logo
أخرى

العالم المصري الراحل الدكتور زغلول النجار

العالم المصري الراحل الدكتور زغلول النجار

لقد كان نبي الله نوح عليه السلام نجارا، ولعل الله دفعه لتعلم هذه المهنة لتكون وسيلة لخدمة الدين والدعوة التي اختاره لحملها. فقد أمره فيما أمر بأن يصنع سفينة، فاستجاب نوح، عليه السلام لأمر الله، وبدأ في صنع السفينة مستخدما مهارته في النجارة، رغم سخرية قومه منه واستغرابهم الهدف والمكان، إذ كان يصنع السفينة في قلب الصحراء!

غير أن تلك السفينة كانت وسيلة نجاته ونجاة المؤمنين الذين صدقوه وآمنوا بما جاء به من وحي، فبتصديقهم وإخلاصهم للفكرة، وتمسكهم بما يفعل "النجار" نوح، نجَوا وهلك الكافرون.

ولعل أوجه الشبه التي كتبها الله للدكتور زغلول النجار -من إيمانه بفكرة الإعجاز العلمي وتعمقه فيها رغم تخصصه في علوم الأرض والجيولوجيا- قدرٌ أراده الله له كي يسير على خطى النبي نوح.

فكلاهما كان "نجارا"، وكلاهما عمل في خدمة الدعوة، وكلاهما صنع سفينته في الصحراء: فالنبي نوح صنعها في صحراء مادية، والدكتور زغلول صنع سفينته في صحراء المادية التجريبية؛ تلك المادية التي لا تصدق إلا بالملموس وتنكر ما عداه ولو كان محسوسا.

ولعل الجدل الذي صاحب دعوة النبي نوح من غير المؤمنين يشابه ما لقيه الدكتور زغلول النجار في دعوته عبر البحث في الإعجاز العلمي. وإن لم يكن هو الرائد الوحيد في هذا الحقل، إلا أنه مهندسه وصانع سفينته التي أبحرت على مدى خمسين عاما.

تعود جذور فكرة الإعجاز العلمي إلى صدر الإسلام، حيث حاجج النبي، صلى الله عليه وسلم، مناهضيه به، تأكيدا لنبوته، واستمر الأمر في العصور الإسلامية الأولى حين كان العلماء المسلمون يستدلون بآيات القرآن على عظمة الخلق والنظام الكوني.

أما المفهوم المنهجي الحديث للإعجاز العلمي، فقد بدأ في القرن العشرين، حين ازداد اهتمام العلماء والمفكرين بربط النصوص القرآنية بالاكتشافات العلمية الحديثة، لا سيما بعد أن تفوق الغرب في علومه ونسوا أن أساس تلك العلوم ومنطلقاتها كانت جهود علماء المسلمين.

فذهب بعض علماء المسلمين إلى ما هو أبعد من إثبات أصول العلم لأجدادهم، إلى تأصيله وتفسيره وفق المنهج الإلهي "اقرأ" سبحانه.

حقق الإعجاز العلمي في القرآن إنجازات كبيرة، أبرزها تعزيز الإيمان بعظمة القرآن وتقريب الناس إلى دينهم بعد أن فتنهم الغرب بماديته

ومن أبرز رواد هذا الاتجاه في العصر الحديث: الشيخ عبدالمجيد الزنداني، والشيخ طنطاوي جوهري، والدكتور زغلول النجار والشيخ وحيد الدين خان من الهند رحمهم الله جميعا.

قدم هؤلاء دراسات تُظهر أن القرآن الكريم تضمن إشارات علمية دقيقة في مجالات الفلك والطب والأحياء والجيولوجيا وغيرها، مؤكدين أن القرآن كتاب هداية لا يمكن أن يتعارض مع حقائق الكون التي خلقها الله، بل سبقها بالإشارة إليها منذ قرون.

لقد حقق الإعجاز العلمي في القرآن إنجازات فكرية ودعوية كبيرة، أبرزها تعزيز الإيمان بعظمة القرآن، وتقريب الناس إلى دينهم بعد أن فتنهم الغرب بماديته.

