عرض وتقديم: إدارة التحرير
(الحلقة الرابعة)
الأخلاق والمادية
بعد أن أكد علي عزت بيجوڤيتش على حرية الاختيار كسمة إنسانية أساسية، ينتقل إلى قضية أخرى هي قضية الأخلاق، حيث يفرق بين الموقف المادي من الأخلاق والموقف الإنساني. فالأخلاق المادية )الداروينية النيتشوية( تنطلق من التسوية بين الإنسان والمادة، وبذا يصبح الهدف الوحيد لكل منهما هو البقاء، وآلياته الأساسية هي الذكاء والقوة. في هذا الإطار المادي لايمكن أن نتحدث إلا عن الفعل ورد الفعل. فالمثير )المادي( تتبعه استجابة مادية بلا تردد أوثنائيات أو ذكريات أو كوابح أو محرمات.
في هذا الصراع من أجل البقاء )المادي( لا يفوز الأفضل )بالمعنى الأخلاقي( وإنما الأقوى والأكثر تكيفا مع قوانين الطبيعة، أي الأفضل بالمعنى الطبيعي/ المادي. ولذا فإن صوت الطبيعة هو "تخلَّص من الضمير والشفقة والرحمة... اقهر الضعفاء واصعد فوق جثثهم" على حد قول نيتشه، ابن داروين وبسمارك!.. إن كل ما فعله «نيتشه» هو تطبيق قوانين البيولوجيا علىالإنسان، فكانت النتيجة المنطقية هي نبذ الحب والرحمة وتبرير العنف والكراهية.
والأخلاق المادية هي النفعية المادية، ومن ثم يكون الانغماس في كثير من النشاطات المادية للإنسان )التي تحقق الربح المادي له( هو قمة الالتزام الخلقي المادي. خذ على سبيل المثال مايسمى بالجرائم المقنَّنة )أي التي يسمح بها القانون( "كالفن الإباحي، والكتابات الداعرة،واستعراضات العرايا، وقصص الجرائم وما شابه ذلك... أي فيلم داعر أرخص في إنتاجه عشرات المرات من إنتاج فيلم عادي وأرباحه تزيد عشرات المرات على أرباح الفيلم العادي." إن إنتاج مثل هذا الفيلم من منظور المعايير المادية أفضل من إنتاج فيلم يلتزم بالمعايير الثقافية والإنسانية.. ومع غياب أي منظومات أخلاقية متجاوزة للنظام الطبيعي المادي تصبح اللذة هي الخير والألم هو الشر، ويصبح ما يحققه الإنسان نفسه من منفعة مادية )تزيد من إمكانيات بقائه المادي( هو الخير الأعظم. أو كما يقول "بنتام" ـ صاحب مذهب المنفعة: "لقد أخضعت الطبيعة البشر لحكم سيدين، هما: اللذة والألم. فهما وحدهما اللذان يحكمان أفعالنا".
وهنا يطرح علي عزت بيجوفيتش السؤال التالي: هل يمكن للعقل )الذي يدور في الإطار المادي( أن يولد منظومات أخلاقية..؟ ويجيب عنه بالنفي: "إن العقل يستطيع أن يختبر العلاقات بين الأشياء ويحددها، ولكنه لا يستطيع أن يصدر حكمًا قيميًا عندما تكون القضية قضية استحسان أو استهجان أخلاقي.." "الطبيعة والعقل على السواء لا يمكنهما التمييز بين الصحيح والخطأ، بين الخير والشر. فهذه الصفات ليست موجودة في الطبيعة.." "إن محاولة إقامة الأخلاق علىأساس عقلي لا تستطيع أن تتحرك أبعد مما يسمى بالأخلاق الاجتماعية، أو قواعد السلوكاللازمة للمحافظة على جماعة معينة، وهي في واقع الأمر نوع من النظام الاجتماعي"، نوع من الإجراءات والقوانين الخارجية. كما أن التحليل العقلي للأخلاق يختزلها إلى أنانية وتضخيم للذات.
ولكننا حين نتفحص الأمر بشيء من العمق نجد أن في الإنسان شيئا ما يرفض هذا النموذج المادي وأن الأخلاق الحقيقية )كما هو الإنسان ذاته( ضد الطبيعة/ المادة. فالإنسان ليس مجرد لاهث وراء اللذة أو المصلحة الشخصية كما تصوره العلوم الإنسانية العلمانية، التي تستند إلى نماذج مستمدة من العلوم الطبيعية، فهو كثيرًا ما يرفضها، بل إن الخبرة الإنسانية في مجالالأخلاق تناقض الفكرة المادية. فأي لذة توجد في الزهد والتبتّل والصيام وفي كثير من أنواع نكران الذات وكبح النفس..؟ فالإنسان يضحي بنفسه من أجل الوطن أو من أجل جوانب معنوية ليست لها أي قيمة مادية، ويموت دفاعا عن الشرف. وهو، حينما يرى مشهد العدالة المهزومة، قد يهب لنصرة المظلوم برغم القوة الغاشمة، برغم أنه يعرف أن هذا قد يودي به، وهو على استعداد للتضحية بنفسه من أجل الغير )وعنده أيضا الإمكانية للبطش به).
فإذا "غامر الإنسان بحياته فاقتحم منزلا يحترق لينقذ طفل جاره، ثم عاد يحمل جثته بين ذراعيه، فهل نقول إن عمله كان بلا فائدة لأنه لم يكن ناجحا!..؟ إنها الأخلاق، التي تدور في إطار غير مادي، هي التي تضفي القيمة على هذه التضحية عديمة الفائدة، لهذه المحاولة التي لم تنجح."
