مآلات الصراع الإيراني-الأمريكي وأسباب نجاح باكستان

نقله إلى العربية: عثمان فاروق

(الحلقة الثانية والأخيرة)

وهنا تبرز حقيقة أخرى جديرة بالفهم. إن العالَم اليوم، حين يتحدّث عن المبادئ الأخلاقية، وقوانين الحرب، وآليات التفاوض، ووقف إطلاق النار، وحقوق الإنسان، والمسوغات القانونية، فإن قسطا كبيرا من هذه المفاهيم إنما نشأ أصلا حين فرضت القُوى المنتصرة نفسها بعض القيود والضوابط. وصحيح أنه حيثما تواجه تلك القوى تحديا حقيقيا لتفوقها، فإنها قد تنحرف عن هذه المبادئ؛ غير أن من الصحيح أيضا أن البيئة الدولية المعاصرة تبدو، بالمقارنة مع عصور التاريخ السابقة، أكثر تهذيبا وتنظيما.

فقد بات هناك، على الأقلّ، هامش يتيح الحديث عن التفاوض بدلا من الحرب، وعن التعايش بدلا من الإبادة الشاملة، وعن التسويات السياسية بدلا من الصدام المفتوح. ولهذا فإن معالجة النزاعات في العالَم الحديث لا تقوم على وهم القضاء التام على الخصم، بل على البحث عن ترتيبات سياسية قابلة للتحمل. فالنزاعات السياسية تُدار بأدوات سياسية، ولا تُبنى على تصوّرات الإلغاء الكامل للطرف الآخر.

ومن هذه الزاوية، تبدو سياسة إيران وكأنها تقف خارج سياق الزمن، إذ آثرت الإبقاء على حلم الإلغاء التام، بدلا من الانخراط في منطق التعايش والتسويات الممكنة.

وقد كشفت الأحداث الأخيرة، مرة أخرى، عن حقيقة ميزان القوة القائم. فالأسلوب الذي استُخدمت فيه التقنيات الحديثة، وقدرات الاستخبارات، والتفوّق الجوّي، والضربات المنسقة لاستهداف المواقع وتصفية القيادات، دلّ بوضوح على أن الفجوة المتراكمة في مجالات الاقتصاد، والدفاع، والتقنية، وكفاءة الدولة ليست فجوة يسيرة.

فالطرف الذي بادر بالهجوم ظلّ، بما يملكه من رأس مال، وتقنية متقدمة، وتنظيم عسكري محكم، ودعم دولي واسع، في مأمن إلى حدّ كبير؛ في حين أن الساحة التي جرى فيها هذا التصادم تكبدت فيها الدول والمجتمعات المسلمة المحيطة القسط الأكبر من الخسائر. فلم تتزعزع أسس القوة الاقتصادية لدى الطرف الأقوى، ولا طرأ تحول جوهري على قدراته العسكرية.

وفي المقابل، تجدّد داخل الأوساط الدينية ذلك الحماس الذي يوحي وكأن العالَم يقف على أعتاب أفول قوة كبرى؛ غير أن الحصيلة العملية جاءت، مرّة أخرى، على النحو الذي تكرّر مرارا: إذ كان لا بُدّ من العودة إلى طاولة التفاوض نفسها، حيث يكون ميزان القوة قد حسم الإطار سلفا، وحيث تُقبل الشروط ضمن الحدود التي رسمتها الوقائع على الأرض. يرتفع الضجيج كثيرا، لكن الخاتمة تظل، في نهاية المطاف، مرهونة بخريطة القوة الحقيقية.

وقد دفع الشعب الإيراني نفسه ثمنا باهظا لهذا المسار برمته. فقد فُرضت قيود على الاقتصاد، وتعرضت العملة لضغوط متزايدة، وتفاقم الشعور بعدم اليقين لدى الجيل الشاب، وبرزت مظاهر الاضطراب الداخلي، فيما استُنزف جانب كبير من موارد الدولة في الساحات الخارجية والأولويات الأيديولوجية. وهكذا، في الوقت الذي جرى فيه الحفاظ على وهج الثورة ورمزيتها، تراجعت الحاجات العملية للمجتمع، من اقتصاد ورفاه وفرص عمل واستقرار داخلي وتطور مؤسسي، إلى الصفوف الخلفية.

وعند هذه النقطة يتجلى فرق جوهري: فالثورة ليست هي الدولة. فالثورة يمكن أن تقوم على الشعارات، والتضحية، والتصادم، واستدامة التعبئة، أما الدولة فلا تقوم إلا على أسس الاقتصاد، والنظام، وبناء المؤسسات، والدبلوماسية، والتوازنات المستقرة. وحين تعجز دولة ما عن الخروج من مزاج الثورة الدائم، فإنها تنتهي، في المحصلة، إلى تقييد إمكاناتها الذاتية وتقليص آفاقها.

