(الحلقة الأولى)
المقاومة لغة واصطلاحاً:
من فعل: قام ( قام، قوما، قياما، قومة) بمعنى انتفض واقفا، قاومه للمصارعة وغيرها: قام له، وقاوموا في الحرب: قام بعضهم لبعض.[65]
أما مصطلح المقاومة فينطبق على رد فعل جماعي ضد الظلم والاستبداد والقهر والاحتلال، وفَرْضِ منع التجوُّل على البشرية. ولا تكون المقاومة رد فعل ضد الاستبداد السياسي أو الاحتلال الأراضي فحسب، بل إنما هي ردّ فعل ضدّ كلّ شيء اعتبره الناس انتهاك حقوقهم، مثل: الاستبداد الثقافيِّ، وانكماش الاقتصادي، والاستبداد الجماعي، سواء أكان داخليا أو خارجيا كما أشار إليه "إبراهيم لقمان": "فمعنى المقاومة هو الوقوف في وجه الظلم، سواء أكان مصدره داخليّا أم خارجيا".[66]
ومما تجدر ملاحظته هنا أن الأدباء عرفوا المقاومة بتعريفاتٍ مختلفةٍ، بعضهم ينسبها الي النفس، وبعضهم الدين، و بعضهم الي الوطن أو المال أو العرض، كما يقول براء احمد: "المقاومة هي النضال الشرعي قانونا وشرعا ضدّ عدو محتل لأرض الغير بالقوة، وتتعدّ أشكال المقاومة بدت من السلاح و انتهت بالمقاومة السياسية.[67]
فالحاصل من مفهوم المقاومة: أنَّ كل انسان يقدر بما في وسعه بصورة عامة في نشأته الفردية والاجتماعية مجموعة من القيم و المصالح الفطرية التي تحيط مسيرة وجوده و حياته. وقد اجتمعت كلمة العقلاء علي عدها في خمسة قيم ومصالح و هي: الدين والوطن و النفس والعرض والمال.
الأول: الدين والعقيدة، والمقصود بهما عقيدة الإنسان ونظرته و مذهبه الي الكون والطبيعة والمصير، ومفهوم الدين يشمل الديانات السماوية، و خاتما الاسلام الحنيف القيم جاء به - النبي صلى الله عليه وسلم - قائلا ومبشرا: "إن الدّين عند الله الاسلام"[68] ويشمل الديانات الأراضية والأفكار و المعتقدات التي وضعتها بعض المذاهب والاتجاهات البشرية.
الثاني: الوطن ومسقط الرأس، ويراد بهما الأرض التي يقضي فيها حياته و يتلذَّذ من خيراتها مع مجموعة من البشر يُطلق عليهم اسم الأمة أو الشعب، وهو يحيط الوطن الذي يعيش به مع افراد دينه ومعتقداته.
الثالث : النفس والمراد بها الانسان من حيث هو فرد أو أمة أو شعب.
الرابع : العرض: والمقصود به ناموس الإنسان و شرفه، ويشمل الشرف الذي يعود إلي الفرد، والشرف الذي يعود للأمة أو الشعب.
الخامس: المال والثروة: والمقصود بهما كل ما يمتلكه الإنسان، ويشمل ما يمتلكه الإنسان من حيث هو فرد أو أمة أو شعب.[69]
وهذه حقيقة لا تُجحد ولا تُنكَر بأن سليمَ الفطرة والعقل يريد أن يقضي حياته الغريزة مطمئنة بالدين والنفس والوطن والمال والعرض، خارجا عن المذلّة والخذلان، فالإنسان إن كان متّصفا بهذه الصفات يُلقّب بالحُرّ وإلا يدّعى بمجتمع المحتلة، و يجب عليه المقاومة سواء أكان فرديا أو مجموعية.
بداية المقاومة:
في الواقع أنّ المقاومة وُلدت مع الإنسان، وظلَّت ملازمةً له منذ نشأة الخليقة؛ لأنه مخلوق مقاوم بطبعه و فطرته لكل ما يحسبه عنصرا يعمل ضده، إن كان هذا العنصر ينتمي إلي محيطه و بيئته أو كان من المجموعات الإنسانية أو الطبيعية الأخرى.
أول مقاومة بين آدم -عليه السلام – و ابليس:
تبدأ عمل المقاومة منذ أن خلق الله أبا البشر آدم - عليه السلام -؛ حيث خلقه الله تعالى بيده الكريمة من طين، ونفخ فيه من روحه وعلمه أسماءَ الأشياء كلّها من الطيور والدواب وغير ذلك، وأمر الملائكة أن يسجدوا لآدم زيادةً في التكريم والتشريف، فسجدوا كلُّهم إلا إبليس و استكبر، فأهبطه الله من ملكوت السماوات و أخرجه ذليلاً مدحورا، وقضى عليه باللعنة والشقاء والنار، وبعد ذلك سأل إبليس ربَّه أن يُنظِره إلى يوم القيامة، فقال الله تعالى: "إنك من المُنْظَرِيْن"[70]، وقال: " فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلقهم وعن أيمانهم وعن شمالهم ولا تجد أكثرهم شكرين"[71]، فمن الممكن أن نقول: إن ابليس ادعى المقاومةَ أمام الله تبارك وتعالى، وأخرجه الله - سبحانه و تعالى - من الجنة، وأعطاه القدرةَ على الوسوسة والإغواء والمقاومة بالإنسان، وأمهله إلى يوم القيامة، وكلّ مؤمن يرى أن الشَّيطانَ يُحاول أن يطرده من الصراط المستقيم.
