حقيقتها ومقاصدها وأهميتها [41]*
تمهـــيد
الحمد لله رب العالمين، الذي شرّع لعباده شعائر الدين، وجعلها مظهرا لعبوديتهم، ودليلا على إخلاصهم ويقينهم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين، الذي بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، وعلّم الأمة معاني الطاعة والتسليم لرب العالمين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أما بعد، فإنّ شعيرة الأضحية في عيد الأضحى المبارك تُعدّ من أجل شعائر الإسلام وأعظم مظاهر التعبُّد والخضوع لله تعالى، إذ تتجلّى فيها حقيقة العبودية الصادقة وروح الاستسلام الكامل لأمر الله رب العالمين. فهي ليست مجرد عادة موسمية أو مظهرا اجتماعيا يتكرّر في كل عام، بل هي عبادة جليلة تتجاوز ظاهر الذبح وإراقة الدماء إلى معان سامية من الإيمان والإخلاص والفداء والتقوى.
وقد لخّص القرآن الكريم هذه الحقيقة الخالدة في قوله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾[42]
فجعل النسك، ومنه الأضحية، عنوانا لكمال العبودية ودليلا على أن المؤمن يجعل حياته كلها وقفا لله تعالى وطاعة لأمره.
وقد بيّن القرآن الكريم أن الأضحية شعيرة قديمة عرفتها الأمم السابقة، وجعلها الله تعالى وسيلة للتقرب إليه وشكره على نعمه، فقال سبحانه:
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾[43]
فالأضحية في حقيقتها إعلان عملي للتوحيد، وتجديد لعهد العبودية والإخبات لله تعالى، إذ يقف المؤمن بين يدي ربه خاضعا مستسلما، مقدّما أحبّ ما يملك ابتغاء مرضاته سبحانه.
وترجع هذه الشعيرة المباركة إلى ذلك الموقف الإيماني العظيم الذي سطره خليل الله سيدنا إبراهيم عليه السلام وابنه البار إسماعيل عليه السلام، حين امتثلا أمر الله تعالى امتثالا كاملا، وقدّما أروع صورة للتسليم والفداء، حتى استحقّا أن يخلّد الله ذكرهما في كتابه العزيز، فقال سبحانه:
﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾[44]
ثم قال جل شأنه:
﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾[45]
فكانت الأضحية منذ ذلك الحين رمزا خالدا لمعاني الطاعة والإذعان، وشعارا متجدِّدا يربط الأمة بتاريخ الإيمان والتضحية، ويذكرها بأن حقيقة الإسلام تقوم على بذل النفس والنفيس في سبيل مرضاة الله تعالى.
ومن هنا كانت الأضحية في جميع الشرائع السماوية من أعظم وسائل التقرُّب إلى الله تعالى، لأنّ حقيقتها ليست نذر المال فحسب، بل هي في أصل معناها نذر النفس والروح لله عز وجل، غير أن الله تعالى برحمته جعل الذبيحة قائمة مقام النفس البشرية. فكأن المؤمن حين يقدّم أضحيته إنما يقدّم نفسه طاعة لله تعالى واستسلاما لأمره. ولذلك كانت الأضحية رمزا للفداء والتضحية، ودلالة على استعداد المؤمن لبذل كل عزيز في سبيل ربه.
ولأجل هذا المعنى العميق قرن القرآن الكريم بين النسك والحياة والممات، فقال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[46]
فالصلاة تمثل حياة القلب بالله تعالى، والأضحية تمثل استعداد المؤمن لبذل نفسه في سبيل الله. ومن هنا كانت التضحية في سبيل الحق طريقا إلى الحياة الحقيقية، كما قال سبحانه:
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾[47]
فالموت في سبيل الله ليس فناء، بل هو حياة أبدية خالدة، وكذلك الأضحية تعلّم المؤمن أن الحياة الكريمة لا تنال إلا بالبذل والتضحية والإخلاص.
ومن ثم، فإن الأضحية ليست مقصودة لذاتها من حيث الذبح والصورة الظاهرة، وإنما المقصود الأعظم منها ما تورثه في القلوب من التقوى والإخبات والخضوع لله تعالى؛ ولذلك قال سبحانه:
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ﴾[48]
فروح الأضحية إنما تتمثل في إخلاص العبد نفسه لله تعالى، وتجديد عهده مع ربه على الطاعة والتسليم والشكر، مع ما تحمله هذه الشعيرة من معان إنسانية واجتماعية عظيمة، كإحياء روح التكافل، وإدخال السرور على الفقراء والمحتاجين، وتقوية روابط المودة والتراحم بين المسلمين.
وفي ضوء هذه المعاني الجليلة، يأتي هذا المقال الموجز ليسلط الضوء على حقيقة شعيرة الأضحية ومقاصدها الشرعية وأهميتها الإيمانية، مستنيرة بهدي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهّرة، ومبينة ما تنطوي عليه هذه الشعيرة المباركة من أسرار العبودية ودلالات الإيمان وروح التضحية والفداء.
