logo
أخرى

آثار أئمة أهل البيت عن الصحابة

آثار سيدنا علي رضي الله عنه

في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما

(13)

(9)

عَنْ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: رُئِيَ عَلَى عَلِيٍّ بُرْدٌ كَانَ يُكْثِرُ لُبْسَهُ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَتُكْثِرُ لُبْسَ هَذَا الْبُرْدِ، فَقَالَ: إِنَّهُ كَسَانِيهِ خَلِيلِي وَصَفِيِّي وَصَدِيقِي وَخَاصِّي عُمَرُ، إِنَّ عُمَرَ نَاصَحَ اللهَ فَنَصَحَهُ اللهُ، ثُمَّ بَكَى. (مصنف ابن أبي شيبة رقم 31357)

الشرح اللغوي

صَفِيّ أي الصديق المختار المنتقى. "خَاصّ" يحمل المعنى نفسه أيضاً، أي الصديق القريب جدًّا والعارف بالأسرار.

التخريج واختلاف الطُّرُق

وقد رُوي هذا الأثر أيضًا من طريق أبي السَّفَر في المصادر التالية:

  • كتاب الشريعة للآجُرّي، رقم 1766
  • فضائل الصحابة للدَّارقطني، رقم 12
  • تاريخ دمشق لابن عساكر 44 /363

وأما الطريق الذي نقله ابن شَيبَة، فإنَّ خلف بن حوشب قد روى فيه تفاصيل الحادثة على النحو التالي:

عن خلف بن حوشب، قال: أدركت رجلًا من اصحاب عبد الله شيخًا كبيرًا، قال: خرج علينا علي رضي الله عنه من القصر وعليه بردة يمانية من هذه اليمانية الخمر، عتيق منها جيد، فجعل القوم يمسونه ويقولون: من أين لك هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا كسانيه حبيبي عمر رضي اللّٰه عنه، فلما ذكر عمر رضي الله عنه قبع رأسه بالبُرد، ثم بكى حتى رحمه من كان ثم. (تاریخ المدینة، رقم 1498)

 وقد روى خلف بن حوشب نفس الحدث عن عمربن شرحبيل بلفظ أت: خرج إلينا علي عليه السلام، وعليه برد، فقال: هذا برد كسانيه خليلي عمر بن الخطاب عليه السلام، ثم رفع البرد فقنع به رأسه، ثم بكى حتى ظننا أن نفسه خارجة من بين جنبيه. (فضائل الصحابة، (رواه الدارقطني، رقم 14)

ويرويه راوي آخر أبو مريم كماياتي:

رأيت على علي بن ابي طالب رضي الله عنه برداً خلقا قد انسحقت حواشيه، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قلت: تطرح هذا البرد وتلبس غيره. قال: فقعد وطرح البرد على وجهه وجعل يبكي. فقلت: يا أمير المؤمنين، لو علمت إن قولي يبلغ منك هذا ما قلته. فقال: إن هذا البرد كسانيه خليلي. قلت: ومن خليلك؟ قال: عمر رحمه اللّٰه، إن عمر عبد ناصح الله عز وجل فنصحه. (الشریعة،للآجري:رقم 1767)

وقد روى ابن أبي شيبة نفس الأثر لأبي مريم: (تاريخ المدينة:رقم 1496) وكذلك نقل الحدث نفسه أبوحيان التوحيدي(الإخوان ابن أبي الدنيا،رقم 219)

(10)

عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ أَوَّاهًا حَلِيمًا، وَإِنَّ عُمَرَ نَاصَحَ اللهَ فَنَصَحَهُ اللهُ، وَقَدْ كُنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ نَرَى أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ يَعْنِي عَلَى لِسَانِ عُمَرَ، وَقَدْ كُنَّا نَرَى أَنَّ الشَّيْطَانَ يَهَابُهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْخَطِيئَةِ.

(فضائل الصحابة، ابن حنبل، رقم 600)

الشرح اللغوي

"أوَّاه": أي كثير التوجّع، رقيق القلب، شديد العطف والرحمة.

السَّكِينَة: تُطلق في الأصل على ما يُحدث الطمأنينة والسكون في النفس. وقد ورد في بعض الأحاديث استعمالها بمعنى جماعة من الملائكة أو مخلوق نوراني شبيه بهم ينزل عند تلاوة القرآن (البخاري، رقم 3449). وروي عن وهب بن منبّه في تفسيرها أنه قال: السَّكِينَةُ رُوحٌ مِنَ اللهِ تَتَكَلَّم (تفسير الطبري 5 /328).