ولمّا ظهر وجود آدم - عليه السلام - خلق الله من آدم زوجه - حواء عليها السلام - ليسكن إليها، ويأنس بها، وأمر الله – تبارك وتعالى - لهما أن يسكنا دار القرار؛ الجنةَ التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، و أخبرهما بعداوة إبليس لهما، ونهاهما عن الأكل من شجرة من أشجار الجنة ابتلاءً و امتحانًا، فوسوس لهما الشيطان، وزيّن لهما الأكل من تلك الشجرة، وأقسم لهما أنه لهما من الناصحين، وقال: إنْ أكلتما من هذه الشجرة كنتما من الخالدين.
فلم يزل بهما حتى أغواهما، فأكلا من الشجرة وعصا ربهما، وأُخرجا من الجنّة، ومنذ أن أهبط الله آدم و زوجته إلي الارض بدأت المقاومة بالإنسان وعدوه، وقاوم آدم - عليه السلام - بإبليس باللسان والدعاء والقلب، وهذه صورة من صور المقاومة منذ وُلِد الإنسان، ومنذ ظهر الإنسان على أرض الله تبارك وتعالى، ولأنَّ اللّغة واللسان تُعَدُّ من إحدى أدوات التواصل والمواجهة، وهكذا بدأت قصة المقاومة، وعاش آدم و زوجته وذريته إلى أن جاء نبينا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكانت المقاومة تعيش به في صور مختلفة.
أول معركة و مقاومة في التاريخ:
تذكر أهمّ كتب التّاريخ أنّ أوّل معركة في التاريخ بمعنى تعدي طرف على آخر، هي معركة "هابيل" مع أخيه "قابيل"، والتي انتهت بمقتل قابيل لهابيل، وكان سبب التعدي سبب نفسي دافعه الغضب، إذ لم يقبل قابيل أن يقبل الله القربان من هابيل ولا يقبله منه، فدعاه للقتال.
تدل قضية قابيل و هابيل على أن المقاومة ما زال يرافق منذ القدم حتى الآن، قال "أنيس منصور": "فنحن أحفاد قابيل الذي قتل أخاه هابيل، فالدماء والانتقام والحِقد في عروقنا".[72]
المقاومة في الشعر الجاهلي:
ففي العصر الجاهلي كان الشاعر يدافع عن وجود القبيلة و حقها، يُمجّد بطولاتها، و يُشهّر كرمها، ويُعلي كراماتها، ويحضها على انتهاء دروب الفضائل والشمائل.
على سبيل المثال قول "دريد بن الصمة وقد نصح قومه "بني غزية"، فتركوا نصيحته و قاتلوا أعداءَهم ومعهم قُتل أخوه عبد الله، فقال يرثيه[73] :
أمرتهم أمري بمنغرج اللوى
فلم يستبينوا الرُّشدَ إلا صحي الغد
وهل أنا إلا من غزية إن غوت
غويتُ وإن تُرشد غزيةُ أرشُد
أي أمرتهم أمري ذلك في ذلك الموضع، ولم يتبيّن لهم سداد رأيي إلا صحي اليوم التالي، و أنا من قبيلة غزيّة، إن انحرفت القبيلة عن الرشد انحرفتُ معها، وإن رشدتْ أرشد.
وكان الشاعر فارسا و عاشقا، فارسا في المعركة وعاشقا في الحب، وأذكر هنا على سبيل المثال الشاعر الجاهلي "عنترة بن شداد" العبسي، يذهب مُعظَم المؤرِّخين إلى أنَّ عنترة بن شدّادٍ شهد حرب داحس و الغبراء، واشترك فيها حتى نهايتها، ويُعدّ عبدا إلا أن العبودية لم تنف عنه استعداد الأصل لحمل راية الحرّية، إذ كان يصقل شخصيتَه الصّارمةَ ويقوي جذعه القوي منذ صغره الذي قضاه مع الإبل في حضان الطبيعة الواسعة، والموماة القاسية مستفيدا منها أساسا متينا لتحقيق نجاحه فيما بعد، حيث إنَّه تفرّد بفضل شظف العيش و مرارة الحرمان، بأخلاق سامية تجعله يضبط نفسه، ويمتنع عن الأشياء الماجنة والشهوات الفاسدة، مقتربا من البطولة والفروسة، الأمر الذي يؤدّي إلى تسجيله مآثر باهرة لا تُمحى، وكونه شخصًا معجبًا في تاريخ الأدب العربي يطيب ذكره على ألسنة العرب الى يومنا هذا.
(للبحث صلة...)
______________
