ترجمة: فضل الرحمن محمود
(الحلقة الثانية)
نتجت من آثار آسيا الوسطى أن الهند رحَّبت العلوم العقلية ترحيبا ملموسا. كان لتدريس علم المنطق والفلسفة في الهند منهج طويل وعميق، حتى الفقه وأصوله يُدَرَّسان باللون الفلسفي والمنطقي. إنَّ مؤلفات أصول الفقه التي أُلِّفَت في شبه القارة الهندية، كلها كتبت بأسلوب منطقي وفلسفي. إن كنتَ طالبَ أصولِ الفقه وأخذتَ أيَّ كتاب مدرسي تم تأليفه في منطقتنا، ستعرف الأسلوب الذي كان رائجا هنا. الملا محبُ الله البهاري أصولي معروف، له كتاب " مسلم الثبوت"، لو رأيته ستجد أنه أصعب كتاب في تاريخ أصول الفقه، لعله لايوجد كتاب أصعب منه في هذا المجال. لو أُشِيرت إلى أربعة أو خمسة كتب صعبة جدا في مضمار أصول الفقه، فكتاب الملا محب الله واحدٌ منها. كان أحد الشيوخ يقول: "يتصبَّب العرقُ مِن قِراءةِ هذا الكتاب". قِس عليه، كم كان للمعقولات أثر على أصول الفقه حتى بدأت تظهر الكتابات في هذا الفن على أساس عقلي منطقي بحت، فلذا انطمست أنوار الحديث مرة أخرى.
الشاه ولي الله المحدث الدهلوي:
بعدها لَفَت الشاه ولي الله الدهلوي الأنظارَ إلى علم الحديث مجددا بإخلاص استثنائي بقي أثره إلى يومنا هذا. كل من طلب الحديث أو قام بتدريسه في شبه القارة الهندية فهو ممتن للشاه الدهلوي، لعل تسعة وتسعين في المائة من المشتغلين بالحديث في الهند يندرجون تحت سلسلته الحديثية. قلت ذلك احتياطا. يمكن أن يكون واحدا في المائة او أقل منه خارج هذه السلسلة، وإلا المرجوُّ أن مائة في المائة من العلماء المعنيين بالحديث مرتبطون بهذا الطاقم.
رحل الشاه ولي الله المحدث الدهلوي أيضا إلى الحجاز الشريفة، مكث هنا سنة واحدة. تلقى الشاه الدهلوي علم الحديث أولا من والده الشاه عبد الرحيم الذي تلمذ في مجال الحديث على الحاج محمد أفضل القاطن في مدينة سيالكوت التي تقع في إقليم بنجاب. أضاء الحاج محمد أفضل مشعل علم الحديث في هذه المدينة. فيشد الطلبة إليه الرحال بكثرة ليأخذوا علم الحديث منه. أخذ الشاه ولي الله الحديثَ في مكة المكرمة من أبي طاهر الكردي –الشيخ المعروف المنشغل بتدريس الحديث النبوي في مكة- وتلمذ عليه ثلاثة عشر شهرا. تأثر الشاه ولي الله بشخصيته جدا، حتى ألغى نية الرجوع إلى الهند، وأخبر شيخه أني أريد البقاء معك طيلة حياتي، ثم أنشد هذا الشعر أثناء كلامه:
نسيت كل طريق كنت أعرفه
إلا طريقا يؤدي إلى ربعكم
ولكن الشيخ أباطاهر الكردي أمره أن لايستعجل في اتخاذ القرار، بل يتمهل، ويعيد النظر فيه ويتفحص، ثم قال الشيخ الكردي بعد إمعان النظر في هذه القضية: لاتمكث هنا، ارجع إلى الهند، فأَرسَلَه بإلحاح، فرجع الشاه ولي الله ثقيلَ القلب منحطا، ولكن يُعرف من سلسلة الأعمال التي أنجزها الشاه الدهلوي بعد الرجوع إلى الهند، والتي ظل يفوح مسكها حتى يومنا، أن الشيخ أباطاهر الكردي كان ينوي له أمرا خاصا، فلذا أمَره بالرجوع. وقد أدرك الشاه أيضا بعد ذلك وفهم الأمر. وقد أبدع الشاه ولي الله المحدث الدهلوي في ميدان علوم الحديث بطريقة مبتكرة وسعي ناجح بالغ منتهاه، وأقام بناءه على أسس متينة مخلصة دام عبيرها باقيا إلى الوقت الراهن. ثمراتُ إنجازاته ما زالت تُرى بكل لمعان وبريق، يستفيد منها الناس، وروضةُ الحديث التي شيدها لاتزال أزهارها العطرة تعطر شبه القارة الهندية منذ مائتي سنة ونصف.