وفي ظل هذا السياق كله، يبرز السؤال الجوهري:

ما تعريف النجاح؟

أهو أن تنشأ بضعة شبكات مسلحة، وأن يسود قدر من الخوف في الإقليم، وأن يتحقق نفوذ مؤقت؟

أم أن النجاح يتمثل في أن تبني الدولة اقتصادا قويا، ومؤسسات مستقرة، وحدودا آمنة، ومكانة دولية متقدمة، ودبلوماسية موثوقة، وأن تضمن لشعبها مستقبلا كريما؟

إذا اعتُمد المعيار الثاني، فإن التجربة الإيرانية الممتدة لنحو نصف قرن تحتاج إلى إعادة نظر شاملة؛ إذ إن معيار النجاح الحقيقي لا يتمثّل في ارتفاع الشعارات في مواجهة الخصوم، بل في القدرة على توفير حياة آمنة وكريمة للمجتمع.

وفي المقابل، إذا أمعن النظر في تجربة باكستان، برزت بعض الجوانب الإيجابية. فعلى الرغم من أن باكستان تحرّكت دائما في بيئة معقدة لحماية مصالحها، فإنها، في مجمل الأمر، لم تسمح بتحويل نزاعاتها السياسية إلى حرب دينية شاملة، وحافظت على قدر من الواقعية في علاقاتها مع القوى الكبرى بدلا من الانزلاق إلى صدام مفتوح، كما ركزت على تعزيز قدراتها الدفاعية بشكل تدريجي. وقد أتاح لها هذا النهج فسحة من الوقت، ومجالا عمليا للمناورة، مكّنها من إيجاد موقع لها داخل النظام الدولي.

بل إنها نجحت، في هذا الإطار، في امتلاك قدرة نووية لضمان أمنها. ولم تكن هذه النتيجة ثمرة شعارات عاطفية، أو أحلام ثورية، أو اندفاعات آنية، بل جاءت حصيلة سياسة طويلة النفس، هادئة في ظاهرها، واقعية في جوهرها، ومنسجمة مع منطق الدولة ومقتضياتها.

وفي السياق الباكستاني يبرز بعد آخر جدير بالتأمل. فقد ظلت بعض القوى الدينية تميل إلى دفع الدولة نحو تبني نهج عاطفي تصادمي، على غرار ما يظهر في التجربة الإيرانية؛ نهج يقوم على تحويل النزاعات السياسية إلى معارك ذات طابع ديني، وعلى إدارة العلاقة مع القوى الكبرى بمنطق الشعارات والحماسة بدلا من الواقعية، وعلى إخضاع الاستراتيجية الوطنية لجو انفعالي يمنح زخما آنيا، لكنه يهمش مصالح الدولة ونتائجها بعيدة المدى.

غير أن المجتمع الباكستاني، ومعه القوى السياسية، ولا سيّما ما يتّسم به الجيش من جدية عملية ونضج مؤسسي، حال دون الانجراف الكامل في هذا المسار. فقد أسهمت هذه الرصانة في سد منافذ الانزلاق وراء موجات الحماس، وفي تجنيب الدولة السير إلى نهايات غير محسوبة شهدت آثارها تجارب أخرى.

ومن هذه الزاوية، تقدّم التجربة الباكستانية درسا بليغا مفاده أن الأمن القومي، والاستراتيجية الدفاعية، والعلاقات الدولية، لا يجوز أن تُترك رهنا للعاطفة؛ بل تتطلب قدرا من الهدوء في التقدير، ونظرا واقعيا، ونضجا مؤسسيا راسخا.

وإذا كان من هذا المسار كله درس جامع، فإنه يتمثل في أن النزاعات السياسية في عالم اليوم لا بد أن تُقارب من زاوية عواملها السياسية، لا من خلال إضفاء قداسة دينية عليها؛ وأن التعامل مع القوى الكبرى ينبغي أن يقوم على توازن عملي، لا على خطاب أخلاقي مجرد؛ وأن استحضار أمجاد الماضي لا ينبغي أن يكون ستارا يوارى به ضعف الحاضر، بل حافزا لفهم الموقع الحقيقي، والموارد الفعلية، والإمكانات المتاحة.

وقد أخذت بعض الدول العربية، إلى حد كبير، بهذا المنهج الواقعي. وهو الطريق الذي يمنح الأمم فسحة من الوقت، ويوفر لها مجالا للتنفس، ويفتح أمامها فرصة بناء مستقبلها. أما في غياب ذلك، فإن الخطابات العاطفية قد تظل حية، لكن الدول تواصل التآكل والضعف.

والدول التي تنجح في إدراك تحوّلات العصر، وتستخرج لنفسها مسارا ملائما في ضوء تلك التحوّلات، هي التي تبلغ في نهاية المطاف موضعا أكثر رسوخا في البقاء، وأثبت قدما في الكرامة، وأقدر على امتلاك عناصر القوة المستدامة.

ـــــــــــــــــــــــــ