ترجمة إلى العربية: أ. عثمان فاروق
إن المنهج النبوي والقرآني في الإصلاح والتربية لا يقوم على ما اصطلح عليه في العصر الحديث بـ’الحركة‘، بل يرتكز أساسا على ’التعليم‘، كما دلّ عليه قوله تعالى[32] :
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
ومن هنا عرض القرآن برنامج الإصلاح والتزكية في صياغة جامعة بليغة، تجعل من ’التعليم‘ محور التغيير، وأساس البناء.
المنهاج الكامل لـ "التعليم"
لقد بُيِّن كذلك أصل هذا المنهج النبوي القائم على ’التعليم‘ وخطّته العملية في هذه الآيات نفسها (الجمعة ٦٢: ٢)، ويتمثّل في تعليم ’الكتاب والحكمة‘ أي الدين والشريعة والإيمان والأخلاق ـ من خلال ’تلاوة الآيات‘، ثم إحياء عملية ’التزكية‘ الفكرية والعملية في النفوس، حتى تتشكّل فيها الشخصية المنشودة في الإيمان والأخلاق، فتغدو أهلًا لرحمات الله الخالدة من مغفرة وجنّة. وذلك هو ’الفوز العظيم‘ (الفتح ٤٨ : ٥) الذي من أجله أُنزل القرآن.
غير أنّ هذه الهداية قد سيقت في الأسلوب القرآني الخاص؛ ولما كانت ألفاظ القرآن قطعية الدلالة، فإنّه لا ينبغي لأهل العلم أن يفتّشوا فيه عن التفاصيل الفنية المعهودة، بل الواجب أن يقفوا منه موقف المتعلّم لا المعلِّم، وأن يتدبّروا هذه الآية تدبّرًا عميقًا نافذًا.
وقد زاد القرآن هذا المنهج الإصلاحي والتربوي القائم على ’التعليم‘ توكيدًا، فقال[33] :
﴿إِنَّ هٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾
أي إنّ هذا القرآن إنّما يهدي إلى الطريق الأقوم والأهدى، ويبشّر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بأنّ لهم أجرًا عظيمًا، كما يُنذر الذين لا يؤمنون بالآخرة بأنّ لهم عذابًا أليمًا.
التأكيد النبوي وتوضيحه
إن هذا المنهج القرآني القائم على "التعليم"، أي تعليم الكتاب والحكمة، قد لخّصه النبي صلى الله عليه وسلم في عبارة موجزة بليغة، إذ قال:
"خيركم من تعلم القرآن وعلمه".[34]
كما نبّه صلى الله عليه وسلم إلى مآلات الأخذ بهذا المنهج القرآني أو الإعراض عنه، فقال:
"إن الله يرفع بهذا القرآن أقواما، ويضع به آخرين".[35]
وبذلك يتبيّن أن العروج والانحطاط لا يرجعان، في حقيقتهما، إلى ما يُتداول من مظاهر تقلّبات الزمان أو دوران الدهر، بل إنهما ثمرة مباشرة للصلة بكتاب الله علما وعملا، أخذا أو تركا. وقد أحسن شاعرنا الكبير العلامة محمد إقبال التعبير عن هذه الحقيقة حين قال:
خوار از مہجوری قرآن شدی
شکوہ سنج گردش دوران شدی
الترجمة: "أتعلمون لماذا أنتم أذلّة، إن السبب الحقيقي لذلّكم هو أنكم تركتم القرآن، وأخذتم تشتكون من تقلبات الزمان."
أما منزلة هذا العلم الذي يُستمدّ من القرآن، وهذه التعليم الذي ينبني عليه، فقد عبّر عنها الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه بقوله:
"من أراد العلم فليثور القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين".[36]
ولهذا ظل العلماء الصادقون، عند ختام أعمارهم، يقرّون بهذه الحقيقة اعترافا صادقا، أن أعظم ما يُشتغل به في العلوم الدينية إنما هو الاشتغال بكتاب الله. فهذا الإمام سفيان الثوري، ت ١٦١هـ، وهو من أعلام التابعين وأحد كبار أئمة الحديث، يقول في أواخر أيامه:
"ليتني كنت اقتصرت على القرآن".[37]
وكذلك عبّر الإمام ابن تيمية (ت ٦٦١هـ) عن شعور مماثل، مع أنه كان من أكثر العلماء الأجلاء اشتغالا بالقرآن تفسيرا واستشهادا، حتى قلّ أن يُرى له نظير في ذلك. وكان مع هذا من أئمة الحديث الذين بلغوا شأوا عظيما، حتى قال فيه الذهبي:
"كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث".[38]
ومع ذلك، فقد أبدى، قبيل وفاته، أسفه وندمه قائلا:
"وندمت على تضييع أكثر أوقاتي في غير معاني القرآن".[39]
ومن الواضح أن هؤلاء العلماء الصادقين لم ينشغلوا طوال حياتهم بأي عمل دنيوي أو مادّي، بل كانوا مكرّسين خالصا لخدمة العلم والدعوة، ولعلوم الفقه والحديث. ومع ذلك، فإن هذه الكلمات التي صدرت عنهم تمثل بلا ريب دليلا على صدقهم وإخلاصهم، كما تغدو، بالنظر إلى عنايتهم بالقرآن، وثيقة هادية وموقظة لوعي من جاء بعدهم من العلماء وأهل الإيمان: فهل من مدّكر؟
(يُتبع ...)
ـــــــــــــــــــــــــ
