الإعداد: الدكتور شهزاد سليم
ترجمة من الإنجليزية: د. محمد غطريف شهباز الندوي
(الحلقة العاشرة)
وبعبارة أخرى، يرى ابن كثير رحمه الله أنَّه في ظلِّ وجود هذه الروايات التي تُسمّي بعض حفَّاظ القرآن من المهاجرين، لا يمكن قبول الروايات محلّ البحث إلا إذا حُمِلَت على معنى أنَّ هؤلاء الأنصار وحدهم ــ بخلاف المهاجرين ــ كانوا قد حفظوا القرآن..
ابن حجر(138)
وقد أشار ابن حجر (ت 852هـ) أيضًا إلى أسماء عددٍ آخر من الصحابة الذين حفظوا القرآن. فقد ذكر نفس المواد ــ أو موادَّ مشابهة لها في بعض المواضع ــ التي ذكرها ابن كثير لإثبات أنَّ أبا بكر، وعليًّا، وعبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمرو ــ وجميعهم من المهاجرين ــ كانوا قد حفظوا القرآن. كما أنه، عند إشارته إلى كتاب القراءات(139) لأبي عبيد وكتاب الشريعة لابن أبي داود(140)، عدَّد أسماءً أخرى من الصحابة الذين حفظوا القرآن.
كما حاول ابن حجر (141) حلَّ هذا التعارض من خلال إيراد روايةٍ نقلها الطبري.(142) ووفقًا لهذه الرواية، فإنَّ القول بأنَّ حفظة القرآن كانوا أربعة إنما صدر عن رجل ــ أو رجال ــ من قبيلة الخزرج، وذلك في سياق المفاخرة بتفوُّق قبيلتهم على قبيلة الأوس من الأنصار. وعلى هذا، فإنَّ هذا القول ــ في نظره ــ لا يتعلَّق بالمهاجرين ولا بغيرهم ممن جاء بعدهم. فقد جاء في ذلك:
سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في اول الحديث قال: افتخر الحيان الأوس والخزرج فقال الأوس منا أربعة من اهتز له العرش سعد بن معاذ(143) ومن عدلت شهادته رجلين خزيمة بن ثابت،(144) ومن غسلته الملائكة حنظلة بن أبي عامر(145) ومن حمته الدبر عاصم بن أبي ثابت(146). فقال الخزرج منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم فذكرهم.
يقول ابن حجر العسقلاني إنّه لم يُذكر في هذه الرواية مَن هو الرجل من الخزرج الذي تلفّظ بهذه الكلمات. غير أنّ أنس بن مالك هو راوي هذه الحادثة، ولم يُبدِ اعتراضًا على الوقائع المذكورة فيها، كما أنّ من المعلوم أنّه كان هو أيضًا من قبيلة الخزرج؛ وبناءً على ذلك يمكن الاطمئنان إلى أنّ الكلمات التي صدرت من الشخص أو الأشخاص من الخزرج كانت في الحقيقة كلمات أنس رضي الله عنه.
ويقول ابن حجر أيضًا إنّ احتمالًا آخر قائم، وهو أنّ أنسًا رضي الله عنه لم يكن يقصد جميع الناس، وإنّما كان يقصد فئةً معيّنة منهم، ومن هذه الفئة عدّ الأربعة الذين جمعوا القرآن.(147) ثم يذكر أنّ هذا التأويل بعيد ظاهر التكلّف.
كما حاول ابن حجر(148) أن يوضّح ما قد يرد إلى الذهن من تعارض بين رواية أنس رضي الله عنه ورواية عبد الله بن عمرو بن العاص، ومن النصوص الممثِّلة لذلك ما يلي:
حدثنا عبد اللّٰه حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن سليمان سمعت أبا وائل يحدث عن مسروق عن عبد اللّٰه بن عمرو عن النبي قال استقرؤا القرآن من أربعة: من عبد اللّٰه بن مسعود وسالم مولی أبي حذيفة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب.(149)
يقول إن هذه الرواية تضيف اسمين إلى الأسماء الأربعة التي ذكرها أنس رضي الله عنه، وهما: عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة. وفي سبيل إزالة التعارض الظاهري بين الروايتين، يقول إن هناك احتمالين:
- إن رواية عبد الله بن عمرو لا تعني بالضرورة أن الأربعة الذين أُمر بالأخذ عنهم كانوا جميعًا قد حفظوا القرآن كاملًا.
- وإن رواية أنس بن مالك لا تنفي أن يكون هناك غير الأربعة المذكورين من الصحابة من كان قد حفظ القرآن.