حتى إن أحدهم قال لي -وكان في بعثة طويلة إلى أميركا-: "الضعفاء فقط هم من يحتاجون إلى إله، أما الأقوياء فلديهم من العلم ما يقيمون به حاجاتهم".

كان النجار يفصل الجانب العلمي عن العاطفي، ويبتعد عن توظيف النتائج لأغراض دعوية أو إعلامية مبالغ فيها، متمسكا بمنهجية البحث العلمي في هذا الميدان.

لكن النجار صنع من الألواح المسطورة في كتاب الله قواربَ نجاةٍ للراغبين في الخروج من دوامات العلمانية المفرطة والعلمية المتغطرسة التي لا تتوقف ولا تتبين، وتظن في نفسها قوة الإله، ولا تتواضع لقوله تعالى: {وفوق كل ذي علم عليم}.

ومع ذلك، وجد في المجتمعات التي تُقدس المنهج العلمي التجريبي عقلاءَ أنصفوا دعوته، لا سيما حين حملها إلى المؤتمرات العلمية العالمية، فحاجج العلماء بالحجة والمنطق، فعاد كثير منهم إلى الحق مؤمنين بما جاء به محمد، صلى الله عليه وسلم.

فكان للدكتور زغلول النجار وأقرانه فضلٌ في هداية العلماء وتثبيت المؤمنين على عقيدتهم.

ومع عظمة هذا الجهد، لم تخلُ مسيرته من الانتقادات، منها الخلط بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي. إذ يرى بعض العلماء أن محاولة تطويع النصوص القرآنية لتوافق النظريات العلمية المؤقتة قد تؤدي إلى تقييد النص بمعنى زائل إذا تغير العلم لاحقا.

وهو رأي معتبر إن كان الغرض منه حماية النصوص من التأويل الزائل، فالنظريات متغيرة، والدين خالد سرمدي نزل ليبقى وشرع ليدوم.

وهذا ما كان الدكتور زغلول النجار يحاول ترشيده، إذ مثل المكابح لراكبي موجة الإعجاز العلمي، فكان يفصل العلمي عن العاطفي، ويبتعد عن توظيف النتائج لأغراض دعوية أو إعلامية مبالغ فيها، متمسكا بمنهجية البحث العلمي في هذا الميدان.

لم يكن خطاب الدكتور النجار خطابا نخبويا؛ بل كان يبسط أعقد المسائل، فيخلع ثوب العالم، ويرتدي ثوب البسطاء، فيهبط بالمعاني من قممها الشاهقة إلى أرض الفهم الممهدة

وقد ألف عددا من الكتب لترسيخ الفكرة وترشيد المنهج، من أبرزها:

١- الإنسان والكون في الإسلام

٢- من آيات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

٣- الإعجاز العلمي في السنة النبوية المطهرة

٤- الجزيرة العربية عبر الأزمنة الجيولوجية

٥- نظرية التطور العضوي في ميزان الإسلام

وغيرها من المؤلفات التي حافظت على منهجية علم الإعجاز العلمي بعيدا عن العاطفة الدعوية، موجهة الخطاب إلى عقل العالم المدرك للظواهر.

وقد أنضج ذلك الخطاب الدعوي العلمي الموجه إلى طبقة لا يمكن مخاطبتها إلا بمنطق العلم والإقناع.

ومع ذلك، لم يكن خطاب الدكتور النجار خطابا نخبويا؛ بل كان يبسط أعقد المسائل، فيخلع ثوب العالم، ويرتدي ثوب البسطاء، فيهبط بالمعاني من قممها الشاهقة إلى أرض الفهم الممهدة، فيجعل كلام العلماء على لسانه ميسورا، كأنه حديث أخلاء في جلسة سمر على ضوء قمر في ليل ريفي بسيط.

رحم الله الدكتور زغلول النجار، وتقبل عمله وجهاده وهجرته من أجل الحق والدعوة، ونسأل الله أن يعوض الأمة من تلاميذه من يكمل مسيرته لرفع راية هذا الدين.

                                             (نقلا من قناة "الجزيرة")