نقله إلى العربية: عثمان فاروق
(الحلقة الثانية والأخيرة)
]هذا العمود المعنون بـ "وجهات نظر" مخصص لكتابات مختلف أصحاب الفكر وتعبر عن آراء أصحابها وليس من الضروري أن تتفق المؤسسة مع المقالات المنشورة تحته.[
والآن نتحوّل إلى الجانب الآخر من البحث، فنقول: على فرض أن مسألة التطور صحيحة، فإن القرآن المجيد ليس منكرًا لها بالضرورة؛ إذ إن في بعض الآيات الكريمة معاني يمكن أن يُستأنس بها للإشارة إلى هذا المفهوم.
وقد علم الناس من مقال "مسألة التطوّر وحكماء الإسلام" أن بعض فلاسفة الإسلام كانوا يميلون إلى القول بالتطور. غير أن مما يبعث على الدهشة أن الراغب الأصفهاني، وهو من أعلام المتكلمين في القرن الخامس الهجري، قد أبدى رأيًا قريبًا من هذا الاتجاه، بل الأعجب من ذلك أنه حاول أن يُلائم بين هذا التصوّر وبين دلالات القرآن المجيد. صحيح أنه لم يبلغ القول بالتطور على صورته المعروفة، غير أن في نظره لمحةً واضحة، أو شائبةً تدل على الاقتراب من هذا المعنى.
وننقل النص الأصلي من كتابه "تفصيل النشأتين" وهي كما يلي:
"في تكوين الإنسان شيئا فشيئا حتى يصير إنسانا كاملا: الإنسان يكون أولا جمادا ميتا، قال الله تعالى: وكنتم أمواتا فأحياكم، وذلك حيث كان ترابا وطينا وصلصالا ونحوها، ثم يصير نباتا، قال الله تبارك وتعالى:
﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ و﴿ثُمَّ يَكُونُ نُطْفَةً وَعَلَقَةً وَمُضْغَةً﴾ ونحوها ثم يصير حيوانًا، وذلك حيثما يتبع بطبعه بعض ما ينفعه ويحترز من بعض ما يضرّه، ثم يصير إنسانًا مختصًا بالأفعال الإنسانية. وقد نبّه الله تعالى على ذلك في مواضع، نحو قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾"[20]
ولكن لما كان الإمام المذكور قد تناول هذه المسألة بإيجاز شديد، بل ببحث غير واف، فإننا نريد أن نبحث فيها تفصيلا، وأن نبيّن أنه على فرض أن مسألة التطوّر لا يمكن إنكارها، فإن القرآن لا يعارضها. وأوّل ما تقرره مسألة التطور أن الإنسان لم يُخلق دفعة واحدة، بل بلغ هذه المرحلة الأخيرة عبر أطوار متعددة: من الجماد إلى النبات، ومن النبات إلى الحيوان، ومن الحيوان إلى الإنسان. وقد دلّت آيات كثيرة من القرآن المجيد على أن الإنسان خُلق في مراحل متعدّدة. ومن أظهر هذه الآيات قوله تعالى[21]:
﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ﴾
فهذه الآية تدلّ دلالة واضحة على أن القرآن المجيد يصرّح بأن الإنسان خُلق في أطوار متعدّدة. وقد فسّر المفسرون المتقدمون هذه الأطوار بأن الإنسان كان أولا شيئا غير طاهر، ثم صار لحما، ثم نُفخت فيه الروح، فصار إنسانا. ونحن لا ننكر هذه الأطوار ولا هذا التفسير، وإنما الكلام في أن المعنى الذي نذهب إليه يمكن أن يكون صحيحا أيضا. ومن الظاهر أنه يمكن أن يكون كذلك، وهذا هو مقصودنا: أن القرآن لا ينكر هذا النوع من التطوّر.
والقانون الثاني من قوانين مسألة التطور أن ترقّي الإنسان يبدأ من الجماد، أي أن الإنسان كان في الأصل جمادا. وقد صرّح الله في القرآن المجيد في مواضع كثيرة بقوله: "كنتم ترابا"، و"خلقنا الإنسان من طين"، و"بدأ خلق الإنسان من طين"، قال الله تعالى[22]:
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾
فهذه الآية لا تدل على أن الإنسان كان في الأصل جمادا فحسب، بل تدل أيضا على أن بداية نشأته كانت من هذا الأصل.
