الحداثة وما بعد الحداثة

(الحلقة الثالثة)

سنبين في فصل لاحق (الحداثة وما بعد الحداثة) أن فلسفة ما بعد الحداثة قد قامت على انقراض القيم التي أسستها الحداثة (كفكرة التقدم والحقوق)، مما أدى إلى فراغ حاولت المعقولية الغربية أن تملأه بقيم (مركنتيلية)، تجارية دنيوية وبرغماتية. وهي إيطلقا جديدة تعتمد مقياس قيمة التبادل أنموذجا أوحد للتواصل البشري حتى إن الأفراد في المجتمع الغربي أصبحوا يمثلون ذرات مستقلة لا يربطها إلا علاقة الحاجة والمصلحة. فكأن هناك انتصارًا للفرد ضد المجموعة أو الجماعة وكأن الحرية الفردية هي المجال الذي تمتد ضمنه جميع الأفعال والقيم من أبسطها إلى أعقدها.

فلا شك أن للفردانية دوراً شديد الأهمية لاسترجاع الحرية المستلبة داخل فضاء الوجود الإنساني، ولا شك أيضاً أن الحريات والحقوق تقوم ضمنياً على أولوية هذه الفردانية. ولكن الجديد في العولمة يتمثل في محاولة أجهزة النظام السياسي والاستراتيجي الاستيلاء على القرار والإنتاج فيما يخص هذه القيم. فالمعقولية الغربية هي وحدها التي تسطر معاني هذه القيم وحدودها وكونيّتها وهي التي تقرر مقاييس الحرية ومبادئها وحدودها، وهي التي تعطي المعاني التي تريد إلى العدل والإنسانية والحقوق والصمود والقيم الأخرى. وفي حقيقة الأمر، فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تقرر المعايير الخاصة بالحقوق وكيفية الدفاع عنها، كما تقرر الحرب والسلم في العالم مما دعا مثلا بعض المثقفين والسياسيين في فرنسا للبحث عن الاستثناء الثقافي.

فلنا نحن في البلدان العربية المختلفة مسؤولية كبيرة في ذلك، إذ إننا لم نستطع تطوير قيمنا ومقومات حضارتنا حتى نعطيها صبغة شاملة وكونية، فليس للمثقف العربي الآن الحرية الكافية للنقد والتحليل والمشاركة في النقاشات العامة واتخاذ المواقف الجريئة، لأن الحركية الديمقراطية الثقافية هي التي تولد الخيارات القيمية وهي التي تقدم لهذه الخيارات معاني تتسع لتشمل الحضارة العربية ولتجاوزها نحو الحضارات المجاورة. فالمثقف العربي - لأنه أسير اللعبة السياسية وأسير السلطة الدينية - مازال مستهلكاً للأفكار التي قد تأتيه من أعماق التاريخ، أو تتصل به من حاضره الآخر الذي هو ليس فيه. وللأنظمة السياسية العربية ضلع كبير في ذلك، لأنها هي بدورها قد استسلمت إلى العولمة وإلى قطبها الأمريكي، وليس لها خيار غير ذلك، باعتبار طبيعتها وباعتبار مآرب أصحابها ومصالحهم، وهي التي اختارت الحكم المطلق والدكتاتوري لتسيير شؤون الحياة والأفكار، بحيث هاجر الفكر من ربوعها، فتقوقع في الماضي أو التحق بالحاضر الغربي، وفي كلتا الحالتين ترك فراغاً أدّى بالمجتمعات العربية إلى التقهقر، فأصبحت مستهلكة غير قادرة على الابتكار والخلق وإنتاج الجديد.

ولو تعمنا قليلاً في ظاهرة علاقتنا بالغرب، لاستنتجنا أنها تدخل ضمن توحّد الغرب في تدبير شؤون العالم. هذا التوحّد الذي نتج كما بينا سابقا عن إرادة الهيمنة المطلقة أصبح اليوم أكثر تصلّباً بحيث إنه قد استبعد الآخر والغير والمختلف، وبنى تصوراً ذا بُعد واحد للحياة والفكر. فقد كتب مثلاً المفكر القاضي الإسباني بلتزار كرزون "إن الغرب وهياكله السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية قد اهتمت أساساً بالتقدم المزري والفادح للإنتاج والأرباح المعولمة، ولم تهتم بتوزيع الأرباح توزيعاً عادلاً بين الناس والشعوب. اهتمت بسياسة الاستبعاد الاجتماعي أكثر من اهتمامها بإدماج الشعوب وبسياسة تقدمية فيما يخص المهاجرين. اهتمت بإبقاء الديون الخارجية وتطويرها أكثر من اهتمامها بغرس حركية إنتاجية في هذه البلدان (غير الغربية) التي نطلب منها اليوم الإعانة والتفهم أو التي نهددها "بالحرب النهائية" بواسطة "العدل اللانهائي" أو "بالسلم الأبدية".

(انظر جريدة لوموند الباريسية ٠١/١٠/٩)

(يتبع...)

_________________________________

* كتاب "الحداثة وما بعد الحداثة"، د. عبد الوهاب المسيري والدكتور فتحي التريكي، صـ ١٧٩- ١٨٢

________________

الحداثة وما بعد الحداثة - الإشراق العربي - يونيو 2026 - أفكار - أفكار