دور الدعوة والداعية
الموسوعة الربانية
إنّ في القرآن الكريم آياتٍ جاءت في صورة الخبر، غير أنّ حقيقتها إنشائية، تحمل في طياتها دعوة للإنسان إلى التأمل في مشروع إلهي عظيم. ومن ذلك قول الله تعالى:
﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (الكهف: 109).
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لقمان: 27).
هاتان الآيتان تكشفان عن حقيقة كبيرة جليلة، هي أنّ كلمات الله وآلاءه لا تنفد، وأنّ استقصاءها وتدوينها أمرٌ يتجاوز حدود هذه الحياة الدنيا المحدودة. فالقرآن هنا يعلن عن مشروع ربّاني عظيم، وهو الدعوة إلى دراسة كلمات الله وآلائه وتدوينها في صورة موسوعة كبرى. غير أنّ هذا المشروع لا يمكن أن يتحقق في إطار الدنيا الضيّق، بل يحتاج إلى عالم أوسع لا يحدّه زمان ولا مكان، أي إلى الدار الآخرة.
ومن ثمّ، يمكن القول إنّ من مهام الحياة الأبدية في الآخرة أن يُكلَّف أهل الجنة بمشروع جليل، يتمثل في اكتشاف كلمات الله وآلائه، وجمعها في موسوعة ربانية شاملة؛ هي ما يمكن تسميته بـ "الموسوعة الربانية".
الدنيا مرحلة إعداد
لم تخلق الدنيا لتكون ميدان كتابة هذه الموسوعة، بل لتكون ميدانًا لإعداد الكُتّاب الذين سيشاركون في ذلك المشروع الكوني في الدار الآخرة. فالمؤمن الذي يستحضر هذا الهدف يعيش حياته على أنّها فترة تدريب وتأهيل، يهيّئ فيها نفسه ليكون عضوًا في ذلك الفريق الرباني في الدار الباقية.
إنّ هذا التصور وحده كفيل بأن يقلب حياة الإنسان رأسًا على عقب، إذ يحرره من التفكير السلبي، ومن نزعات الكراهية والعنف والصراع، ويحوّله إلى شخصية إيجابية فاعلة، مشغولة بالبناء لا بالهدم، بالترقي الروحي والفكري لا بالانغماس في الأهواء والصغائر.
الجنة: دار أنشطة راقية لا مجرّد نعيم حسي
القرآن الكريم وصف نعيم الجنة من أنهار وفواكه وأزواج مطهّرة، لكنه أكّد أنّ ذلك النعيم إنما هو نُزُل أي ضيافة أولية من عند الله تعالى (فصّلت: 32). أما حقيقة الجنة فهي أعمق من ذلك بكثير؛ فهي ليست مجرد دار رفاهية حسية أو عيش مترف، وإنما هي ساحة أنشطة راقية ومعانٍ سامية.
ومن أعظم تلك الأنشطة كتابة الموسوعة الربانية، وهو عمل ممتع ومشرف، يجمع بين المعرفة والمتعة، كما قال تعالى في وصف أهل الجنة:
﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ )يس: 55).
فالجنة ليست دارًا يصل إليها الإنسان عبر قفزات متهورة أو ممارسات عنيفة، كما يتصوّر بعضهم من خلال فكرة الانتحار أو "التضحية" الخاطئة. إنّ هذا التصوّر للجنة هو تبخيس لقيمتها واستخفاف بحقيقتها. إنما الجنة جزاء عادل بعد رحلة إعداد طويلة في الدنيا، وبعد اجتياز امتحان عظيم في هذه الحياة، عندها فقط يُقرَّر مَن يستحق دخولها ومَن لا يستحق.
التحوّل الجوهري
هذا الفهم العميق للحياة والآخرة يخلّص الإنسان من النزعة "الدنيوية" ويجعله "أخروياً" في توجهه واهتماماته. يرفع مستوى تفكيره إلى آفاق عالية، ويجعل من حياته رحلة إيجابية متفائلة، بعيدة عن النزعات الهدّامة.
فمن يضع نصب عينيه هدف الانضمام إلى فريق كتابة الموسوعة الربانية في الجنة، يعيش حياة مختلفة كليًا، مليئة بالمعنى، عالية الهمّة، متحررة من الصراعات الصغيرة، متجهة إلى الأفق الأبدي الذي لا ينتهي.