ويقول تعالى في موضع آخر[23] :
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾
فالمراد بالموت هنا الجماد، وبالحياة الإشارة إلى أنه أُعطي النماء والحركة، أي رُقّي إلى درجة أعلى، فصار نباتا. وهذا هو الطور الثاني من أطوار مسألة التطور، أي انتقال الإنسان من الجماد إلى النبات، فكأنه بذلك دخل في المرحلة الثانية من مدارج الارتقاء.
وقد أشار القرآن المجيد إلى هذه المرحلة تصريحا في قوله تعالى[24] :
﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ﴾
فهذه الآية الكريمة تدل على أن الإنسان كان في مرحلة من مراحله نباتا. وإلى هذا الطور أيضا إشارة في موضع آخر من القرآن المجيد[25] :
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾
ووفقاً لنظرية موسيو كنتن، فإن الكائنات الحية نشأت في الماء، وفيه نشأت وترعرعت، واكتسبت الحياة من الموجودات غير الحية. وقد أشار القرآن المجيد إلى هذا المعنى بقوله تعالى[26] :
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾
فهذه الآية تدلّ على أن الحياة قد نشأت من الماء، وأن سلسلة الكائنات الحية بدأت منه.
وقد يُقال، كما ذهب إليه بعض المفسّرين، إن المراد بالماء هنا النطفة على سبيل المجاز، غير أن المعنى الذي نذهب إليه محتمل أيضا، بل هو أرجح من وجه، لأن لفظ "حيٌّ" عام يشمل جميع الأحياء، بما فيها الحشرات والنباتات، مع أن هذه لا تنشأ كلها من النطفة، ولكنها لا تنفك عن الماء.
ثم نمضي فنقول، إن الإنسان كان حيوانا، ثم صار إنسانا، كما يدل عليه قوله تعالى[27] :
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ۚ ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾
فهذه الآية الكريمة قد أجملت أطوار الخلق الإنساني، فذكرت ابتداء خلق الإنسان من الطين، ثم تجاوزت بعض المراحل الوُسطى، لتصل إلى المرحلة التي تبدأ منها الحيوانية. وما ذكر فيها من النطفة واللحم والعظام إنما هو بيان لمرحلة ما قبل الإنسانية، أي طور الحيوانية، إذ هذه هي اللوازم التي يقوم بها الكائن الحيواني. وهذا هو طور الحيوانية، الذي بعده قال الله تعالى: "ثم أنشأناه خلقا آخر"، أي نقله إلى مرتبة أخرى، هي مرتبة الإنسان.
ويقول أنصار مسألة التطوّر أيضا إن جنين الإنسان في رحم أمّه يمرّ، في طور الحيوانية، بأشكال متعدّدة من الحيوانية، كما سبق بيانه. وقد عبّر القرآن المجيد عن هذا المعنى بقوله تعالى[28] :
﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾
فبعد تقرير هذه المسألة، يبرز بحث آخر يتعلّق بحضرة آدم. ويظن مخالفو مسألة التطوّر، في الغالب، أن وجود آدم وصحة مسألة التطور أمران متناقضان لا يمكن اجتماعهما، وليس الأمر كذلك. فإن من يسعى إلى التوفيق بين العقل والنقل يمكنه أن يقول، إن أول إنسان وُجد وفق هذا التدرج هو نفسه أبو البشر آدم.
وفي ختام البحث، نقول مخاطبين فلاسفة العصر، إن مسألة التطور إذا كانت صحيحة، فإن القرآن لا ينكرها، بل إن من معتقدنا، نحن المسلمين، أن القرآن المجيد لا يمكن أن يخالف حقائق العلم الصحيحة أبدا.
وفي الختام، نعرض في خدمة العلماء الكرام أن المعاني التي قررناها للآيات المتقدمة إنما قصدنا بها إسكات أصحاب النزعة الفلسفية. ومع أن المفسرين قد فهموا لهذه الآيات معاني أخرى، ونحن لا ننكر صحتها، فإن المعاني التي أخذنا بها بقصد التوفيق بين العقل والنقل ليست خاطئة أيضا، إذ إن ألفاظ القرآن المجيد تحتمل كلا المعنيين. (بشكر مجلة "الندوة"، يناير ١٩٠٨م)
_______________
