تقديم: الأستاذ محمد حسن إلياس
ترجمة من الأردية: أ. عثمان فاروق
[يقرّر العالم والمفكّر الهندي المعروف الدكتور وارث مظهري في هذا المقال الموجز، على قصره وغناه بالبصيرة، التمييز بين ’التجديد‘ و’التجدّد‘ بعبارة واضحة الدلالة؛ فالتجديد عنده هو إحياء روح الدين وإعادة بعثها وتنقيتها من الشوائب الدخيلة في حين أن التجدّد اتجاه ينفصل عن الامتداد التاريخي والفكري للدين، ويسعى إلى صوغه وفق معايير مغايرة. وبذلك يكون التجديد إحياء للتراث في أفقه الحي، بينما يكون التجدّد انقطاعا عنه.
وقد عرض دكتورنا الغالي وارث مظهري هذا التصوّر بميزان دقيق، فقرّر أن أفكار سيد أحمد خان وغلام أحمد برويز وآصف علي فيضي وعنايت الله المشرقي تندرج في دائرة التجدّد، لما تنطوي عليه من تبدّل في مجمل تصور الدين وتعبيره. وعلى الضد من ذلك، فإن جهود أعلام مثل شبلي النعماني وأبو الكلام آزاد وأبو الأعلى المودودي وأمين أحسن الإصلاحي وجاويد أحمد غامدي تقع في نطاق التجديد، إذ تصدر عن داخل البُنية الكلية للفهم الديني، وتكشف عن آفاق تعبيرية بديعية. وهذا التمييز يمثل ركنا منهجيا أساسيا في مباحث الفكر، وإغفاله يفضي إلى مغالطات فكرية جسيمة. محمد حسن إلياس]
إن موضوع ’التجديد‘ و’التجدّد‘ ظلّ في سياقاته الفكرية المتعدّدة، محلّ نقاش دائم في إطار الفكر الإسلامي وتراثه كما جرت محاولات لتأصيله وضبط معاييره؛ لتوضيح أيّ جانب من جوانب تعبير الفكر الإسلامي ينطبق عليه مفهوم التجديد، وأيّ جانب آخر يُطلق عليه التجدّد.
فمصطلح ’التجديد‘ مصطلح دينيّ خالص مستمدّ من حديث النبي عليه الصلاة والسلام، ويعني إحياء أصل الدين وروحه وتنقيته من الشوائب الداخلية والخارجية. أما ’التجدّد‘ فيستعمل للدلالة على التأويل المنحرف للدين. غير أن مصطلح ’التجدّد‘ حديث العهد؛ إذ لا يستعمل في اللغة العربية بهذا المعنى.
وفي العربية تُطلق كلمة ’التجديد‘ على كلا الجانبين، التجديد والتجدّد، ويفرق بينهما بالنظر إليهما بوصفهما اتّجاهين متقابلين؛ فيعبّر عن الاتّجاه الأول في تفسير الفكر الديني بأنه إسلامي، بينما يُوصف الاتّجاه الثاني بأنه عِلمانيٌّ (Secular) غير إسلامي أو عصرانيّ.
كما تُوجد في العربية مصطلحات أخرى مثل ’الحداثة‘ التي تستعمل للدلالة على (Modernism) في الانجليزية. وعلى هذا الأساس، لا يظهر في العربية في الجملة نوع من الخلط بين مفهومي التجديد والتجدد، بخلاف ما يلاحظ في اللغة الأردية حيث يظهر هذا الخلط حتى في كتابات بعض الكُتّاب الرصينين.
بعد هذه التمهيد، يتصل المحور الأساس للبحث بتطبيقات مفهوم التجدد. ويلاحظ بوصفه ظاهرة علمية عامة، أنّ كل الآراء والمواقف التي تختلف عن آراء جمهور العلماء والأئمة وتتصادم معها، تُوصف بأنها "تجدّدية". فعلى سبيل المثال، يعدّ العالم الباكستاني المتّزن الدكتور حافظ محمد زبير في قائمة المتجدّدين من بين المؤلّفين والمفكّرين العرب طه حسين وتوفيق الحكيم، كما يضمّ إليهم رشيد رضا ويوسف القرضاوي ووهبة الزحيلي، ومن المؤلّفين الهنود سيد أحمد خان وغلام أحمد برويز، بل ويعدّ كذلك الدكتور طاهر القادري ضمن صف المتجدّدين.[30]**
وقد تناول سماحة المفتي محمد تقي العثماني في كتابه "الإسلام والتجدّد" أفكار الدكتور فضل الرحمن في هذا السياق بالتحليل، كما أدرج فيه كذلك آراء الشيخ سيد سليمان الندوي والشيخ محمد حنيف الندوي ضمن دائرة التجدّد.
وعلى هذا المنوال، يُطلق في الهند وباكستان على وجه العموم، وصف ’التجدّدية‘ على كُلّ فكر أو موقف يخرج عن طريقة تفكير الجمهور. ومن ثم تندرج في هذا الإطار، أفكار كُلّ من أبو الكلام آزاد ووحيد الدين خان وعمر أحمد عثماني وجاويد أحمد غامدي وغيرها من الأطروحات محلّ النقاش.
بل إن كثيرا من الكتابات، التي تغلب عليها الصبغة المذهبية العصبية، توسّع دائرة هذا الوصف لتشمل شخصيات مثل شبلي النعماني وحميد الدين الفراهي وأمين أحسن الإصلاحي وأبو الأعلى المودودي، وذلك بسبب ما تميّزت به آراؤهم في بعض آيات القرآن وأحكام السنة من اختلاف عن تصوّرات جمهور علماء الإسلام.