إمبراطورية التوحيد
بدأ النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم دعوته في مكة سنة 610م، وكانت هذه الدعوة في جوهرها دعوة إلى التوحيد؛ أي جعل التوحيد أعظم نظرية فكرية على الإطلاق. وقد دعا زعماء قريش النبيّ مرة وسألوه: ماذا تريد منا؟ فأجابهم بقوله: "كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم" (سيرة ابن هشام، ج1، ص417). أي أنني أطلب كلمة واحدة فقط، إن أنتم أقررتم بها صرتم سادة العرب، وخضعت لكم الأمم من غير العرب. والمقصود بهذه "الكلمة" هو الأيديولوجيا التوحيدية.
لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقصد الهيمنة السياسية، بل كان يتحدث عن الغلبة الفكرية. لقد أراد الله أن يقع في العالم انقلاب يجعل الأدلة كلها تنطق لصالح التوحيد، والظروف كلها تمهّد لانتشاره. وهو المعنى نفسه الذي سبق أن أعلنه المسيح عليه السلام حين علّم أتباعه أن يقولوا في صلاتهم:
So pray this way: Our Father in heaven, may Your name be honoured, may Your kingdom come, may Your will be done on earth as it is in heaven. (Matthew, 6:9-10)
"ياأبانا الذي في السموات، ليتقدّس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض" (متي 6: 9-10)
وبحسب القرآن، فلا إكراه في الدين (البقرة: 256)، لكن الله أراد أن يكون الدين مبرهنًا إلى أقصى درجة. بعد ذلك يكون الإنسان حرًّا في الإيمان أو الكفر (الكهف: 29). ولتحقيق هذا الهدف كان لا بدّ من ثورة تاريخية كبرى. غير أن هذه الثورة تحتاج إلى فريق من البشر الموحّدين ينهض بمهمتها، وهو ما لم يتحقق مع الأنبياء السابقين. لذلك بدأ الإعداد لها منذ إبراهيم عليه السلام، حين أسكن زوجته هاجر وابنه إسماعيل في صحراء العرب. وعلى مدى ألفَي عام تكوّن من نسلهما شعب جديد هو "بنو إسماعيل"، الذي خرج منه النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
هذه الثورة لم يكن مقدّرًا لها أن تقع فجأة، بل كان لا بد أن تبدأ كعملية تاريخية (process) تراعي حرية الإنسان، وتتطور عبر المراحل حتى تبلغ ذروتها. وقد انطلقت هذه العملية من العرب، لكنها بلغت اكتمالها في صورة الحضارة الحديثة في الغرب.
وكان لهذا الانقلاب بُعدان:
- البُعد الأول: أن تتطور العلوم حتى تصبح جميع الأدلة العلمية والفكرية شاهدة على صدق الدين، وهو ما تنبأ به القرآن: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ")فصلت: 53)
- البُعد الثاني: أن تتهيأ الظروف العملية التي تدعم الدين، حتى لو جاء ذلك عبرَ أناس لا يؤمنون به، كما في الحديث الصحيح: إن الله ليؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر" البخاري، رقم الحديث: 3062).
وفي القرن الحادي والعشرين بلغ هذا الدعم ذروته؛ إذ صارت حرية الرأي حقًّا مكفولًا، وتقدّمت التكنولوجيا حتى أطلقت كل الإمكانات، وصارت الوسائل السلمية كافية لتحقيق الأهداف، وغدا الانفتاح العالمي سمة أساسية للحياة البشرية.
في بدايات الأمر احتاج المسلمون إلى "مأوى داعم"، فجعل الله لهم قوة سياسية تحمي هذه المسيرة حتى أواخر القرن التاسع عشر. ثم لما اشتد عود العملية التاريخية، لم تعد بحاجة إلى هذا المأوى، بل واصلت التقدّم بذاتها. فالحضارة الحديثة، وتأسيس الأمم المتحدة عام 1945، مثّلت محطات حاسمة جعلت الظروف العالمية مؤيدةً تمامًا لأيديولوجيا التوحيد.
الآن لم يبقَ على المسلمين إلا أن يدركوا هذا الواقع، ويخططوا بوعي حتى تصبح أيديولوجيا التوحيد حقيقة معروفة كحقيقة العلم في عقول الناس.
وقد أعلن القرآن عن مهمة الرسول بقوله: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (التوبة: 33). والغلبة المقصودة هنا ليست سياسية، بل فكرية. وليست حتمًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، بل في مسار التاريخ كله، حتى يكتمل المشروع الثوري للتوحيد.
