كان العلامة شبير أحمد أزهر الميرتهي واحدًا من أولئك الأفذاذ النوابغ في العلم الذين نَدَر مثلُهم في العصر الحديث. وقد أفنوا حياتهم كلَّها في تدريس القرآن والسنة وشرحهما والتأليف فيهما. فقد درَّس من صغار الكتب الدينية إلى كبار المصنَّفات الخالدة التي طار ذكرها واشتُهرت بين أهل العلم، وألَّف تفسيرًا كاملًا للقرآن الكريم تميَّز بأسلوب تصنيفي ومنهج بحثي مغاير تمامًا للتقاليد المألوفة، وتعمَّق في دراسة أمَّهات كتب الحديث وأشهرها، فأشار إلى الروايات الضعيفة والواهية فيها وتكلَّم عليها بالتفصيل، وميَّز الصحيحَ من السقيم في الروايات، مُبرهِنًا على ملَكته البحثية، ونزعته الاجتهادية، وذوقه العلمي الرفيع.(وقد طبع أخيراً هذا التفسير بمجلدات خمسة ضخمة باللغة الأردية من مؤسسة الدراسات الموضوعية بـ علي كره)
ولمن يتأمّل إنتاجه يجد مئاتٍ من النوادر العلمية والتحقيقات الفنية الدقيقة، التي لا تُثري طالب العلم بالمعرفة وحسب، بل تُعرِّفه أيضًا بروح التحقيق والتأليف والاجتهاد العلمي. وهو يتعلَّم منها كيف تُفهم قواعد التدبُّر في القرآن، وكيف تُستوعب الأحاديث، وكيف تُمحَّص الروايات الأسطورية المتداولة في المجتمع، وكيف تُعرف الإسرائيليات في كتب الحديث، وكيف يُمارس الاجتهاد في المسائل العلمية، وكيف يُخالَف الأئمةُ المجتهدون مع الإجلال والاحترام — وجملة ذلك: منهج طالب العلم في الاجتهاد والاختلاف في العلوم الدينية.
أما في حياته الخاصة، فقد كان العلامة الميرتهي بالغ البساطة، عزيز النفس، مكرِّسًا نفسَه للعلم والمطالعة. وكان الانزواءُ راسخًا في طبعه إلى حدٍّ جعله يزهد في المحافل والمناسبات العامة، ويندر أن يتصدَّى للخطابة، ويؤثر الانكفاء على نفسه دائمًا. وإن كان هذا الانزواء قد أتاح له ثمرةً نفيسة هي توفير الوقت وصرفه في العلم، فإنه في الوقت ذاته كان سببًا في حرمان الناس — بل وكثيرٍ من أهل العلم أنفسهم — من التعرُّف على قدره ومكانته؛ فلم يعرفه الناس حقّ المعرفة. وكأنّ الإمام الميرتهي كان بطبعه مصداق قول الشاعر حالي بالأردية:
"شهر میں کھولی ہے حالیؔ نے دکاں سب سے الگ"
أي فتح "حالي "حانوتَه في المدينة في معزلٍ عن الجميع وبمنأى عن الناس.
مكانته العلمية
كان العلامة الميرتهي في أصله عالمًا بالقرآن والحديث، ماهرًا في أسرارهما، غير أنه كان يمتلك إلى جانب ذلك بصيرةً عميقة في سائر العلوم والفنون الإسلامية. وقد كتب نجله الدكتور غطريف شهباز الندوي في سيرة والده:
"كان المولانا متمكِّنًا من جميع العلوم الإسلامية تمكُّنًا راسخًا. وقد قرأتُ عليه بنفسي كتبًا متعددة في شتى الفنون: في المنطق هداية الحكمة والقطبي في مباحثه الأولى، وفي النحو هداية النحو، وفي القافية والقواعد والإنشاء النحو الواضح، وفي الفقه مختصر القدوري، وفي التاريخ تاريخ ابن طباطبا الطقطقي بالعربية، وفي الأدب العربي القراءة الرشيدة المصرية، وفي الحديث سنن الدارمي، وفي التفسير تفسير الجلالين، فضلًا عن ترجمة بعض سور القرآن الكريم. وكان فوق ذلك يتبادل معي السؤال والجواب في تفسير آيات قرآنية متنوعة، ويطرح أسئلة جديدة ويستفسر عن إجاباتها، وربما أوضحها بنفسه في أحيان كثيرة."
