نقله إلى العربية: د. محمد غطريف شهباز الندوي
[مقتبس من حوار الأستاذ غامدي مع محمد حسن إلياس]
(16)
ومن هذا التفصيل في الحديث يتبين لنا أن نزول النبي عيسى عليه السلام سيكون في وقت عودة الجيش الإسلامي بعد فتح القسطنطينية. ويجب أن يُلاحَظ مكرراً معاداً أن هذا الحديث الذي أخرجه مسلم ينص بوضوح على أن النبي عيسى (عليه السلام) سوف ينزل في نفس اللحظة التي سيعود فيها الجيش الإسلامي إلى المدينة المنورة بعد فتح القسطنطينية عند سماعه خبر ظهور المسيح الدجال.
والحقيقة الثابتة اليوم هي أن القسطنطينية تم فتحها في 29 مايو 1453 في 20 جمادي الأول 857 ه. منذ ذلك الحين ، لا يزال المسلمون محتلين لها ، وهي أكبر مدينة في دولة تركيا الإسلامية تعرف اليوم باسم اسطنبول[12]. وهذا يعني أن الوقت الذي حدده الحديث الذي أخرجه مسلم لمجيء يسوع المسيح متزامن لفتح القسطنطينية. وقد مر هذا الوقت في يونيو / يوليو 1453. حين تم غزو القسطنطينية، لكن لم يظهر الدجال ولم ينزل اليسوع.
الآن إذا كانت الحقيقة ، فيجب اعتبار أحد الأمرين في السرد صحيحا والآخر يجب أن يعزى إلى خطأ الراوي أو إضافته .
فإما أن يُسلم بأن ذكرنزول المسيح صحيح في الحديث، لكن ذكر فتح القسطنطينية وجيشها المنتصر هو أمر إضافي، لا علاقة له بنزول المسيح.
أو يجب الاعتقاد بأنه يصح أن يذكر الحديث فتح القسطنطينية وجيشها المنتصر، لكن نزول المسيح إضافي فيه.
لا يمكن التسلم بحدوث هذين الحدثين في نفس الوقت، لأن أحد هذين من الأحداث المترابطة حدث قبل 570 عاما. لكن المشكلة هي أنه إذا قُبلت إحدى هاتين الحادثتين ولم يقبل الآخر، فإن البيان كله يأتي في حيز الاشتباه. والسبب في ذلك أنه إذا كانت نبوة النبي صلى الله عليه وسلم قد رويت وجاءت بشكل صحيح، فلا يمكن أن يكون هناك تغيير فيها ولو في أدنى درجاتها . إنه قرار مصيري كتبه كاتب القضاء والقدر فيجب أن يتم بنفس الطريقة التي نطقت بها نبينا صلى الله عليه وسلم وهو ما ينطق عن الهوى.
من أجل حل هذه المشكلة، قدم علماؤنا تفسيرامؤّلاً لهذه المشكلة بدلاً من تفضيل أحد الاحتمالين المذكورين أعلاه أو التوقف عن الروايات. ووفقاً لهذا التفسير، فإن فتح القسطنطينية عام 1453 ليس هو الفتح المذكور في الحديث. فوفقا لهم، فإن غزو القسطنطينية سيحدث مرة أخرى. في ذلك الوقت ينزل اليسوع وتحدث الأشياء المذكورة في الحديث أعلاه.
وترد على هذا التأويل إشكالات عقلية قوية تالية ومنها:
الإشكال الأول هو أن الخلفية التاريخية غير العادية للقسطنطينية والطريقة التي ناضل بها المسلمون لقرون مستمرة لغزوها وفتحها والطريقة التي أخذوا بها بعين الاعتبار نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم وبشارته السارة في هذا الأمر، يبدو أنه إذا تم فتح القسطنطينية مرة أخرى، فإن هذا الانتصار الثاني لايكون مثل النصر الأول في عظمته وأهميته.
من أجل فهم هذا المشكلة، من الضروري معرفة خلفية القسطنطينية والمعلومات الأساسية عن نضال المسلمين لغزوها.
وقسطنطنیة(Constantinople) اسم قديم لمدينة استنبول حالياً.