تاريخ الأضحية:
وتشير النصوص الدينية إلى أن تاريخ القُربان قديم قدم الإنسانية نفسها، إذ يرجع إلى عهد سيدنا آدم عليه السلام. وقد ذكر القرآن الكريم قصة ابنيه هابيل وقابيل، حين قدم كل واحد منهما قربانا إلى الله تعالى، فتقبّل الله قربان أحدهما ولم يتقبل من الآخر، قال سبحانه:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾[49]
وتدلّ هذه القصة على أن القُربان كان منذ فجر التاريخ الإنساني وسيلة للتقرب إلى الله تعالى، ومظهرا من مظاهر الإيمان والطاعة والإخلاص. وقد ورد في بعض الروايات القديمة، وفي نصوص أهل الكتاب[50]، أن هابيل قدم من خيار غنمه وأفضلها قربانا لله تعالى، فكان قبول قربانه دليلا على صدق نيته وتقواه، إذ إن الله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا صادقا صادرا عن قلب مؤمن مخلص.
ومن هنا يتبيّن أن شعيرة القُربان لم تكن مجرد عمل شكلي أو طقس ظاهري، وإنما كانت منذ بدايتها مرتبطة بحقيقة الإيمان وصفاء السريرة وإخلاص العبودية لله رب العالمين.
عرفت الإنسانية شعيرة القُربان منذ أقدم العصور، فقد أشار القرآن الكريم إلى قصة ابني سيدنا آدم عليه السلام، حين قرب كل واحد منهما قربانا إلى الله تعالى، فتقبّل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر، قال سبحانه:
﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾[51]
ومنذ ذلك الحين ظل القُربان وسيلة للتقرب إلى الله تعالى، وعلامة على صدق الإيمان والإخلاص، ولذلك وجدت هذه الشعيرة في كثير من الشرائع والأمم القديمة.
غير أن الأضحية بلغت أسمى معانيها وأعظم مقاصدها في قصة سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، حين ابتلى الله تعالى خليله بأن يذبح ابنه الذي رزقه بعد طول انتظار. فرأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ابنه، فعلم أن ذلك أمر من الله تعالى، فبادر إلى الامتثال والطاعة، وعرض الأمر على ابنه إسماعيل، فجاء جوابه مفعما بالإيمان والتسليم:
﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾[52]
فلما استسلم الأب والابن لأمر الله تعالى، وأظهر كل منهما كمال الطاعة والإخلاص، فدى الله إسماعيل بذبح عظيم، وقال سبحانه:
﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾[53]
ومن هنا أصبحت الأضحية شعيرة خالدة في الإسلام، يحيي المسلمون بها ذكرى هذا الموقف الإيماني العظيم، ويستحضرون من خلالها معاني الفداء والتضحية والتسليم الكامل لله رب العالمين.
المقصد الحقيقي من الأضحية:
إن الأضحية ليست مجرّد شعيرة ظاهرة تؤدّى في أيام معدودة، وإنما هي عبادة جليلة تنطوي على معانٍ عميقة من الشكر والإخلاص والتسليم لله رب العالمين. فالمؤمن حين يسوق أضحيته إلى النحر، إنما يقدّم في الحقيقة رمزا لفدائه نفسه في سبيل طاعة الله تعالى، واستعداده لبذل أحبّ ما يملك ابتغاء مرضاته سبحانه، مستحضرا في قلبه موقف سيدنا إبراهيم عليه السلام، حين بلغ الغاية في الامتثال والإخبات، فقدّم ابنه قُرباناً طاعة لأمر ربه.
ومن هنا كانت الأضحية مظهراً من مظاهر الشكر العملي على نعمة الهداية والإيمان، وتجديدا لمعاني العبودية والخضوع لله تعالى. ولهذا شرع الإسلام التكبير والتهليل عند الذبح، ليبقى القلب متعلقا بعظمة الله تعالى، معترفاً بفضله ونعمه، معلنا أن هذه العبادة إنما تؤدّى خالصة لوجهه الكريم.
وقد بيّن القرآن الكريم هذه الحقيقة بأروع بيان، فقال سبحانه:
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنْكُمْ﴾[54]
فليس المقصود من الأضحية صورها الظاهرة، ولا لحومها ودماؤها، وإنما المقصود ما يفيض في القلوب من خشية الله وتقواه، وما يترسخ في النفوس من معاني الإخلاص والطاعة والتجرد لله رب العالمين. ثم قال تعالى:
﴿كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾[55]
إشارة إلى أن هذه الشعيرة إنما شرعت ليعظم المؤمن ربه، ويشكره على نعمة الهداية، ويزداد قربا منه سبحانه.
وهكذا تبقى الأضحية مدرسة إيمانية متجددة، تعلم الإنسان أن حقيقة الدين ليست في المظاهر والأشكال، وإنما في صفاء القلب، وصدق العبودية، وكمال التسليم لله تعالى.
أحكام الأضحية
إن الأحكام المتعلقة بشعيرة الأضحية قد نقلتها الأمة الإسلامية جيلا بعد جيل بإجماع ثابت وتواتر عملي متصل، حتى أصبحت من الشعائر الظاهرة التي استقرت معالمها في وجدان المسلمين وحياتهم التعبُّدية.