(وه بندۂ مولا صفات، ص ٣٧)
وكان للإمام الميرتهي إلمامٌ بأربع لغات في آنٍ واحد. وكان يتحدَّث الأردية والعربية بطلاقة بالغة، وبهما جاءت تصانيفه. وقد ألَّف ما يزيد على أربعة وعشرين كتابًا، تنوَّعت بين شرح القرآن والحديث وبيانهما وموضوعات أخرى شتى. ومن أبرز مؤلَّفاته:
- مفتاح القرآن (أردي كامل، خمس مجلدات طبع أخيراً)
- معاني كلمات المثاني أي لغات القرآن لم يطبع بعد
- قاموس القرآن لم يطبع بعد
- مفتاح القرآن (عربي، عدة مجلدات) لم يطبع بعد
- تحفة القاري بشرح صحيح البخاري (كامل، ١٩ مجلدًا) لم يطبع بعد وظهربعض الأجزاء المختارة منه في مجلة الإشراق العربي ولايزال.
- شرح مسند أحمد بن حنبل (أردي، ١٦ مجلدًاطبع منه مجلدواحد فقط باسم نهاية التحقيق شرح مسند أبي بكر الصديق)
- أقوم المسالك شرح موطأ الإمام مالك (أردي، مجلدان)
- صحيح البخاري: دراسة تحقيقية طبع
- صحيح مسلم: دراسة تحقيقية (غير مطبوع)
10- أحاديث الدجال: دراسة تحقيقية نقدية خرجت له طبعتان
وإلى جانب هذه الأعمال التحقيقية، كان له اهتمامٌ بالأدب واللغة، فله ديوان شعر أردي بعنوان "موتيوں کی لڑياں" أي (خيوط اللؤلؤ)، لا يزال مخطوطًا لم يُطبع بعد. وله روايتان: إحداهما أردية بعنوان "غم بالائے غم" أي (حُزنٌ فوق حُزنٌ)، والأخرى عربية بعنوان "وردة". وقد ترجم علاوةً على ذلك الرواية التاريخية العربية الشهيرة "وا إسلاماه" لعلي أحمد باكثير إلى اللغة الأردية.وبالأسف ضاع الجزءالكبيرمنها، وهذه بعضٌ من أبرز إنتاجه المتنوع، إذ له سواها رسائل وكتب أخرى عديدة.
ذوقه العلمي والتحقيقي
لمَّا كان العلامة الميرتهي قد اتَّسم منذ بداياته بسعة الاطلاع، والعقلية التحقيقية، وعلوِّ الفكر، وحضور البديهة، والثقة بالنفس — فقد أفضى إليه التعمُّقُ المتواصل في الكتاب والسنة ملَكةَ الاجتهاد والإبداع في استنباط الأحكام والمعاني. وقد خالف المتقدّمين وجمهور العلماء في مسائل علمية وفكرية متعددة، وعرض آراءه مدعومةً بالأدلة والشواهد في مؤلَّفاته. ومن تلك المسائل: مسألة القراءات السبع أو العشر، وإثبات الإجماع، ومسألة النسخ، وتحويل القبلة، وحادثة الإفك وتقدير شأنها، وقطعية خبر الواحد، وبحث المحكم والمتشابه في الآيات القرآنية، ، وبحث الحروف المقطعة، والمراد باللوح المحفوظ، ومسألة استخلاف الإنسان في الأرض، وتفسير بعض الآيات القرآنية تفسيرًا منفردًا جديدًا — كلُّ هذه المواقف المنفردة تكشف عن عقلية ثاقبة وفكرٍ نافذ نادر.