وهذا هو المعنى الذي استعمله عليٌّ رضي الله عنه في الأثر محلّ البحث. كما ورد في بعض الروايات بدل كلمة «سكينة» لفظ «مَلَك»، وهو ما يزيد المعنى وضوحًا.

الشرح والإيضاح

صفات أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وردت في أحاديث عديدة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ففي غزوة بدر، حين أشار أبو بكر بإطلاق الأسرى، شبّه النبي صلى الله عليه وسلم رقّة قلبه ورهافة وجدانه بصفاء قلبَي إبراهيم وعيسى عليهما السلام، وقال:

"إنَّ اللهَ لَيَلِينُ قُلُوبَ رِجَالٍ فِيهِ حتّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنَ اللَّبَن."

(أحمد، رقم 3527)

كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حقّ عمر:

إنَّ اللهَ وَضَعَ الحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ يَقُولُ بِهِ. (أبو داود، رقم 2619)

وقال له في موقف آخر:

"إنَّ الشَّيطانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَر"(الترمذي، رقم 3781)

التخريج واختلاف الطرق

رُوي هذا الأثر من طريق الشعبي في عدة مصادر، منها:

مجموع مصنفات أبي جعفر ابن البختري، رقم 92

أمالي المحاملي، رقم 165–166

أمالي ابن بشران، رقم 176

إلاّ أن أغلب الروايات عن الشعبي اقتصرت على الجملة: "إنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَر" (مصنّف ابن أبي شيبة رقم 31334، شرح أصول اعتقاد أهل السنة رقم 2390، حِلْيَة الأولياء رقم 94 و6066، الشريعة للآجري رقم 1326، تاريخ دمشق 44 /109)

وقد روى هذه الجملة أيضًا عن عليٍّ رضي الله عنه غير الشعبي: أبو جحيفة، وزِرّ بن حبيش، وطارق بن شهاب.

رواية أبي جحيفة نقلها الإمام أحمد (مسند أحمد رقم 821، السنّة لابن أحمد رقم 1254، فضائل الصحابة رقم 45).

رواية زِرّ بن حبيش جاءت في الجامع لمعمر بن راشد رقم 993، الشريعة للآجري رقم 1184، فضائل الصحابة لابن حنبل رقم 498.

رواية طارق بن شهاب جاءت بصيغة:

"كُنَّا نَتَحَدَّثُ أنَّ مَلَكًا يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَر"(حِلْيَة الأولياء رقم 93)

أما صدر الأثر:

"إنَّ أبا بكر كان أوّاهًا حليمًا، وإنَّ عمر ناصحَ اللهَ فنصحه الله"

فقد رُوي من طريق أبي سريحة عن عليٍّ رضي الله عنه في:

الطبقات الكبرى رقم 3104، فضائل الصحابة رقم 104 و168، الشريعة رقم 1805، أنساب الأشراف 10 /59، تاريخ دمشق30 /339. كما رواه ابن عساكر من طريق قيس بن أبي حازم. وروى عمرو بن ميمون هذا الأثر بزيادة:

"إذا ذُكِر الصالحون فحيَّ هَلا بعمر؛ ما كنّا نرى ذلك بعيدًا على أصحاب محمد ﷺ أن تكون السكينةُ تنطق على لسان عمر"

(المعجم الأوسط للطبراني رقم 5653، حِلْيَة الأولياء رقم 5537)

(11)

قَالَ عَبْدُ خَيْرٍ: كُنْتُ قَرِيبًا مِنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حِينَ جَاءَهُ أَهْلُ نَجْرَانَ، قَالَ: قُلْتُ: إِنْ كَانَ رَادًّا عَلَى عُمَرَ شَيْئًا فَالْيَوْمَ، قَالَ: فَسَلَّمُوا وَاصْطَفُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: ثُمَّ أَدْخَلَ بَعْضُهُمْ يَدَهُ فِي كُمِّهِ فَأَخْرَجَ كِتَابًا فَوَضَعَهُ فِي يَدِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، خَطُّكُ بِيَمِينِكَ وَإِمْلَاءُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْكَ، قَالَ: فَرَأَيْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللّٰهُ عَنْهُ وَقَدْ جَرَتِ الدُّمُوعُ عَلَى خَدِّهِ، قَالَ: ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: يَا أَهْلَ نَجْرَانَ، إِنَّ هَذَا لَآخِرُ كِتَابٍ كَتَبْتُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، قَالُوا: فَأَعْطِنَا مَا فِيهِ، قَالَ: سَأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَاكَ، إِنَّ الَّذِي أَخَذَ مِنْكُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمْ يَأْخُذْهُ لِنَفْسِهِ، إِنَّمَا أَخَذَهُ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ الَّذِي أَخَذَ مِنْكُمْ خَيْرًا مِمَّا أَعْطَاكُمْ، وَاللهِ لَا أَرُدُّ شَيْئًا مِمَّا صَنَعَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ رَشِيدَ الْأَمْرِ.

