(خاطرة)
ماذا لو أخبرتك يا صديقي بأن التعب قد بلغ مني ما بلغ، وأنني حاولت كثيرا أن أتخطى ما أنا فيه من الإرهاق، وأن أتجاوز ما أمر به من الإنهاك، بيد أنني لم أستطع، نعم لم أستطع، وأنى؟!؛ فقد كان الأمر فوق طاقتي، بل فوق احتمال البشر؛ ظلمات بعضها فوق بعض، متاهات مرعبة، وبيداء يهماء لا زرع فيها ولا ماء، أشائب من حدثان الحياة، خليط مما أعدته الدنيا لبني البشر من مُثْقَلَاتِ الجوى وأفانين الأسى وجماع الألم، تجمعت كلها علي، وكأن بنات الدهر لا يعرفن سواي، ولا يصبن غيري، لا أدري هل قَصَدْنَ ذلك؟! أم أن الأمر محض صدفة غريبة؟! حقيقة لا أدري، لكن الذي أدريه أنني ما عدت أستطيع العيش، وما عاد قلبي بقادر على التكيف، أفكر في الموت كل لحظة، أراني لا أقوى على تحمل الحياة بهذي الحالة التي وصلت إليها، لا أقول لك إنني أفكر في إنهائها، وأنا المؤمن بقضاء الله وقدره، لكنني في الوقت نفسه غدوت أحسد هؤلاء الذين قضوا وفارقوا، موقنا بأن الله رحمهم، ورضي عنهم؛ إذ اصطفاهم لديه، ورفعهم إليه، بل وخلصهم من هذي الحياة الظالمي أهلها، الشقي ساكنوها، ومن ثم فكم تمنيت وتمنيت، وعسى الله أن يكتبه قريبا؛ فتهدأ النفس من ضوضاء الحياة، وتطمئن الروح من صخب الدنيا، ويتخلص القلب من مدلهمات العيش وأقذاء الخلق.
أتذكر؟! أتذكر يا صديقي حينما أخبرتك يوما أنني مرهق منهك، وأن التعب قد بلغ مني، وأنني ما عدت أطيق الحياة بهذه الصورة المرعبة، وهذي التفاصيل المزعجة، وتلك الكينونة المخيفة، وهاتيك اللوحة البشعة؟! أتذكر؟! ساعتها هززت رأسك، ثم ابتسمت لي، وظننت أنها مجرد كلمات عابرة، وحروف متناثرة، وأنني، وأنني ربما ما قلت ذلك إلا ساعة ضجر لا أكثر، ساعة من الساعات القلقة التي كثيرا ما تعرض للنفس ... حينها لم تعبأ بي يا صاحبي، ولم تأخذ كلماتي مأخذها، لم تعبأ، ليس لأنك لا تهتم بشأني، ولا تأبه لحالي، بل إنك فعلت ذلك؛ لأنك تعرفني جيدا، وتبلوني ربما أكثر من نفسي، وتعلم مقدار تحملي للمتاعب، وتدرك مدى طاقتي على اعتناق المصاعب، ويبدو أنك ظننت حينها أنني أقولها هكذا، لا ألقي لها بالا، ولا أقصدها لذاتها؛ ربما لأن كل الظروف المحيطة تؤدي بنا حتما إلى هذا الشقاء الموسوم والنصب الموشوم، لكنك في الوقت نفسه كنت متأكدا أنني لست كغيري، وأن تحملي للحياة ومواجهتي لمتاعبها ليست كسواي، كنت دائما ترى أن ما يسري على عموم الناس لا يسري علي؛ فقد عهدتني دائما وأبدا جلدا، قويا، ثابتا، مثالا للتحمل، ونموذجا للصبر على المكاره، ولذلك لم تهتم حينها لكلماتي، ولم تسمع لأنات حروفي تلك التي كانت تقطر ألما، وتنزف دما، وتذري همًّا ... ابتسمتْ لي ساعتها، ثم ربَّت على كتفي، وقلت لي: لا تقلق إنك بخير، أو ستكون بخير، لا أتذكر جيدا ما قلته لي حينها، لكنك لم تلبث أن تركتني منصرفا، لم تكن تعرف يا صديقي أنني كنت آنئذ أتضوَّرُ من الألم، وأرتجف من الأسى والهم، وأذري من الحزن المدلهم!