وكما يقول بيجوفيتش: فإن التضحية "تمثل ظهور مبدأ جديد (خطًّا فارقًا ملموسًا فاصلًا) بين الإنسان والحيوان. لكن هذا المبدأ مناقض لمبدأ المصلحة والمنفعة والحاجات. المصلحة حيوانية، أما التضحية فهي إنسانية" )والأفكار الأساسية في السياسة والاقتصاد السياسي لا تتعامل معالتضحية وإنما تتعامل مع المصلحة والمنفعة.(
إن الأخلاق الحقيقية ليست مربحة.. "ويمكن تصور مواقف عديدة يكون الظلم فيها والكذب هما المفيدين (من الناحية المادية.) وبالمثل، فإن التسامح الديني والسياسي والعرقي والوطني ليس مفيدًا بالمعنى (المادي) المعتاد للكلمة، أما تدمير الخصوم مثلا.. فهو أكثر فائدة من وجهة النظر العقلية (المادية) البحتة. فحماية العجزة والمقعدين، أو العناية بالمعوقين والمرضى الذين لا أمل في شفائهم، كل ذلك ليس من قبيل السعي وراء الفائدة. فالأخلاق لا يمكن أن تخضع لمعايير المنفعة. نعم.. قد يكون السلوك الأخلاقي أحيانًا مفيدًا، ولكن ليس معنى هذا أن شيئا قد أصبح أخلاقيا لأنه أثبت فائدته في فترة ما من فترات الخبرة الإنسانية. على العكس.. فهذه الخبرة نادرة الحدوث".
ثم يتناول علي عزت بيجوڤيتش مفهوما محوريا في الحضارة الغربية، وهو مفهوم التقدم )في الإطار المادي(، ويدرسه في إطار علاقته بالأخلاق. فيشير إلى ما يسمى "عقدة الإنسان البدائي" وهي قيام الإنسان البدائي بأفعال تتناقض وتطوره وتقدمه المادي مثل مفهوم المحرمات والعبادة والفن. فبينما كانت الحيوانات تحقق صعودًا في سلم التطور، نجد الإنسان يكبّل نفسه بالتزامات أخلاقية تجعله يتعثر. فهل هذا يعني تقدم الحيوان وتخلف الإنسان!..؟
وثمة مفهوم آخر عرض له بيجوڤيتش، وهو مفهوم المساواة، حيثما يرى أن هذا المفهوم لا يمكن أن يتحقق في الإطار المادي. فلو نظرنا إلى البشر ورصدناهم بطريقة علمية مادية لوجدنا التفاوت بينهم في الصفات، فهذا بَدين وذاك نحيفٌ، وهذا ذكي وذاك غبي، وهذا جمجمته كبيرة وذاك جمجمته صغيرة، وهذا أبيض وذاك أسود، وهذا أصفر وذاك أحمر. وبناء على هذا الاختلاف يمكن أن نختار فنقرر ألا يبقى إلا الأذكياء، أما الأغبياء فلنتخلص منهم، بمعنى أن عملية الرصد أو عملية الحكم العلمية المادية لا تنطوي على فكرة المساواة على الإطلاق.
ويبيّن علي عزت بيجوفيتش أن ثمة علاقة بين فكرة المساواة بين الناس وفكرة الخلود. ومن ثم نجد أن "أخلاقيات الأديان السماوية وحدها تسلّم بجلاء لا لبس فيه بمساواة جميع البشرباعتبارهم مخلوقات الله. أما النظم الدينية والأخلاقية التي لا تعترف بالخلود أو لديها فكرة مشوشة عنه، فهي لا تعترف بالتالي بهذه المساواة. فإذا لم يكن الله موجودًا، فإن الناس بجلاء وبلا أمل غير متساوين."
الفن والدين
وفي محاولته تقويض النظرية المادية الداروينية يشير علي عزت بيجوفيتش إلى الفن باعتباره تعبيرًا عن ثنائية الإنسان )أي: باعتباره كائنا طبيعيًا/ ماديًّا، قادرًا في الوقت نفسه على تجاوز الطبيعة/ المادة.( ولتوضيح وجهة نظره هذه يؤكد أن الفن )شأنه شأن الأخلاق والدين وكل الظواهر الروحية( يتجاوز الرؤية المادية، ولذا لا يمكن تفسيره تفسيرًا ماديًّا. فالعلم )الذي يدورفي الإطار المادي( يعطينا صورة دقيقة عن العالم، ولكنها صورة خالية من "الحياة" ومن الروح، مما يجعل الإنسان خلوًا من الإنسانية، فالهيكل العظمي للإنسان، مهما كانت دقته وفائدته، ليس هو الإنسان الفرد في نبله وخسته، وفي عظمته وضعفه. إن العلم في علاقته بالإنسان ممكن فقط، إذا كان الإنسان حقا جزءًا من العالم أو نتاجا له.
على عكس ذلك نجد الفن، فاللوحة الفنية لا تُحلّل إلى كمية الألوان المستخدمة فيها، والمسجد لا يمكن أن يُرد إلى عدد الأحجار والأعمدة الخشبية المكونة له، "الفن ممكن فقط إذا كان الإنسان مختلفًا عن الطبيعة، إذا كان غريبا فيها، إذا كان هوية متميزة."
ثم ينتقل علي عزت بيجوفيتش إلى ظاهرة إنسانية مميزة أخرى وهي رغبة الإنسان في تجميل نفسه، فيميز بين هذه الرغبة الجمالية وحاجته )المادية( لتغطية جسمه وحمايته.. "هذه الحقيقة يمكن تتبعها من عصور ما قبل التاريخ حتى اليوم."
(للحديث صلة...)
ـــــــــــــــــــــــــ