- تجوز الأضحية في جميع أنواع بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، على أن يكون الحيوان سليماً من العيوب الظاهرة، بالغا السنّ المعتبرة شرعا، لأن هذه الشعيرة قائمة على معنى التعظيم والتقرُّب إلى الله تعالى، ومن تعظيم شعائر الله اختيار الطيب الكامل منها.
- أما وقت الأضحية في عيد الأضحى، فإنه يبدأ يوم النحر، العاشر من ذي الحجة، بعد الفراغ من صلاة العيد، ويمتدّ إلى آخر أيام التشريق، وهي الأيام التي أشار إليها القرآن الكريم بقوله تعالى:
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾[56]
وهذه الأيام هي نفسها التي شرع فيها للحجاج الإقامة بمنى بعد الإفاضة من مزدلفة، وقد استحب فيها كذلك الإكثار من التكبير عقب الصلوات، تعظيما لله تعالى وإظهارا لشعائر الإسلام، من غير أن تحدّد الشريعة كلمات معيّنة لذلك.
ج) وقد أباح الله تعالى للمسلمين أن يأكلوا من لحوم الأضاحي وأن يطعموا منها الفقراء والمحتاجين، تحقيقا لمعاني الرحمة والتكافل والإحسان، فقال سبحانه:
﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾[57]
هذا هو قانون الأضحية، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بيّن بعض الأمور المتعلقة بها:
١) ينبغي لمن أراد أن يضحي في شهر الأضحية أن يمسك، وفقًا للسنة الثابتة وامتدادًا للتقليد القديم للنذر المرتبط بالحج والعمرة، عن تقليم أظفاره وأخذ شيء من شعره حتى يفرغ من أضحيته.[58]
٢) كما بيّن نبيّنا عليه الصلاة والسلام أن الأضحية لا تصحّ قبل صلاة العيد، وأن ما يذبح قبلها لا يعد أضحية شرعية، وإنما هو مجرّد ذبيحة عادية.[59]
٣) أنّ السنّ المستحبّة في الأضحية أن يكون الضأن أو المعز قد أتمّ سنة كاملة على الأقلّ، وأن يكون البقر أو الثور قد بلغ سنتين، وأن يكون الجمل أو الناقة قد بلغا خمس سنوات على الأقل. فإن تعذّر ذلك، جاز أن يُضحّى بكبشٍ من الضأن، ويكفي في هذه الحال أن يكون قد بلغ ستة أشهر.[60]
٤) ومن مظاهر سماحة الشريعة ويُسرها أنها أجازت الاشتراك في أضحية البقر والإبل، فيشترك فيها عدد من الأشخاص، ولو بلغوا سبعة أو أكثر، توسّعة وتيسيرا علينا.[61]
٥) كما دلّت السنّة النبويّة على أن الذبح والقُربان لا يختصان بعيد الأضحى وحده، بل يُشرّعان أيضا على سبيل التطوُّع والتقرب إلى الله تعالى في مناسبات أخرى، كالذبح عند ولادة المولود، إظهارا للشكر لله تعالى، وإحياء لمعاني البذل والقربة والطاعة وترغيب الآخرين.[62]
خاتمة المقال:
وفي ختام هذا المقال يتبيّن لنا أنّ الأضحية ليست مجرد عادة موسمية أو مظهر احتفالي يرتبط بعيد الأضحى، بل هي شعيرة ربانية عظيمة تحمل في طياتها معاني الإيمان والإخبات والتقوى والتسليم لأمر الله تعالى. وقد شرعها الله سبحانه إحياءً لذكرى الموقف الإيماني الخالد الذي جسّده إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، حين قدّما أروع مثال للطاعة المطلقة والانقياد الكامل لله عز وجل.
ومن هنا كانت الأضحية في جميع الشرائع السماوية من أعظم وسائل التقرُّب إلى الله تعالى، لأن حقيقتها ليست بذل المال فحسب، بل هي في أصل معناها بذل النفس والروح لله عز وجل، غير أن الله تعالى برحمته جعل الذبيحة قائمة مقام النفس البشرية. فكأن المؤمن حين يقدّم أضحيته إنما يقدّم نفسه طاعة لله تعالى واستسلامًا لأمره، ولذلك كانت الأضحية رمزًا للفداء والتضحية، ودلالة على استعداد المؤمن لبذل كل عزيز في سبيل ربه. كما أن حقيقة الأضحية لا تتمثل في اللحم والدم، وإنما في ما تغرسه في قلب المؤمن من الإخلاص والتقوى والامتثال لأمر الله تعالى، مصداقًا لقوله سبحانه:
﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾
ومن هنا ينبغي لنا أن نستحضر المقاصد الإيمانية والروحية للأضحية، وأن يجعلها مناسبة لتجديد معاني الرحمة والتكافل والمحبة بين أفراد الأمة.
نسأل الله تعالى أن يتقبّل منا أضحياتنا وعباداتنا، وأن يجعل عيد الأضحى المبارك عيد خير وبركة ووحدة وسلام للأمة الإسلامية جمعاء.
ـــــــــــــــــــــــــ
