نقله إلى العربية: أ. عثمان فاروق
سيرة الشيخ أمين أحسن الإصلاحي
]وفقًا لوصية صاحب "تدبر القرآن"، هذه صفحات من سيرته بقلم كاتبها نعيم أحمد بلوش [
(16)
قضية الخمسين ألفًا
حين انضمّ الشيخ أمين أحسن الإصلاحي إلى ’الجماعة الإسلامية‘، كانت مجلة "الإصلاح" قد توقفت عن الصدور، ثم عادت مجلة أخرى تحمل اسم "إصلاح" إلى الظهور بعد فترة من الانقطاع. ولم يكن توقف "الإصلاح" ناشئا عن ضعف الإمكانات المادية أو شح الموارد المالية، وإنما كان ثمرة خلافات داخلية تتعلق بإدارة المدرسة وشؤونها، وكانت هذه الخلافات موجهة بصورة مباشرة إلى الشيخ الإصلاحي. ولم يشأ الشيخ الإصلاحي أن يخوض في تفاصيل تلك الملابسات، فاكتفى بإشارات عابرة وتلميحات مقتضبة، قال فيها:
"لقد آثرت دائما أن أعمل بصفتي الشخصية المستقلة. غير أن بعضهم دبّر المكائد حتى توقفت المجلة، وكانوا يظنون أن العمل سينتهي بذلك، لكن إصدار المجلة بمواردي الذاتية لم يكن أمرا عسيرا بالنسبة إليّ".
ويبدو أن الشيخ الإصلاحي كان يريد أن يقول إنه أعاد إصدار مجلة "إصلاح" بجهوده الشخصية، غير أنها توقفت مرة أخرى بسبب أزمة الورق التي نجمت عن ظروف الحرب. ثم يروي الشيخ ما جرى بعد ذلك قائلا:
"بعد هذه الأحداث كتب إليّ الدكتور حفيظ الله رسالة يخبرني فيها بأنه سيودع خمسين ألف روبية باسمي في بنك أعظم كره، وأنه سيُرسل إلي الأوراق الرسمية المطلوبة للتوقيع. فكتبت إليه معتذرا بأني لا أستطيع أن أتحمل هذه المسؤولية الثقيلة، وأنه يضع على عاتقي عبئا يفوق طاقتي، واقترحت عليه بدلا من ذلك أن يؤسس صندوقا وقفا أو هيئة ائتمانية تتولى هذا الأمر. لكنه أجابني بأنّ هذا الاقتراح غير مناسب، وقال: لن أُنشئ صندوقا؛ فأنا لا أريد أن أتيح لأحد فرصة إزعاجك أو التدخل في شؤونك، لأنهم لن يتركوك وشأنك إذا أُقيم مثل هذا الكيان. ولذلك لا حاجة إلى إنشاء صندوق، بل يمكنك أن تنفق هذه الأموال في أي عمل من أعمال الدين تراه مناسبا، وهكذا جعل المبلغ باسمي، ثم أصبحت الأوضاع على هذا النحو: كنت عضوا في الجماعة الإسلامية، وكانت المجلة قد توقفت، كما أن الظروف في المدرسة غدت غير مريحة بالنسبة إلي، مع أني أشهد الله أنني لم أكن أحمل في نفسي خلافا شخصيا مع أحد. وفي خضم هذه الملابسات وصلتني رسالة من الشيخ أبو الأعلى المودودي يدعوني فيها إلى المجيء إليه".
كان الشيخ المودودي يقيم آنذاك في قرية بتهانكوت، وكانت رسالته إلى الشيخ أمين أحسن الإصلاحي دعوة صريحة للحضور إلى هناك، حيث أُقيم المركز الكبير للجماعة الإسلامية المعروف باسم ’دار الإسلام‘.
وتعود قصة هذا المركز إلى أن الأرض التي أُنشئ عليها كانت ملكا لرجل محسن هو تشودري نياز علي، الضابط المتقاعد في دائرة الري، وكان شديد التأثر بــ العلامة محمد إقبال ومتطلعا على نهجه إلى الإسهام في مشروع التشكيل الفكري الحديث للإسلام. ومن أجل هذا الهدف أوقف سبعين فدانا من أرضه وشُيّدت عليها مسجد ومؤسسة تعليمية ومبان سكنية على طراز الداخليات الجامعية.
ثم عرض على العلامة محمد إقبال أن يهيئ في هذا المكان البيئة المناسبة للعلماء والمفكرين، ليقوموا بما يرونه نافعا لخدمة الإسلام وقضاياه الفكرية. فأشار عليه إقبال بأن الرجل الأنسب لهذا المشروع هو الشيخ سيد أبو الأعلى المودودي. وهكذا، وبعد سلسلة من المشاورات بين هؤلاء الأعلام، انتقل الشيخ المودودي في مارس سنة ١٩٣٨م من حيدر آباد إلى ’بتهانكوت‘.
ومع مرور الوقت أصبح هذا المكان مركزا للجماعة الإسلامية، وأطلق عليه المودودي اسم ’دار الإسلام‘. وكانت تلك البقعة، الواقعة على ضفاف النهر والمحاطة بالأشجار، تقدم مشهدا ريفيا آسرا يفيض هدوءا وجمالا، غير أنها كانت تفتقر إلى أبسط مظاهر الحياة المدنية؛ فلا كهرباء، ولا وسائل نقل ميسّرة. وفي تلك الظروف نفسها وجّه الشيخ المودودي دعوته إلى الشيخ الإصلاحي للقدوم إلى دار الإسلام.
ومن المؤكّد أن مراسلات متبادلة جرت بين هذين العالمين الجليلين في تلك المرحلة، غير أن أيا من تلك الرسائل لم يصل إلينا، ولا نملك اليوم سجلا يوثق تلك المكاتبات. ويبدو أن الشيخ أمين أحسن الإصلاحي لم يكن ممن يعنون بحفظ الرسائل أو أرشفتها، إذ كان يميل في طبعه إلى روح الزهد والتجرّد، بعيدا عن الاهتمام بالتوثيق والتنظيم الشكلي. ولذلك قلما احتفظ برسائل من تلقاهم أو بنسخ من مراسلاته. واللافت للنظر أن رسائل الشيخ أبو الأعلى المودودي قد جُمعت وطُبع منها عدد من المجلّدات، ومع ذلك لم يُعثر فيما نعلم على رسالة واحدة موجّهة منه إلى الشيخ الإصلاحي تتعلّق بهذه المرحلة أو بهذا الشأن على وجه الخصوص.
(يتبع ...)
ـــــــــــــــــــــــــ