(السنن الکبریٰ، للبیہقي، رقم 18977)

الشرح والإيضاح

1- يظهر من الروايات أنّ رسول الله ﷺ كتب لأهل نجران وثيقة تضمن لهم ألّا يُخرجوا من ديارهم، وقد تولّى كتابتَها سيدُنا عليّ رضي الله عنه. لكن مع مرور الوقت ازداد عدد أهل نجران، ولأنهم كانوا مقيمين داخل جزيرة العرب، كان سيدُنا عمر رضي الله عنه يتخوّف من احتمال حدوث اضطراب أو تمرّد منهم ضد المسلمين.

ثم وقع بينهم خلاف داخلي وتشتّت أمرهم، فأتوا هم أنفسهم إلى سيدنا عمر رضي الله عنه يطلبون منه أن ينقلهم إلى مكان آخر بسبب النزاعات التي نشبت بينهم. فوافق سيدنا عمر رضي الله عنه على هذا الطلب، ونقلهم بالفعل إلى جهة أخرى.

وبعد ذلك ندم أهل نجران وعادوا إلى عمر رضي الله عنه يرجون منه أن يسمح لهم بالعودة إلى نجران، لكنه رفض تلبية طلبهم. وفي عهد خلافة سيدِنا عليّ رضي الله عنه، عندما انتقل إلى الكوفة، جاءه أهل نجران ومعهم الوثيقة التي كتبها لهم بيده، وطلبوا منه أن يعيدهم إلى موطنهم الأصلي نجران. (مصنف ابن أبي شيبة، رقم 36343). وهذا الأثر الذي نحن بصدده يشير إلى هذا الحدث.

2 - والمقصود من كلام سيدِنا عليّ رضي الله عنه أنّ سيدَنا عمر رضي الله عنه لم يُخلَّ بالمعاهدة، ولم يأخذ أرض نجران لمصلحة شخصية، بل كان ما جرى استجابةً لطلب أهل نجران أنفسهم، وأنّ قرار عمر رضي الله عنه كان مبنيًّا على مصلحة سياسية راجحة للمسلمين. ولأنّ سيدَنا عليّ رضي الله عنه كان يرى هذا القرار صائبًا ولا غبار عليه، أكّد أنه لن ينقضه ولن يردّه.

التخريج واختلاف الطُرُق

وقد روى الآجُرّي هذا الأثر من طريق عَبدِ خَيْر كذلك ( الشريعة، رقم 1210).
وليس عبدُ خيرٍ وحده من نقل هذا الحدث، بل رواه أيضًا سالم بن أبي الجعد، وأبو إسحاق السبيعي، والشعبي.و أثر سالم بن أبي الجعد ورد في المصادر التالية:

مصنف ابن أبي شيبة رقم 36343،السنن الكبرى للبيهقي رقم 18976،
تاريخ دمشق لابن عساكر 44 /364، أخبار مكة للفاكهي رقم 2857،
الشريعة للآجري رقم 1211، السنة لعبد الله بن أحمد رقم 1194، الإبانة الكبرى لابن بطة رقم 73، الأموال لابن زنجويه رقم 418.

كما رُوي من طريق أبي إسحاق السبيعي في المصادر التالية:

فضائل الصحابة للدارقطني رقم 1، 2،الحجة في بيان المحجة للأصبهاني رقم 345، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 7  /131.

أما أثر الشعبي في هذا المعنى نفسه فقد جاء في:

فضائل الصحابة لابن حنبل رقم 513،الخراج ليحيى بن آدم رقم 31، الأموال لأبي عبيد رقم 273.

كما نُقل عن الشعبي في السياق نفسه قوله:

قال علي حين قدم الكوفة: ما قدمتُ لأحلّ عقدةً شدَّها عمر.

(مصنف ابن أبي شيبة رقم 31365)

وقد جاءت نفس الكلمة في المصادرالتالية: الأموال لأبي عبيد رقم 849، والخراج ليحيى بن آدم رقم 32،الأموال لابن زنجويه رقم 420،الإبانة الكبرى لابن بطة 8 /383.

(يتبع...)