته، فكان من مقتضى العدل أن يعود إليه ما نتج من منفعة خلال تلك المدة، لأن الربح في حقيقته ثمرة طبيعية للمسؤولية التي تحمّلها تجاهه.
هذه الرواية كانت في أصلها حكماً قضائياً في واقعة معينة، غير أن الفقهاء الكرام المتأخرين جعلوا منها قاعدة كلية وفقاً لمنهجهم في الاستدلال. فقد فهموا أن المقصود من لفظ الضمان في الحديث هو تحمّل الخسارة أو الضرر، واستناداً إلى هذا الفهم قرروا قاعدة مفادها أن الربح لا يستحقه إلا من يتحمّل تبعة الخسارة. وعلى هذا الأساس، قرر فقهاء العظام كالإمام السرخسي والإمام الكاساني (عليهما الرحمة) أن أي معاملة مالية لا يقبل فيها تحمّل مسؤولية الخسارة إنما تكون في حقيقتها ربحاً على رأس المال دون مقابل، وهي عندهم من قبيل الربا.
في نظرنا، هذا الشرح يحتاج إلى إعادة نظر من جانبين:
أولاً: لأن الفقهاء قصروا معنى الضمان على تحمّل الخسارة المالية فقط، في حين أن الكلمة في أصلها اللغوي تعني ببساطة تحمّل المسؤولية. والخسارة ليست سوى أحد مظاهر هذه المسؤولية، أما جعلها المعنى الوحيد للفظ فهو نوع من الخلط بين الأصل والفرع، إذ يختزل المفهوم الواسع للضمان في أحد تطبيقاته الجزئية. والحقيقة أن معنى الضمان يتغيّر تبعاً لطبيعة كل عقد، ففي القرض يكون التزاماً بالسداد، وفي الأمانة يعني الحفظ والرعاية، وفي البيع يشمل الالتزامات التي يقرّها الطرفان، بينما في الحديث محلّ الدراسة ارتبط الضمان برعاية المبيع وكفالته. وعليه، فكل معاملة تحدد مسؤولياتها الخاصة بحسب طبيعتها وشروطها، ولا يمكن اختزال جميع صور الضمان في مفهوم واحد مرتبط بالخسارة فقط.
لذلك، فإن اتخاذ صورة محددة من صور الضمان في عقد واحد وجعلها معياراً يقاس عليه سائر العقود، ثم اعتبار الربح مشروطاً دائماً بالخسارة، لا ينسجم لا مع دلالة اللغة ولا مع سياق الرواية نفسها.
ثانياً: إنّ الفقهاء الكرام وسّعوا تطبيق قاعدة "الخراج بالضمان" لتشمل عقد المضاربة أيضاً، واستناداً إلى ذلك قرروا أن ربّ المال هو الذي يتحمّل الضمان، أي مسؤولية الخسارة.
وبناءً على تصورهم أن الربح لا يستحق إلا مع الضمان، اعتبروا أن استحقاق الربح في المضاربة يجب أن يكون من نصيب ربّ المال. غير أنّ الواقع أن المضاربة تقوم على توزيع المسؤوليات بين الطرفين بحسب طبيعة العقد؛ فمسؤولية ربّ المال تتمثل في تقديم رأس المال، بينما تتركز مسؤولية العامل في حفظ رأس المال، وصيانته من الخسارة، واستثماره في وجوه التجارة المشروعة. وبذلك يتبيّن أن كلا الطرفين في عقد المضاربة يتحمّل نوعاً خاصاً من المسؤولية، ولا ينفرد أحدهما بها دون الآخر. وحيث إن العامل هو الذي يتحمّل مسؤولية إدارة المال واستثماره، فإنه إذا حدثت خسارة كانت تبعتها عليه. ومن ثمّ فإن الربح في حقيقته نتيجة طبيعية لتكامل مسؤوليتين:
مسؤولية ربّ المال الذي قدّم رأس المال، ومسؤولية العامل الذي تعهّد بحفظه وتشغيله.
وعليه، فإن ربط استحقاق الربح بمبدأ تحمّل الخسارة وحده ليس تفسيراً دقيقاً، إذ إن الربح لا ينشأ عن الخسارة، بل عن تلاقي مسؤوليات الطرفين وتعاونهما في تحقيق المنفعة.
يتّضح من هذا أن شرح قاعدة "الخراج بالضمان" على أنها تعني مجرد تحمّل الخسارة هو فهم قاصر؛ إذ لا يتفق مع أصل معناها اللغوي، ولا ينسجم مع سياق الحديث النبوي، كما أنه لا يراعي تنوع العقود واختلاف طبيعة المسؤوليات فيها.