نماذج من تحقيقاته النادرة
١. إبراهيم عليه السلام والكذبات الثلاث
تُعدُّ عقيدةُ عصمة الأنبياء وأمانتهم من الأصول الراسخة عند المسلمين، غير أنّ ثمة من انخدع برواية في صحيح البخاري فنسب إلى إبراهيم عليه السلام الكذبَ لفظًا على الأقل، مع أنّ تلك الرواية ليست مرفوعةً متصلة، بل هي موقوفةٌ على أبي هريرة رضي الله عنه، ولعله سمعها من أهل الكتاب. ويكتب المولانا الميرتهي أنَّ كثيرًا من الترَّهات والأقاويل الباطلة الإسرائيلية تسرَّبت من خلال رواة من أهل الكتاب ككعب الأحبار إلى كتب الحديث والتفسير في صورة أحاديث نبوية.
ومن جملة ذلك هذه الرواية التي تزعم أنَّ إبراهيم عليه السلام كذب ثلاث مرات في حياته: مرةً حين تذرّع بالمرض ذريعةً لكسر الأصنام، ومرةً حين قال إنّ كبير الأصنام هو من كسرها، ومرةً حين وصف زوجتَه سارةَ للملك المصري بأنها أخته خشيةً على نفسه. ويؤكّد المولانا أنّ هذه الرواية لم يُحدّث بها رسول الله ﷺ قط، وإنما سمعها أبو هريرة رضي الله عنه من كعب الأحبار أو غيره ممن كانوا حديثي العهد بالإسلام من أهل الكتاب، فنقلها دون أن يذكر مصدرها، ولم يعرضها على موازين العقل والنقل حتى يتبيّن له بطلانها. (وه بندۂ مولا صفات، ص ١٠٦)
٢. عمر السيدة عائشة رضي الله عنها عند الزواج
جاء في صحيح البخاري والنسائي وغيرهما بسند هشام بن عروة رواية تُفيد أنَّ أمَّ المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت:
"تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا بِنْتُ سِتٍّ وَدَخَلَ عَلَيَّ وَأَنَا بِنْتُ تِسْعٍ وَكُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ."
وقد استنتج الراوي والكثيرون من العلماء من هذه الرواية أنّ عمرها عند العقد كان ستًّا أو سبعًا، وعند الدخول تسعًا، وهو استنتاجٌ ناشئٌ عن سوء فهم الرواية وعدم استيعاب مراد قائلتها.
أما الحقيقة فهي أنَّ عمر السيدة عائشة رضي الله عنها عند العقد كان نحو ستَّ عشرة سنة، وعند الدخول والبناء بها تسع عشرة سنة.
وقد فصّل العلامة الميرتهي القول في هذه المسألة، وبيّن الفهم الصحيح لكلام السيدة عائشة رضي الله عنها بأسلوب رصين مدلَّل، فقال:
"إنّ هذا الحديث الذي رواه هشام بن عروة مثالٌ سيّئٌ على الرواية بالرأي والقياس، وعلى إنزال الظنّ منزلة اليقين. فأُمّ المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها لم تقل قطُّ إنها حين جاءت عروسًا إلى بيت رسول الله ﷺ كانت تلعب بالعرائس، وأنَّ صديقاتها كنَّ يتفرَّقن حين يَرينه ﷺ - فهذا الذي نقله هشام ليس إلا ظنًّا لا سند له ولا أساس. نعم، صحيحٌ أنَّ أمَّ المؤمنين قالت: تزوَّجني رسول الله ﷺ وأنا بنت ستٍّ وبُنِيَ بي وأنا بنت تسع، إلا أنها حين ذكرت هذه الأعداد لم تصرِّح بلفظ العقد - أي بذكر مرتبة العشرات صراحةً - إذ جرت العادة في العربية وغيرها من اللغات أنّ العقود والمئات تُحذف أحيانًا في ذكر المدد اعتمادًا على قرينة السياق، ويفهمها السامع من تلقاء نفسه. وعليه فالمقدّر في قول السيدة عائشة رضي الله عنها هو (بعد العشر)، ويكون المعنى: أنّ عمرها عند العقد كان ستَّ عشرة سنة، وعند الدخول تسع عشرة سنة، ولا شكَّ في هذا التقدير."