وهكذا نجد في القرآن والحديث نصوصًا تصف أحداثًا معاصرة لزمن النبي، وأخرى تتحدث عن أحداث مستقبلية. فمن النصوص الأولى قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (المائدة: 3)، أي أن نزول الوحي قد اكتمل. ومن النصوص الثانية قوله: " يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ" (التوبة: 32)، أي أن مشروع إتمام النور سيتحقق حتمًا عبر التاريخ، رغم محاولات المعارضين.
وبالفعل، ظل هذا المشروع مستمرًا عبر القرون، بمشاركة المؤمنين وغير المؤمنين على السواء، حتى بلغ كماله في العصر الحديث. لكن كثيرًا من المسلمين لا يدرسون التاريخ بهذا المنظارولايدركونه بهذه الرؤية؛ فهم يعتبرون فقط ما فعله المسلمون تاريخًا للإسلام، ويغفلون أن القوى "المدنية" أو "العلمانية" أسهمت أيضًا في إنضاج الظروف العالمية التي تدعم مشروع التوحيد.
الإسلام يتكون من شقّين:
- شق أيديولوجي، وهو مستند إلى القرآن والسنة ومستخرج منهما.
- وشق تأييدي عملي، شاركت فيه أمم العالم كلها عبر تطوير مفاهيم الحرية والانفتاح والاتصال والمعايير الدولية.
إن إدراك هذه الحقيقة سيحوّل رؤية المسلمين من عقلية "نحن وهم" إلى عقلية "نحن ونحن"، ويولّد لديهم ذهنية إيجابية (Positive Thinking) هي أعظم مصدر قوة لهم في الحاضر والمستقبل.
البنية الضرورية للدين
ورد في حديث النبي ﷺ: «إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا» (سنن الترمذي، رقم الحديث 2630). أي إن الدين سوف ينكمش إلى الحجاز كما تنكمش الحيّة إلى جحرها. والمقصود أن الدين سيظل حيًّا محددا في الحجاز حتى في زمن الفتن.
الحجاز هو الإقليم الذي بُعث فيه النبي ﷺ، وفيه الحرم المكي والحرم المدني، وفيه تَشكّلت أحداث التاريخ الإسلامي، وهو موطن إبراهيم وإسماعيل، ثم النبي ﷺ وأصحابه، وهو مركز عبادة الحج. والحرم مكان يُحرَّم فيه قتل أي كائن حي.
لذلك أصبحت أرض الحجاز ذات مكانة خاصة بين المسلمين. وهي حقيقة تاريخية أشار إليها النبي ﷺ بلسان التنبؤ: أنه عندما تعمّ الفتن في العالم، فإن الحجاز سيبقى نسبيًّا في مأمن. وحتى في أجواء العنف سيتجنب المسلمون ممارسة العنف فيه احترامًا لحرمته. ولهذا سيبقى الهيكل الأساسي للدين قائمًا هناك بشكل أو بآخر.
وبالتأمل يتضح أن هذا الهيكل هو أن تتجنب الأمة الصراع السياسي كليةً، وتستمر في البناء السلمي في غير المجال السياسي. ويمكن التعبير عن ذلك بجملة واحدة:
القبول بالوضع السياسي القائم، والانشغال بالدعوة والبناء.
فالنزاعات العنيفة تنشأ دائمًا من القضايا السياسية. ومن ثم قرر الإسلام مبدأ أن يرضى المسلمون عمليًّا بالوضع القائم في السياسة، لكي يظل مجال البناء السلمي مفتوحًا دائمًا. وبهذا يستمر المشروع الرباني بلا توقف. ومن هذه الزاوية تُمثّل أرض الحجاز نموذجًا عمليًّا.
وهذا الترتيب بين السياسة والبناء مطلوب في كل منطقة إسلامية. لكن الحديث خصّ الحجاز بالذكر لأن طبيعته الخاصة جعلت فيه نوعًا من الإلزام النفسي، بحيث إن المسلمين حتى في زمن الفتن سيبتعدون عن العنف داخله. وبهذا يبقى الحجاز نموذجًا عمليًا للناس، يذكّر المسلمين في كل مكان أن يتبنوا هذا النموذج السياسي، لكي يستمر مشروع الإسلام الأساسي بلا عوائق وبلا انقطاع.