في ضوء المادة التي عُرضت سابقًا(150)، والتي تُبيّن أن هناك أشخاصًا آخرين كانوا قد حفظوا هذه الروايات، لا يمكن قبول تلك الأخبار على ظاهرها. ولعلّ أكثر هذه الروايات معقوليةً هي الرواية التي ذكرها ابن حجر العسقلاني، والتي أُشير إليها سابقًا. وفي الحقيقة، كان ابن عبد البر قد طرح هذا التفسير نفسه قبل ذلك بنحو أربعة قرون.(151) ففي ترجمته لـ حنظلة بن الربيع، يورد ابن عبد البر الرواية الآتية ثم يعلّق عليها بقوله:
حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن عبد السلام الخشني قال حدثنا أبو يوسف يعقوب بن ابراهيم البغدادي الدورقي قال حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس قال افتخرت الأوس فقالوا منا غسيل الملائكة حنظلة ابن الراهب، ومنا من حمته الدبر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ،ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت، ومنا من اهتز بموته عرش الرحمن سعد بن معاذ .فقال الخزرجيون منا أربعة قرءوا القرآن علی عهد رسول اللّٰه ولم يقرأه غيرهم: زيد بن ثابت وأبو زيد ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب.(152)
وقد علق على ذلك بقوله:
يعني لم يقرأه كله أحد منكم يا معشر الأوس ولكن قد قرأه جماعة من غير الأنصار منهم عبد اللّٰه بن مسعود وسالم مولی أبي حذيفة وعبد اللّٰه بن عمرو بن العاص وغيرهم.(153)
يتّضح أن الخلفية الكاملة للروايات محلّ البحث تنكشف إذا أُخذ تفسير ابن عبد البر بعين الاعتبار. فقد كانت قبيلتا الأوس والخزرج منذ الجاهلية كثيرًا ما تتفاخر إحداهما على الأخرى وتُظهر مزاياها، ويبدو أن هذه السِّمة استمرت حتى بعد إسلامهم. وهذه الرواية ليست إلا انعكاسًا لذلك الجدل المتبادل حول التفاضل.
ومن الواضح أن ما قيل بشأن عدد حفّاظ القرآن إنما صدر عن بعض أفراد قبيلة الخزرج. وحتى لو لم يُقبل تعليق ابن عبد البر بأن المقصود ليس التفاضل المطلق بل النسبي، وسُلِّم بأن الرواية تتحدث عن تفاضل مطلق بمعنى أن أحدًا من الصحابة سوى هؤلاء الأربعة من الأنصار لم يكن قد حفظ القرآن، فلا بد من ملاحظة أن هذا لم يكن إلا رأيًا لبعض الخزرجيين المنخرطين في ذلك الجدل، ولم يكن بالضرورة رأي أنس رضي الله عنه.(154)
فأنس رضي الله عنه إنما كان ينقل قولهم فحسب، ورأي أولئك الخزرجيين كان بطبيعة الحال محدودًا بما بلغهم من علم ومعرفة.(155)
ويبدو أن بعض الروايات جُرِّدت لاحقًا من هذه الخلفية، فاكتفت بذكر جمع القرآن على يد أربعة من الأنصار، مع نسبة هذا القول خطأً إلى أنس رضي الله عنه. ويظهر ما يقوّي هذا الاحتمال عند التأمل في أسانيد الروايتين الآتيتين:
حدثنا محمد بن عبد اللّٰه الأرزي حدثنا عبد الوهاب بن عطاء أخبرنا سعيد عن قتادة عن أنس قال افتخر الحيان من الأنصار الأوس والخزرج فقالت الأوس منا غسيل الملائكة حنظلة بن الراهب، ومنا من اهتز له عرش الرحمن سعد بن معاذ ،ومنا من حمته الدبر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت . وقالت الخزرجيون منا أربعة جمعوا القرآن علی عهد رسول اللّٰه صلی اللّٰه عليه وسلم لم يجمعه غيرهم: زيد بن ثابت وأبو زيد وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل.(156)
الهوامش:
138- ابن حجر، فتح الباري، ج٩، ص٤٢-٤٣.
139- بحسب علمي، لم يُنشر هذا الكتاب إلى الآن، أو لعلّه لم يصل إلينا.
140- ابن حجر، فتح الباري، ج٩، ص٤٢.
141- ابن حجر، فتح الباري، ج٩، ص٤١-٤٢. وكما تبيّن سابقًا، فقد أشار الرحماني إلى هذه الرواية منسوبةً إلى ابن عبد البر. وبينما نقل الرحماني هذه الرواية اعتمادًا على مجموعة مكتوبة، فإن ابن حجر هنا نقلها اعتمادًا على الحفظ. وسيأتي قريبًا تحليل هذين الرأيين.