من حيث الاعتبار العلمي والمنهجي الخالص، يُعدّ هذا خللا فكريا كبيرا. والحقيقة أن أيا من أجيال علماء الأمة، منذ عهد الصحابة الكرام إلى العصر الحديث، لم يخلّ من وجود عدد من كبار علمائها وأعلامها ممن خالفوا جمهور علماء الأمة في موضوعات وقضايا متعدّدة. وقد وُصفت أقوالهم ومواقفهم دائما بـ ’الشذوذ‘ و’الانفراد‘، وهو ما يُصطلح عليه في الأردية بـ’التفرّد‘. ولم يُطلق عليهم بسبب هذه الآراء الشاذة وصف التجدّد ولا أيّ مصطلح بديل له.
ولو أُخذت نماذج من شخصيات بارزة مثل أبو حامد الغزالي وابن حزم وابن تيمية وابن القيم ومحيي الدين ابن عربي وشاه ولي الله الدهلوي (عليهم الرحمات أجمعين)، لكان من الممكن أن تُؤلّف في هذا الباب مجلّدات ضخمة.
وعليه، فإن من الضروري في رأيي المتواضع، استحضار جملة من الضوابط المنهجية للتفريق بين التجدّد والتجديد:
(١) أول ما ينبغي تقريره أن ’التفرّد‘ شيء و’التجدّد‘ شيء آخر. فقد درجت تقليدنا الفكرية على قبول الاختلاف مع الجمهور في شتّى القضايا العلمية، سواء كانت فقهية أو كلامية أو غيرها، ولم يُنظر إلى ذلك بوصفه انحرافا أو ضلالة، بل ظل دائما في إطار البحث العلمي والحوار الفكري. وقد أسهم هذا المسار إسهاما جوهريا في صياغة التراث الفكري الإسلامي وتشكيله. ومن هذه الجهة، فإن هذا اللون من التجدد ليس إلا وجها من وجوه اتساع التراث وامتداده؛ إذ ليس التراث كيانا جامدا، بل هو كِيانٌ حيٌّ، تنبض حياته ويتجلّى معناه في هذا الحراك الفكري المتصل.
(٢) وثمّة صورة أخرى للاختلاف مع الجمهور أو مع الفكر الإسلامي المتوارث، تتعلق بأصول الفهم والاستنباط وقواعد التعبير والتأويل: هل يجوز أن يقع فيها اختلاف أو تغيير، أم إن مقتضى الإيمان يوجب الالتزام بما قرّره السلف من أصول ومعايير دون تجاوز؟ وهذه مسألة عميقة. فثمّة اتّجاه من أهل الفكر والقلم، من ذوي النزعة العِلمانية والحداثية المتأثرين بالغرب، يدعو إلى إقامة بناء جديد على أسس جديدة، وله ممثّلون في المؤسسات العلمية والدوائر الفكرية في الشرق والغرب. وفي مقابل ذلك، يُوجد اتّجاه آخر يرى إقامة البناء الجديد على الأساس القديم، مع التسليم بأن ما كان من أصول الدين ومبادئه المستندة إلى الوحي، ولا يكاد يقع فيه خلاف معتبر، ينبغي قبوله كما هو، في حين أن ما كان داخلا في إطار الفهم البشري والاستنباط، ضمن الأصول العامة المستمدّة من القرآن والسنة، فإن التجدّد والتغيّر فيه يُعدّ مطلبا زمنيا لازما، بل هو داخل في طبيعة الدين وروحه وتعاليمه الشمولية. ومن أمثلة ذلك موضوع ’مقاصد الشريعة‘ حيث إن الإطار النظري للأعمال التي ظهرت فيه ظلّ مجالا للمناقشة والنقد.
(٣) وباستحضار هذين الأصلين، يمكن القول إن ’التجدّد‘ في حقيقته هو ما يفضي إلى تغيير معيار فهم الدين وتفسيره تغييرا يمس بُنيته الكلية، ويؤدّي إلى حدوث نوع من الانقطاع في تاريخه الفكري المتصل، بما ينعكس سلبا على مجمل التصور الديني. وفي هذا السياق، يذكر من بين أعلام شبه القارة الهندية سيد أحمد خان وغلام أحمد برويز وآصف فيضي وعنايت الله المشرقي. ولا يصحّ في المقابل إدراج شخصيات مثل شبلي النعماني وأبو الكلام آزاد ووحيد الدين خان وجاويد أحمد غامدي ضمن هذا الإطار، كما لا يصح إدراج أعلام من العالَم العربي مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد رشيد رضا ويوسف القرضاوي ومحمد الغزالي؛ إذ إنه على الرغم من وجود آراء شاذة أو متفرّدة لدى هؤلاء جميعا، فإن تلك الآراء والمواقف تظلّ مندرجة في الإطار الداخلي الكلي لفهم الدين وتعبيره، وليست إضافات خارجية تنفصل عن بُنيته العامة.
وخلاصة القول إن ’التجديد‘ يتّصل بتوسيع الفكر الديني وتطبيقه في سياقاته المعاصرة وإعادة تشكيله في إطار أصوله، في حين أن ’التجدّد‘ يتعلق بإنشاء هذا الفكر وابتداعه من جديد. والحقيقة أن كثيرا من الأعمال التي توصف على نحو متساهل بأنها من قبيل التجدّد، هي في أصلها داخلة في نطاق التجديد، ما دامت تتمّ في إطار الفهم الكلي للدين وبروح من الوفاء التام له والإخلاص في خدمته.
ـــــــــــــــــــــــــ