بداية عهد جديد
في العصر المدني من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وقع حدث تاريخي عظيم، عُرف في كتب السيرة باسم صلح الحديبية. وقد وقع هذا في السنة السادسة للهجرة. والحديبية في جوهرها لم تكن إلا اتفاقية سلمية أنهت مرحلة طويلة من الصدام بين أهل التوحيد وأهل الشرك، وهو الصدام الذي بلغ أحيانًا حدّ الحروب والمعارك. لكن بعد هذا الصلح طُويت صفحة الصراع العسكري، وانفتح أمام المؤمنين أفق جديد: حرية نشر رسالتهم بوسائل سلمية، دون مقاومة مسلّحة من الطرف الآخر.
وبعد إبرام هذا الاتفاق نزلت سورة الفتح، وفي مطلعها أعلن الله سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ (الفتح: 1-2)
أي إنّا منحناك فتحًا بيّنًا، ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك، ويهديك الطريق المستقيم.
الطريق المستقيم هنا، إذا فهم في سياق صلح الحديبية ووقائعه، لا يعني إلا المنهج السلمي لتحقيق الأهداف. فالرسول صلى الله عليه وسلم بعد هذا الصلح اعتمد هذا النهج في دعوته، فكان أكثر فعالية وتأثيرًا، حتى عمّ التوحيد أرجاء الجزيرة العربية خلال سنوات قليلة، بعدما كان الشرك هو السائد.
إذن الفتح المبين لم يكن فتحًا سياسيًا، وإنما كان فتحًا فكريًا وعقائديًا. وهكذا يتضح أن رسالة الإسلام غايتها الانتصار الفكري لا السياسي. والحديبية لم تكن مجرد اتفاق محلي بين قبائل العرب، بل كانت تدشينًا لمرحلة تاريخية جديدة، مسارًا تحوّليًا ظل يتطور عبر الزمن حتى بلغ ذروته في القرن العشرين، حين أعلنت منظمة الأمم المتحدة أن الطريق الوحيد المقبول عالميًا لتحقيق الأهداف هو الطريق السلمي. وبذلك أُغلِق الباب أمام أي تبرير مبدئي للعنف والحرب كوسيلة مشروعة.
لقد أسهمت أحداث كثيرة في بلوغ البشرية هذا الإدراك، وأبرزها الحربان العالميتان (1914-1918) و(1939-1945). فقد خاضت فيها كل القوى الكبرى، واستخدمت أسلحة فتاكة لم يشهدها التاريخ من قبل، ورغم ذلك لم تثمر إلا الدمار والخسائر الفادحة من دون تحقيق أي أهداف سياسية. وكانت النتيجة أن البشرية وجدت نفسها أمام حتمية تاريخية: خيار الحرب لم يعد مجديًا، والبديل الوحيد الممكن هو السلام. ومن رحم هذه التجربة المريرة وُلدت الأمم المتحدة، التي يمكن النظر إليها باعتبارها حديبية كونية.
قبل ذلك كان الناس — بشكل معلن أو ضمني — يرون أن الحرب هي السبيل الطبيعي لتحقيق الغايات. لكن هذا التصور انتهى فعليًا في منتصف القرن العشرين، إذ أصبح السلم هو المعيار الكوني. الحرب بعد ذلك لم تعد إلا استثناءً نادرًا، بعدما كانت هي القاعدة السائدة في التاريخ.
اليوم ينقسم العالم إلى شطرين: عالم علماني، وعالم مسلم. العالم العلماني يعتمد معيارًا واحدًا هو النتيجة: العمل الذي يُثمر يُعتمد، والذي لا جدوى منه يُرفض. ومن ثم اعتمدوا بعد عصر النهضة أساليب جديدة لبناء قوتهم الصناعية والتجارية، فاستغنوا عن القوة العسكرية والسيطرة السياسية المباشرة، واكتفوا بسلاح الجودة والتنظيم. من خلال الاستثمار (Investment) والاستعانة الخارجية (Outsourcing) بنوا إمبراطوريات صناعية كبرى بلا أي مواجهة عنيفة تُذكر.
لكن الاستثناء الوحيد هو العالم الإسلامي. ففي حين أدركت الأمم الأخرى أن العنف عقيم، ظل بعض المسلمين متمسكين بالعنف كوسيلة دينية، حتى أصبح التشدد المسلح ظاهرة "إسلامية" في نظر العالم. وأحداث مثل 11 سبتمبر 2001 أو هجمات باريس 2015 شاهدة على ذلك.