آآآه يا صديقي، كم كنت أريدك أن تمكث معي، أن تظل بجانبي، كنت أريدك ألا تفارقني، كم كنت أريد أن أتحدث معك، أبوح لك بما يجيش في صدري، وما يعتمل في وجداني، نعم بل كنت أريدك أن تحتضنني, وتربت على كتفي، كم كنت أريد أن أبكي لك ومعك وبين يديك؛ علَّي أتخفف مما أنا فيه، نعم، كنت في أشد الاحتياج إلى ذلك، كنت أريدك، أحكي لك، نعم أحكي لك، وأبووووح بكل شيء، نعم يا صديقي كل شيء، فآه ثم آه!!!
لأول مرة يا صديقي كنت أرومك ألا تفارق ساحتي، ألا تغادرني، نعم وددت حينها لو أفصحت لك، وأبنت ما في نفسي وأعربت عما بداخلي من آلام، وما تعانيه روحي من أوجاع وأسقام ...
لكن لا ألومك يا صديقي في تركك لي ساعتها، بل أعذرك في تجاهلك شكواي، إن كان ثم، فما كنتُ يوما بالذي يتحدث عما بداخله، أو ينفث بما يجري له؛ فأنا الذي كنت دائما وأبدا ما أستمع إلى آهات الآخرين، وأنصت إلى أنات المحيطين، أسعى جاهدا وبكل الطرق أن أقف معهم، أخفف آلامهم، أربت على صدورهم المنهكة، وأهدهد نفوسهم المتعبة، وأطبطب أرواحهم المكدودة، كانوا كثيرا ما يلجأون إلي، طارقين بابي، قاصدين عتباتي، وهم يعرفون أنني لن أخذلهم، ولن أَتِرَهُمْ، يقصدونني وهم موقنون أنهم سيجدون عندي الملاذ الآمن، والهدوء المطمئن، لقد كنت مرفأ الأمان للخائفين وطاقة الأمل للمدنفين، وسكنا للحيارى والمشردين!
كنت كذلك، فما اشتكيت يوما، ولا تضجرت ساعة، ولمن أشكو؟! وقد ضج الصحب بآلامهم، وتواترت على القوم أحزانهم، وترادفت للأصدقاء همومهم، قد ملأهم الشقاء، وضاقت بهم اللأواء، أما أنا فما كنت يوما بالذي يخذل صديقا أو حميما، أو يسلم صاحبا أو نديما.
آه يا صاحبي لم تكن تعرف ولم يكونوا كذلك يعرفون أنني ما ذقت السعادة يوما، ولا بلوت السرور ساعة، بل إنني كنت أوثر الجميع بما تبقى من ثمالة روح تاقت إلى الخير وسؤر نفس تعلقت بالحب، تسعد الغير، نعم, تعطي الآخر، وإن تلظت في الألم، وتمنح الجميع، وإن تشظت بين براثن الحزن المرتطم!
كانت المرة الأولى إذن يا صديقي حينما قلت لك صراحة ودونما مواربة إنني متعب, لم تكن إذن كلمة عابرة ألقيتها, ولا ألفاظا هائمة، في الطريق، وعلى مسامعك، نثرتها؛ فوالله ثم والله ما قلتها إلا لك، وما بُحْتُ بها لغيرك، ولا خرجت مني إلا في حضرتك، ولا نبستُ بها إلا في معيتك، قلتها لك وحدك دون سواك، قلتها وأنا من المنهكين، قلتها حينما ضقت ذرعا، وبلغت ما بلغت من الإيلام والشقاء، قلتها حينما هصرني الحزن، ونهشتني الهموم.
أتعلم يا صديقي أنني مكثت ساعات طوالا مترددا، وأنا أحاول السيطرة على نفسي، أحاصرها، ألجمها، أمنعها من البوح، أدفعها عن الكلام، نعم، فلم أرد أن أثقل عليك بهمومي، وأنا تاجر السعادة، أبوح لك بآلامي، وأنا أيقونة الفرح، نعم حاولت؛ فما كنت يوما بالذي يحمل الآخرين أتراحه ولأواءه، لكنها ... لكنها خرجت مني وقلتها وأفصحت عنها، ومع ذلك، وبالرغم من كل ذلك فلم تعرها، يا صاحبي، اهتماما رغم ما بها من قسوة، وما أحاطها من ثقل، فآه يا صديقي!! لقد بلغ السيل الزبى، والتقت حلقتا البطان، وفار التنور، وها هو الحزن وقد تمكن من قلبي، والوجع وقد تسرب في دهاليز روحي، والألم وقد توغل في حشاياي، والداء وقد تمكن مني، فآهٍ يا صديقي، ثم آهٍ آه!!
ـــــــــــــــــــــــــ
