توافق علامات القيامة في الحديث النبوي مع الأحداث التاريخية في ضوء الكتاب المقدس والقرآن

بقلم: الدكتور محمد سعد سليم

ترجمة من الأردية: أ. عثمان فاروق

(12)

نزول سيدنا المسيح عليه السلام

يُعدّ نزول سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام من السماء من علامات الساعة، وقد ورد ذكره في الأحاديث النبوية دون غيرها. وكما هو الحال في سائر النبوءات، فقد فسر هذا النزول تفسيرا رمزيا باعتباره دولة من الدول. وتنسجم هذه القراءة الرمزية مع الرؤيا الواردة في سفر دانيال، حيث شبهت المرحلة الأخيرة من إمبراطورية بابل بإنسان ١٤٢.

وتؤدّي هذه الدولة، بوصفها مخلص الإنسانية أو ’المختار‘ من قبل الله، أي بمنزلة ’المسيح‘، دورا حاسما في المعركة العظمى بين يأجوج ومأجوج. وإن اصطفاف الدول الأوروبية بعضها في مواجهة بعض بسبب صعود الدولة الفاشية في ألمانيا، وهو ما صورته سورة الكهف١٤٣ من ’وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ‘ يأجوج ومأجوج بعضهم في بعض قبل النفخ في الصور، يعكس صورة ذلك الصدام المروع.

وعلاوة على ذلك، فقد اصطفت هذه الدولة أيضا في مواجهة الدجال، أي ’المسيح الكذّاب‘، والمقصود به الاتحاد السوفيتي، تلك القوة التي رفعت شعار تخليص الإنسانية من المعاناة، لكنها في الحقيقة أصبحت وسيلة لنشر الإلحاد والاستبداد السياسي والقمع الديني. ومنذ الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية الحرب الباردة، أدت الولايات المتحدة الأمريكية هذا الدور الرمزي في هذا السياق.

ومن الجدير بالملاحظة أن نطاق عودة عيسى بن مريم عليه السلام قد حدد في الأحاديث بذكر مواجهته للدجال ومقابلته ليأجوج ومأجوج. ولذلك ينبغي أن تبقى توقعاتنا محصورة في هذه الأحداث التي وردت في الأحاديث، لأن هذه العودة ليست عودة حقيقية للنبي نفسه، بل هي تجلي رمزي. ولولا الدور البارز الذي قامت به الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها قوة عالمية خلال الحرب العالمية الثانية وفترة الحرب الباردة، لكان العالم مختلفا بصورة مخيفة من حيث التقدم العلمي والجغرافيا السياسية، إذ كان من الممكن أن يؤدي تفوق الأنظمة الفاشية والشيوعية إلى تغيير جذري في أوضاع العالم.

أدلّة عدم نزول عيسى عليه السلام نزولا جسديا

ليس المقصود من هذا المقال إثبات نزول عيسى بن مريم على نحو جسدي أو رمزي، فقد تناول الباحث الإسلامي المعروف الأستاذ جاويد أحمد غامدي هذه القضية ببحث مفصّل١٤٤.

أدلّة القرآن

تقوم أدلّة الأستاذ غامدي في نفي النزول الجسدي لسيدنا عيسى عليه السلام على جملة من النصوص القرآنية:

تفصيل حياة عيسى عليه السلام في القرآن

يعرض القرآن الكريم جميع المراحل الأساسية في حياة عيسى بن مريم، منذ ولادته المعجزة إلى وفاته ورفعه ثم بعثه يوم القيامة. ومع ذلك، لا يرد في القرآن أي ذكر لنزوله قبل قيام الساعة، وهو ما يعد دليلا مهما في نفي فكرة النزول الجسدي.

ذكر وفاة عيسى عليه السلام ورفعه

يصرّح القرآن الكريم بوفاة سيدنا عيسى عليه السلام بوضوح، كما يذكر نجاته من الصلب١٤٥ ورفعه١٤٦ بعد وفاته.

عدم علمه بادعاءات الألوهية بعد رفعه

جاء في سورة المائدة١٤٧ أن عيسى بن مريم يقول يوم القيامة إنه لم يأمر الناس قط بعبادته أو عبادة أمه سيدة مريم عليها السلام، ويبيّن كذلك أن الله وحده كان الرقيب على أعمال الناس بعد رفعه، وأنه لم يكن على علم بما وقع بعده. وتشير هذه الحقيقة إلى أنه لم يعد إلى الأرض ليشهد تلك الأحداث بنفسه.

ويرى بعض العلماء أن هذا القول يختص بمن كانوا موجودين في زمن عيسى بن مريم فقط، غير أن الشواهد التاريخية تدل على أن منح سيدة مريم مكانة ذات طابع إلهي قد ظهر سنة مجمع أفسس (Council of Ephesus)، أي بعد زمن عيسى بن مريم بعدة قرون. ولم تكن والدته تعبد بهذه الصورة في القرون الأولى من المسيحية، وإنما تطور هذا التصور في مراحل لاحقة.