142- بحسب علمي، لا تشتمل النسخ المتداولة من تفسير الطبري أو تاريخه على هذه الرواية، غير أنها موجودة في كتب كثيرة أخرى، منها على سبيل المثال:
- أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم، المستدرك على الصحيحين، ط١، ج٤ (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٩٩٠م)، ص٩٠، رقم (٦٩٧٧).
- الطبراني، المعجم الكبير، ج٤، ص١٠، رقم (٣٤٨٨).
- أبو يعلى، المسند، ج٥، ص٣٢٩، رقم (٢٩٥٣).
- الطحاوي، شرح مشكل الآثار، ج١٠، ص٣٧٤؛ ج١٤، ص٢٢٢؛ ج١٤، ص٢٢٣.
- أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي، الأحاديث المختارة، ط١، ج٧ (مكة: مكتبة النهضة الحديثة، ١٤١٠هـ)، ص١٣٦-١٣٩.
- أبو نعيم الأصبهاني، تاريخ أصبهان، ط١، ج٢ (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٩٩٠م)، ص٩٣.
- ابن عبد البر، الاستيعاب، ج١، ص٣٨٢.
- ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج١٦، ص٣٦٨-٣٦٩؛ ج٧، ص٣٢٣-٣٢٤.
- علاء الدين علي المتقي الهندي، كنز العمال، ط١، ج١٣ (بيروت: دار الكتب العلمية، ١٩٩٨م)، ص١١١، رقم (٣٦٧٥٦).
143- انظر مثلًا: أحمد بن حنبل، المسند، ج٦، ص٤٥٦، رقم (٢٧٦٢٢).
144- انظر مثلًا: المصدر نفسه، ج٥، ص١٨٨، رقم (٢١٦٨٣).
145- انظر مثلًا: الحاكم، المستدرك، ج٣، ص٢٢٥، رقم (٤٩١٧).
146- انظر مثلًا: أبو الفرج ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ط١، ج٣ (بيروت: دار صادر، ١٣٥٨هـ)، ص٣٩.
147- وذكر الزرقاني تفسيرًا قريبًا من ذلك. انظر: الزرقاني، مناهل العرفان، ج١، ص١٧٥.
148- ابن حجر، فتح الباري، ج٧، ص١٠١.
149- أحمد بن حنبل، المسند، ج٢، ص١٨٩، رقم (٦٧٦٧).
150- قد يُقال: إن بعض الأسماء لم يُقدَّم بشأنها دليل، وبعض ما قُدِّم بشأن أسماء أخرى ليس حاسمًا؛ غير أن بعض المواد المطروحة تبدو حاسمة فعلًا. فالمعطيات ترجّح بقوة أن أبا بكر (رضي الله عنه)، وعثمان (رضي الله عنه)، وابن مسعود (رضي الله عنه)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنه)، وسالمًا رضي الله عنه ، قد حفظوا القرآن في حياة النبي ﷺ. وإذا اعتُمدت بعض الروايات الأخرى التي ذكرها الباقلاني، أمكن إضافة أسماء أخرى إلى القائمة.
151- هذه الروايات لا تذكر أبا الدرداء رضي الله عنه، ومن ثم إذا اعتُمدت، فقد يمكن بها حلّ التعارض الواقع في الأسماء بين الروايتين.
152- ابن عبد البر، الاستيعاب، ج١، ص٣٨٢.
153- وفي ضوء هذا التعليق، يمكن الجزم بأن ابن عبد البر إنما يفهم من لفظ جمعه حفظَ القرآن من قِبل الأربعة، لا جمعَه كتابةً، كما نُسب إليه خطأً من الرحماني سابقًا.
154- ومن ثم فإن رأي ابن حجر المتقدم محلّ نظر؛ إذ ذهب إلى أن أنسًا (رضي الله عنه) لما روى هذه الرواية دون اعتراض على عدم ذكر اسم الخزرجي، وكان أنس نفسه خزرجياً، فكأنّه بذلك صدّق ما قاله الخزرجي.
155- ومما يجدر ذكره أن في رواية ابن الجوزي يظهر أن الخزرج كانوا يزعمون أن أربعةً منهم قد حفظوا القرآن، وهو أمر لم يبلغه أحد من الأوس. ونص الرواية: لم يجمعه رجل منكم، أي: لم يحفظه أحد منكم. انظر: ابن الجوزي، المنتظم، ج٣، ص٣٩.
156- أبو يعلى، المسند، ج٥، ص٣٢٩، رقم (٢٩٥٣).
(يُتبع...)
ـــــــــــــــــــــــــ