وسبب هذا الاستثناء أن التراث الفقهي المتأخر رسّخ مفهوم "الجهاد القتالي" بوصفه الأصل، بدل أن يرسّخ مبدأ السلم الذي سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم. حتى غدا ذلك عقيدة، بل وصل الأمر إلى أن بعض العلماء برروا العمليات الانتحارية باسم "الاستشهاد"، مع أنها لا تجد سندًا صحيحًا من قرآن أو حديث.
وقد أنبأ النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه المأساة بقوله:
"إذا وُضع السيف في أمتي فلن يُرفع عنهم إلى يوم القيامة»
(سنن ابن ماجة، رقم الحديث: 3952)
تاريخ الإسلام
بدأ النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم دعوته في مكّة سنة 610م. كانت رسالته في جوهرها رسالة توحيد ودعوة سلمية. في المرحلة الأولى لم يكن للمسلمين من مصادر الإسلام سوى القرآن والحديث، إذ لم يكن هناك طباعة، فكان الاعتماد على الحفظ والمخطوطات. وكان القرآن والحديث المصدر الوحيد لفهم الإسلام وتلقي تعاليمه.
لكن مع مرور الزمن تغيّر الأمر، وأصبح التاريخ – عملياً – هو المصدر الذي يصوغ وعي المسلمين، لا القرآن والحديث.
نشأة النمط الغزواتي والفتوحاتي
في القرن الثاني الهجري بدأت كتابة السيرة، فجاءت كتبها على النمط الغزواتي، مثل مغازي الواقدي، مغازي موسى بن عقبة، ومغازي ابن إسحاق. بينما كانت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم قائمة أساساً على الدعوة السلمية، أوحت هذه الكتب للقارئ أن رسالة النبي ومهمته كانت قائماً على الحرب والقتال.
ومع قيام الدولة العباسية سنة 123هـ، توسّع التأليف في التاريخ الإسلامي، لكنه بقي محصوراً في النمط نفسه: نمط الفتوحات. مثل فتوح الشام للواقدي وفتوح البلدان للبلاذري.
لماذا غلب هذا النمط؟
السبب يعود إلى التأثير الزمني؛ إذ كانت الكتابة التاريخية في العالم القديم تدور غالباً حول الملوك والسلطنات والحروب. وعندما بدأ المسلمون التدوين تأثروا بهذا النموذج السائد، واتبعوا الأسلوب نفسه. وهذا ما يسميه القرآن "المضاهاة" (التشبه بالآخرين) (التوبة: 30).
ابن خلدون والنقد الأول
كان عبد الرحمن ابن خلدون (ت 808هـ) أول من انتقد هذا النمط، واعتبر أن التاريخ يجب أن يعبّر عن النشاط الإنساني كله، لا عن السياسة والحروب فقط. عرض فكرته هذه في مقدمة ابن خلدون. لكنه حين ألّف كتابه في التاريخ (ديوان المبتدأ والخبر) لم يستطع الخروج تماماً من النمط السائد.
سيطرة النمط السياسي
على مدى ألف سنة تقريباً ظلّت كتب التاريخ الإسلامي تدور في الإطار السياسي: أخبار الدول والملوك والحروب. وكانت النتيجة تغييب أهم جانب في التاريخ الإسلامي، وهو الدعوة إلى الله.
فنجد مثلاً:
- الكامل في التاريخ لابن الأثير، رغم عنوانه، ليس "كاملاً" لأنه خلا من الجانب الدعوي.
- البداية والنهاية لابن كثير، رغم ضخامتها، لم تُفرد للدعوة مساحة حقيقية.
ولم يقتصر هذا على التاريخ؛ بل امتدّ إلى سائر العلوم. ففي كتب الحديث وُجد "كتاب المغازي" و"كتاب الجهاد" مطوّلة، ولم يوجد "كتاب الدعوة والتبليغ". وكذلك في كتب الفقه. وهكذا تكوّن لدى الأجيال المسلمة عقل سياسي وجهادي لا عقل دعوي. حتى كتب ذات أهمية كبيرة مثل حجّة الله البالغة لشاه ولي الله الدهلوي لم تتناول باب الدعوة، مع أن القرآن يقرر أن حجة الله تقوم بالدعوة (النساء: 165).
ومن المفارقة أن أول كتاب شامل عن الجانب الدعوي كتبه مستشرق مسيحي:
T. W. Arnold, The Preaching of Islam (1896)(الدعوة إلى الإسلام ألفه تي دبلو آرنولد).
(يتبع...)
