ترجمة إلى العربية: عثمان فاروق
(نقلاً عن كتاب المؤلّف "تفهيم الآثار")
(الحلقة الخامسة)
(7)
عن سيف، عن محمد وطلحة وزياد وعمرو بإسنادهم، قالوا: لما فصل رُستم من ساباط لقيه جابان على القنطرة، فشكا إليه وقال: ألا ترى ما أرى؟ فقال له رُستم: أما أنا فأقاد بخشاش وزمام، ولا أجد بدا من الانقياد. وأمر الجالنوس حتى قدم الحيرة، فمضى واضطرب فسطاطه بالنجف، وخرج رُستم حتى ينزل بكوثى، وكتب إلى الجالنوس والآذاذمرد: أصيبا لي رجلا من العرب من جند سعد. فركبا بأنفسهما طليعة، فأصابا رجلا فبعثا به إليه وهو بكوثى، فاستخبره ثم قتله.[8]
الشرح اللغوي
"خِشَاشٌ": هو الزمام أو الحلقة الذي يُوضع في أنف البعير.
التخريج واختلاف الطرق
وقد نقل هذا الحدث أيضًا الكلاعي من رواية سيف بن عمر في كتابه.[9]
(٨)
عن ابن الرفيل عن أبيه، قال: لما فصل رُستم وأمر الجالنوس بالتقدم إلى الحيرة أمره أن يصيب له رجلا من العرب، فخرج هو والآذاذمرد سرية في مائة حتى انتهيا إلى القادسية، فأصابا رجلا دون قنطرة القادسية فاختطفاه، فنفر الناس فأعجزوهم إلا ما أصاب المسلمون في أخرياتهم. فلما انتهيا إلى النجف سرحا به إلى رُستم وهو بكوثى.
فقال له رُستم: ما جاء بكم؟ وماذا تطلبون؟ قال: جئنا نطلب موعود الله، قال: وما هو؟ قال: أرضكم وأبناؤكم ودماؤكم إن أبيتم أن تسلموا. قال رُستم: فإن قتلتم قبل ذلك؟ قال: في موعود الله أن من قتل منا قبل ذلك أدخله الجنة، وأنجز لمن بقي منا ما قلت لك، فنحن على يقين. فقال رُستم: قد وضعنا إذًا في أيديكم. قال: ويحك يا رُستم! إن أعمالكم وضعتكم فأسلمكم الله بها، فلا يغرنك ما ترى حولك، فإنك لست تحاول الإنس، إنما تحاول القضاء والقدر! فاستشاط غضبا، فأمر به فضربت عنقه.
وخرج رُستم من كوثى حتى ينزل ببرس، فغصب أصحابه الناس أموالهم ووقعوا على النساء وشربوا الخمور، فضج العلوج إلى رُستم وشكوا إليه ما يلقون في أموالهم وأبنائهم، فقام فيهم فقال: يا معشر أهل فارس، والله لقد صدق العربي، والله ما أسلمنا إلا أعمالنا، والله للعرب في هؤلاء، وهم لهم ولنا حرب، أحسن سيرة منكم، إن الله كان ينصركم على العدو ويمكن لكم في البلاد بحسن السيرة وكف الظلم والوفاء بالعهود والإحسان، فأما إذ تحولتم عن ذلك إلى هذه الأعمال فلا أرى الله إلا مغيرا ما بكم، وما أنا بآمن أن ينزع الله سلطانه منكم. وبعث الرجال فلقطوا له بعض من يشكى، فأتي بنفر فضرب أعناقهم.[10]
الشرح اللغوي
"العُلُوج": جمع كلمة ’عِلْجٌ‘، ويُطلق على الرجل القويّ الضخم البنية، ويُستعمل غالبًا في وصف كفّار العجم.
الشرح والتوضيح
١- إنّ إقدام رُستم على قتل العربيّ الأسير بدافع الغضب يكشف عن حالة من الصراع النفسيّ وشخصيته المزدوجة؛ فهو من جهة كان يدرك، استنادًا إلى علم النجوم، أن الغلبة في هذه الحرب ستكون للعرب، كما أنّ المقارنة بين أخلاق العرب وسوء سلوك الفرس كانت تُعزّز هذا اليقين لديه. ولكنّه، عندما سمع ذلك من فم العربيّ نفسه، لم يستطع ضبط نفسه، فثار غضبًا لجرح تفاخره القومي، وأمر بقتله.
٢- وقد أرجع رُستم تدهور الحالة الأخلاقيّة لدى الفُرس إلى كونه سببًا متوقّعًا لهزيمتهم، وهذا المعنى ورد كذلك عند غيره من ذوي المسؤولية في فارس، كما تُظهره بعض الآثار. ويقوم هذا التصوّر على خلفيّة دينيّة وأخلاقيّة متعلّقة بنظرتهم إلى الحكم والسلطة؛ إذ يرد في أدبهم الدينيّ ومراسيم ملوكهم أنّ شرعيّة الحكم مشروطة بإقامة العدل والإنصاف، وأنها تفقد مبرّرها بزوالهما. وقد تُذكَر أسماءُ بعض ملوك الساسانيّين، مثل أنوشيروان وأردشير، بوصفها نماذج تاريخيّة في هذا السياق.
التخريج واختلاف الطرق
وقد أورد هذا الحدث أيضًا الكلاعي في كتابه.[11]
(يُتبع...)
ـــــــــــــــــــــــــ