في القرن الثالث الميلادي، اعتنق الملك الروماني قسطنطين المسيحية وجعل المدينة عاصمة له. سميت القسطنطينية بسبب اسمها. كانت المدينة عاصمة الإمبراطورية الرومانية لمدة 1100 عام. في القرن الخامس الميلادي، انقسم العالم المسيحي إلى إمبراطوريتين رئيسيتين. أصبحت عاصمة الإمبراطورية الغربية مدينة روما و أصبحت القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الشرقية. تضمنت الإمبراطورية الشرقية البلقان واليونان وآسيا كوتشاك وسوريا ومصر والحبشة وما إلى ذلك. كان رئيس كنيسته العظيمة يدعى البطريرك (Patriarch). كما كان رئيس كنيسة الإمبراطورية الغربية يدعى البابا (Pope)[13].
كانت للقسطنطينية أيضا مكانة غير عادية في التاريخ الديني للمسيحية.
والسبب في ذلك هو أن إحدى الكنيستين الرئيسيتين للمسيحيين قد تم إنشاؤها في هذه المدينة. كان اسمها آيا صوفيا. كانت أقدم وأقدس مكان للعبادة للمسيحيين. وكان المسيحيون يعتقدون أن الكنيسة لن يحتلها أبدا غير مسيحي.
إن الوضع الاستثنائي للقسطنطينية هو أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر الجنة للمسلمين الذين سوف يهاجمونها. فقد جاء في البخاري:
فحدثتنا أم حرام : أنها سمعت النبي صلى اللّٰه عليه وسلم، يقول : أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا، قالت: أم حرام، قلت: يا رسول اللّٰہ انا فيهم، قال: انت فيهم ثم قال النبي صلى اللّٰہ عليه وسلم: أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم، فقلت: أنا فيهم يا رسول اللّٰہ، قال: لا. (رقم2924)
وجاء في مسلم: عن نافع بن عتبة، قال: كنا مع رسول اللّٰہ صلى اللّٰہ عليه وسلم في غزوة، قال: فاتى النبي صلى اللّٰہ عليه وسلم قوم من قبل المغرب عليهم ثياب الصوف، فوافقوه عند أكمة، فإنهم لقيام ورسول اللّٰہ صلى اللّٰہ عليه وسلم قاعد. قال: فقالت لي نفسي: ائتهم فقم بينهم وبينه لا يغتالونه، قال: ثم قلت: لعله نجي معهم. فاتيتهم، فقمت بينهم وبينه، قال: فحفظت منه اربع كلمات اعدهن في يدي. قال: تغزون جزيرة العرب، فيفتحها اللّٰہ ثم فارس، فيفتحها اللّٰہ ثم تغزون الروم[14] فيفتحها اللّٰہ، ثم تغزون الدجال فيفتحه اللّٰہ. قال: فقال نافع: يا جابر لا نرى الدجال يخرج حتى تفتح الروم.(رقم 7466)[15]
إنه هجم وغادر أول جيش إسلامي لغزو القسطنطينية تحت قيادة معاوية (رضي الله عنه)، خلال خلافة عثمان (رضي الله عنه). غزا هذا الجيش قبرص. لم يفز المسلمون باحتلال قبرص ، لكن المسلمين صنعوا السلام مع أهل قبرص.ثم أرسل معاوية جيشا بقيادة ابنه يزيد بن معاوية في عهده. وحاصر هذا الجيش القسطنطينية. بعد حصار طويل ، عندما لم يتحقق النصر، عاد الجيش. بعد ذلك ، قام العديد من الحكام المسلمين بعدة هجمات على القسطنطينية ، لكن النصر لم يتمكن عليها.[16]
وكان البارز من بين هؤلاء الحكام سليمان بن عبد الملك، وهشام بن عبد الملك، والمهدي العباسي، وهارون الرشيد، وبايزيد يلدريم، وحفيده مراد الثاني.
يعود الفضل في الانتصار على القسطنطينية إلى محمد الثاني، حفيد بايزيد يلدريم. فقد حاصر القسطنطينية في 6 أبريل 1453، في 26 ربيع الأول 857 ه. وبعد نضال استثنائي وتاريخي، استطاع أن يفتح القسطنطينية في 29 مايو 1453م، وفقا ليوم 20 جمادي الأول 857ه، ولهذا أصبح معروفا في التاريخ باسم السلطان محمد الفاتح.
(للحديث صلة...)
ـــــــــــــــــــــــــ