وتشير هذه الحقائق إلى أن السؤال الذي سيوجه إلى سيدنا عيسى يوم القيامة لا يختص بأتباعه قبل رفعه فحسب، بل يشمل أيضا جميع النصارى الذين جاءوا بعد ذلك، وهو ما يدل على أن عيسى بن مريم لن يعود إلى هذه الدنيا بعد وفاته ورفعه.

آراء العلماء المسلمين في نفي النزول الجسدي

لقد أثار عدد من العلماء إشكالات حول فكرة العودة الجسدية لسيدنا عيسى عليه السلام، ومن أبرز آرائهم في ذلك ما يأتي١٤٨ :

الشيخ محمود حسن (١٨٥١-١٩٢٠)

يرى العالم الحنفي الهندي المعروف الشيخ محمود حسن أن الأحاديث الواردة في هذا الباب قد تأثرت بالروايات اليهودية، وقد وجه النقد إلى مدى ثبوتها وصحتها.

الشيخ عبيد الله السندي (١٨٧٢-١٩٤٤)

ذهب عبيد الله السندي إلى أن اليهود أدخلوا هذه الروايات بقصد إضعاف فكرة غلبة المسلمين وهيمنتهم.

العلامة محمود شلتوت (١٨٩٣-١٩٦٣)

قام محمود شلتوت بدراسة هذه الأحاديث دراسة نقدية، وأبدى تشككا في صحة نسبتها وثبوتها.

العلامة شبير أحمد الأزهر الميرتهي (١٩٢٣-٢٠٠٥)

اعتبر المحقق الشيخ شبير أحمد الأزهر الميرتهي أن هذه الروايات تتعارض مع أصل ختم النبوة.وهي تتعارض بعضها ببعض أيضا. وغيرثابتة سنداً ومتناً. لاتخلو أسانيدها من رواة كاذبين دجالين مختلقين من الرافضة والباطنية.

الشيخ أبو الكلام آزاد (١٨٨٨-١٩٥٨)

كان أبو الكلام آزاد يرى أن نزول عيسى بن مريم لا يمكن التسليم به إلا إذا ورد به نص صريح في القرآن الكريم.

العلامة الدكتور محمد إقبال (١٨٧٧-١٩٣٨)

ذهب محمد إقبال إلى أن فكرة نزول عيسى بن مريم وظهور المهدي إنما تأثرت بعوامل ومؤثرات من خارج البيئة الإسلامية.

الشيخ قمر أحمد عثماني

يرى الشيخ قمر أحمد عثماني أن مبدأ ختم النبوة ينافي احتمال عودة عيسى بن مريم إلى الدنيا مرة أخرى.

إزالة شبهة شائعة

كثيرا ما يُستدلّ بقوله تعالى:

﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (النساء: رقم الآية: ١٥٩)

على إثبات النزول الجسدي لـ عيسى بن مريم. غير أن سياق الآية يدل بوضوح على أن الخطاب موجه إلى أهل الكتاب الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم، وأن الآية جاءت في مقام الإنذار والوعيد، مبينة أن هؤلاء سيدركون قبل موتهم أن القرآن الكريم هو كتاب الله الحق، وإن لم يصرحوا بذلك علانية، وسيكون هذا الإقرار يوم القيامة حجة وشهادة عليهم.

المعنى الرمزي للأحاديث الصحيحة

يُسلّم هذا المقال بصحة الأحاديث الواردة في نزول عيسى بن مريم عليه السلام، غير أنه يفسر الأحداث المذكورة فيها والمتعلقة بما قبل قيام الساعة تفسيرا رمزيا وتشبيهيا، لا على معنى العودة الجسدية الحقيقية.

(يُتبع ...)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

١٤٢- Daniel7:4:

https://www.bible.com/bible/111/dan.7.4.NIV

١٤٣- Quran 18:99:

https://quran.com/18/99

١٤٤- نزول المسيح عليه السلام، بقلم: الأستاذ سيد منظور الحسن، نوفمبر ٢٠٢٣، مركز غامدي للتعلم الإسلامي (أمريكا)

١٤٥-Quran 4:157:

https://quran.com/4
/157

١٤٦-Quran 3:55:

https://quran.com/3/55

١٤٧-Quran: 5:116-117:

https://quran.com/5/116-117

١٤٨- نزول المسيح عليه السلام، بقلم: الأستاذ سيد منظور الحسن، نوفمبر ٢٠٢٣، مركز غامدي للتعلم الإسلامي (أمريكا)

ــــــــــــــــــــ