ما "تركي"؟

لستُ أدري كيف تُخلق الأوهام في أذهان الناس، ثم كيف تنمو حتى تصبح كأنها حقائق لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها! وربما كان أعجب ما في أمر الناس أنهم يسمعون الكلمة العابرة، فيصنعون منها قصة كاملة، ثم يروونها لأنفسهم ولغيرهم حتى يطمئنوا إليها اطمئنان المؤرخ إلى الحوادث الثابتة.

ومن هذا الباب ما وقع لي مع كلمة "تركي".

فقد أكثرْتُ في السنوات الأخيرة من كتابة المقالات التي تحمل هذا العنوان، وتحدثتُ فيها عن رجل كريم من أصدقائي، هو الشيخ تركي الفضلي، المكيُّ العربيُّ الخالص، المعروف بعنايته بالحديث والإسناد، وبذوقه الأدبي الرفيع، ومجالسه التي تمتزج فيها الفائدة بالأنس، والعلم بالطرافة، حتى لا يكاد جليسه يشعر بطول الوقت وهو معه.

ولكن الناس — غفر الله لهم — يسبقون إلى الظنون سبق الخيل إلى الميدان، فما إن رأوا كلمة "تركي" حتى ذهبوا يتوهمون أني لا أزال أكتب عن تركيا وأهلها، وأنني قد عقدتُ قلمي على التغني بإسطنبول وأنقرة وبورصة وما وراءها من المدن والآثار.

وزاد هذا الظن قوةً أنني بالفعل كتبتُ كثيرًا عن تركيا، لا مقالًا ولا مقالتين، بل سلسلة طويلة من المقالات المتتابعة عن رحلاتي إليها، وعن مشاهداتي فيها، وعن لقائي بعلمائها وطلابها، وما رأيته من آثار الحضارة الإسلامية في مساجدها ومدارسها ومكتباتها ومعاهدها. ثم جُمعت طائفة من تلك المقالات في كتابي "رحلة تركيا"، وهو كتاب قصدتُ فيه إلى تسجيل الخواطر والمشاهد والانطباعات، لا على طريقة الجغرافيين الذين يعدّون الأبنية والشوارع، بل على طريقة من ينظر إلى البلاد بعين التاريخ والروح والثقافة.

ولا يزال عندي من تلك المقالات والذكريات شيء كثير لم يُطبع بعد، وسيصدر — إن شاء الله — في مجلدات أخرى؛ لأن الحديث عن تركيا يطول، ولأن هذا البلد ليس صفحة عابرة في تاريخ المسلمين، بل فصل ممتدٌّ من فصول عزتهم، وموضع من مواضع ذاكرتهم الكبرى.

ومن هنا كان منشأ الالتباس؛ فالناس رأوا كتاب "رحلة تركيا"، وقرأوا مقالاتي المتكررة عن رحلاتي إليها، ثم وقع بصرهم بعد ذلك على عنوان "تركي"، فظنوا أن الأمر كله باب واحد، وأن الرجل قد استغرقه حب تركيا حتى صار لا يكتب إلا عنها.

ولعل بعض القراء من أهل تركيا قد سُرَّ بهذا الظن سرورًا عظيمًا، حتى خُيِّل إليه أني قد جعلت نفسي شاعر البلاط العثماني المتأخر! وربما جلس أحدهم يقرأ مقال "تركي" متأهبًا لسماع أخبار البوسفور وآيا صوفيا، فإذا بي أحدثه عن شيخ مكي يروي الأسانيد، أو يلاطف جلساءه، أو ينشد بيتًا من الشعر العربي القديم، فينظر القارئ متعجبًا كأنما فُتح له باب فدخل منه إلى غرفة أخرى غير التي أرادها.

وأنا لا ألومهم كثيرًا؛ لأن تركيا نفسها بلد يفتن القلوب، ويستدعي من المسلم عاطفة لا تكاد تخطئها النفس. فمن زارها، وتأمل ما فيها من آثار الإسلام، وشاهد ما بقي فيها من روح التاريخ، علم أن هذا البلد لم يكن يومًا طرفًا هامشيًّا في حياة الأمة، بل كان قلبًا نابضًا من قلوبها الكبيرة.

وقد كتبتُ عن هذا كله في مقالاتي ورحلاتي، وذكرتُ ما رأيته من جمال العمران، ومن عناية الناس بالعلم، ومن بقايا الهيبة التي لا تزال تسكن بعض مساجدها وجوامعها العتيقة. وكنتُ كلما سرتُ في بعض أحيائها شعرتُ أن للتاريخ فيها صوتًا خافتًا لا يسمعه إلا من أرهف السمع وأحسن الإصغاء.

لكن مع هذا كله، فإن "تركي" الذي أعنيه في تلك المقالات ليس تركيا، وإنما هو الشيخ تركي الفضلي، صديقي الذي أحببته لصفاء معدنه، وكرم خلقه، وحسن عشرته.

وهو رجل لو سمعه الناس يتحدث ساعة واحدة لما خطر ببالهم أنه منسوب إلى غير مكة؛ ففي حديثه روح الحجاز، وفي لسانه نبرة العرب، وفي طبعه تلك البساطة التي تجدها عند العلماء الذين لم تفسدهم الألقاب ولا التكاليف.

ولعلي أحببت الكتابة عنه لأنه يذكرني بذلك الجيل من أهل العلم الذين كانوا يجمعون بين الوقار وخفة الروح، فلا يثقلون على الناس بعبوس مصطنع، ولا يجعلون العلم ثوبًا من الكبر والتعالي.

وقد رأيت أن أكتب هذا البيان الصغير حتى لا يستمر هذا الوهم في الاتساع، وحتى يعلم القارئ أن مقالات "رحلة تركيا" شيء، ومقالات "تركي" شيء آخر؛ فالأولى حديث عن بلد عزيز له مكانته في قلبي وذاكرتي، والثانية حديث عن صديق كريم له مكانته في مودتي وحياتي.

أما الذين لا يزالون يصرّون بعد هذا كله على أن "تركي" يعني تركيا، فإني أخشى أن أكتب غدًا عن "الهندي" فيظنوا أني أؤلف كتابًا جديدًا في جغرافية الهند!

(11/5/2026م، أوكسفورد)

ـــــــــــــــــــــــــ