ثم يستدلُّ العلامةُ الميرتهي على هذا التقدير بحديث نبوي جاء في ضمن تحرّي ليلة القدربلفظ:
"التمسوها في الخامسة والسابعة والتاسعة(أى بعد العشرين) في العشرالأواخر من رمضان" (رواه البخاري أيضا)
ويثبته بالمراجع التاريخية، فيبيّن أنّ عمر السيدة عائشة رضي الله عنها عند العقد لم يكن ستًّا بل ستّ عشرة سنة، وعند الدخول لم يكن تسعًا بل تسع عشرة سنة. (صحيح البخاري: دراسة تحقيقية، ص ٢٥٣)
٣. التفسير الصحيح لقوله تعالى: "هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ"
ورد في سورة الأنعام ضمن قصة إبراهيم عليه السلام في آيات متعددة قوله تعالى: "هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ"، وقد جرى المفسّرون على أنه قول إبراهيم عليه السلام. غير أنَّ تحقيق المولانا الميرتهي يُثبت أنَّ هذا التفسير غير مستقيم، لأنّ هذه الجملة تنطوي على معنى شركي يستحيل في حق الأنبياء المعصومين أن يصدر عنهم — إذ النبي تحوطه عنايةُ الله تعالى وتسديده طوال حياته، وإن لم يكن هو نفسه على وعيٍ تام بذلك.
ويُقدِّم المولانا ترجمةَ الآية وشرحها على النحو الآتي:
"فلمَّا جنَّ عليه الليل رأى — أي آزر — نجمًا في السماء فقال: هذا ربي، هذا أكبر. فلمَّا أفل قال إبراهيم عليه السلام: لا أحبُّ الآفلين." ثم يُعلِّق قائلًا: "إنَّ فاعل الفعل (رأى) والقائل بـ(ربي) في هذه الآيات هو آزر والد إبراهيم عليه السلام، كما أوضحتُه في الترجمة، لأنّ هذه الآيات تنقل حوارًا دائرًا بين إبراهيم وآزر، وبأدنى تأمُّل يتّضح أنّ كلّ قولٍ راجعٌ إلى قائله الحقيقي." (وه بندۂ مولا صفات، ص ١١٦)
يتَّضح مما سبق كم كانت منزلة العلامة شبير أحمد أزهر الميرتهي رفيعةً في ميدان العلم والبحث، غير أنّ بقاءه مغمورًا وغيابه عن دائرة الاهتمام — كلاهما دليلٌ صارخٌ على أنّ الشهرة وتقدير العلم لا يسيران دائمًا في ركبٍ واحد. فمن أفنى عمره كلَّه في خدمة الكتاب والقلم، وآثر العزلة على الإطراء الجماهيري، وجعل الدليل والتحقيق شعاره بدلًا من التسليم الأعمى للموروث — مثل هذا الرجل في الغالب لا يُعرَف في زمانه، لكنَّ عمله يجعله خالدًا لا يموت.
إنَّ مؤلَّفات المولانا الميرتهي التي تمتدّ عبر عشرات المجلدات، ومواقفه التحقيقية الجريئة، وما أبداه من شجاعة نادرة في رصد الإسرائيليات والروايات التفسيرية الواهية ونقدها في كتب الحديث — كلُّ ذلك مجتمعًا يجعل منه كنزًا نفيسًا في التراث العلمي الإسلامي الأردي والعربي على السواء، لم يكتشفه الناس بعد على وجهه الحق. والحاجة ماسَّة اليوم إلى نشر مؤلَّفاته وإخراجها في طبعات لائقة، وتعريف أهل العلم بإسهاماته، وإطلاع الأجيال القادمة على هذا الإرث المخبوء - لأنّ هذا السراج الذي لم تبلغ أنواره الآفاق ولم تذع شهرتُه في حياته، يبقى في وهجه من النور ما يكفي لإنارة الطريق أمام الآخرين.
ـــــــــــــــــــــــــ