أقام الشاه الدهلوي حلقة تدريس علم الحديث وعلّم هذا الفن على أعلى المستوى، وأعدّ جماعة بارعة في الصنعة الحديثية. بعثها إلى نواحي الهند المختلفة، وأنشأ المؤسسات الحديثية، وصنّف بنفسه المصنفات الحديثية باللغة الفارسية والعربية، وعلاوة على ذلك اخترع في علوم الحديث فنا جديدا – ربما لاتصلح هنا كلمة الاختراع لأن نظائره توجد من قبل – ولكن الأسلوب الذي اختاره لاتوجد أشباهه في القرون السابقة.
يجدر بالذكر أن الشاه الدهلوي رحمه الله جمع ذَخائر الحديث كلها، وطالعَها، ثم أبرز ما فيها من أسرار الدين والحِكم، وأودعها في كتابه "حجة الله البالغة" ليمثل أمام القارئ روح النبوةِ والأحاديث كلها. هذه مأثرة . لهذا الكتاب ترجماتٌ بلغتي الأردية والإنجليزية، وقام الدكتور حميد الله بنقله إلى اللغة الفرنسية، ولكنه لم يطبع بعد. طبع الكتاب باللغة العربية –اللغة التي كُتب فيها- في العالم العربي عشرات المرات واستفاد منه المسلمون في أرجاء المعمورة كلها من مراكش إلى إندونيسيا، ومن جنوب إفريقيا إلى أقصى الشمال.
اختار الشاه ولي الله المحدث الدهلوي موطأ الإمام مالك ككتاب أساسي للحديث. كان يمدحه كثيرا، ويعده أفضل وأصح من الصحيحين، وكان ممن يعتقد أن موطأ الإمام مالك أصح الكتب بعد كتاب الله، ويزعم أن المدارس الفقهية كلها متأثرة – بطريق مباشر أو غير مباشر- بمؤطئه وهي بذرة تشعبت منها كلُ المدارس الفقهية والحديثية، ويقول: إن جميع المحدثين – بواسطة أو بدون واسطة- تلاميذ للإمام مالك رحمه الله، فلذا آثارُ شخصية الإمام مالك بارزة على أعماله الحديثية.
إن الإمام الشافعي ومحمد بن الحسن – المدوِّن الأَول للفقه الحنفي- تلميذان له بدون واسطة، والإمام أحمد بن حنبل تلميذه بواسطة واحدة، فالمذاهب الأربعة كلها ترجع إلى الإمام مالك ومتأثرة بفكره بواسطة أو بدون واسطة. فينبغي أن يكون موطأ الإمام مالك أساسا لتعليم الدين كله، ليتحد المسلمون بأسرهم على رصيفٍ واحد. في رأيه، يستطيع أهل الفقه، وأهل الحديث وجميع العلماء أن يجتمعوا ويتحدوا باسم الإمام مالك، وقد أوضح رأيَه هذا في أماكن عديدة بتفصيل جدا، وانطلاقا من هذا بدأ الشاه الدهلوي تدريس الموطأ لأول مرة في تاريخ شبه القارة الهندية. له على هذا الكتاب شرحان، أحدهما باللغة الفارسية المسماة بـ "المصفى"، وهو مختصر، كتبه لعامة المثقفين، والأخرى باللغة العربية، وهو مفصل، ألفه لمهرة الحديث، والطلبة. له أعمال وكتب أخرى في علم الحديث، منها كتابه العظيم، "شرح تراجم أبواب البخاري". فيه توضيح لفقه تراجم البخاري وتبيينٌ للحِكَم فيها. تعرض لهذا الموضوع كثير من العلماء، منهم : الشاه ولي الله الدهلوي. هذه المعلومة تكون وسيلةَ المتعة والسرور لأختنا التي سألت عن تراجم أبواب صحيح البخاري.
الشاه عبد العزيز رحمه الله:
تلمذ على الشاه ولي الله الدهلوي خلق كثير. أبرزُهم نجله الشاه عبد العزيز المحدث الدهلوي رحمه الله. عاش الشاه ولي الله الواحد وستين أو اثنين وستين عاما؛ ولكن بورك في حياة الشاه عبد العزيز المحدث الدهلوي، توفي وهو ابن ثمانين أو خمس وثمانين سنة، ودرَّس الحديث في الهند قرابة سبعين أو خمس وستين عاما. كان عمره ثماني عشرة أو تسع عشرة سنة عند وفاة والده. وفي تلك الآونة فرغ من دراسة العلوم، وكان حديث العهد بالتدريس. تولى مهمة والده، وبدأ تدريس الحديث والقرآن الكريم. إن الحلقات القرآنية الشعبية التي نراها اليوم في شبه القارة الهندية مؤسسها الشاه عبد العزيز المحدث الدهلوي رحمه الله. لم يعهد بمثل هذه الحلقات القرآنية على المستوى الشعبي قبل ذلك. كانت تُعقد في الأسبوع مرتين. يبلغ المشاركون فيها إلى الآلاف وتحضُر فيها الأسرة الملِكية المغولية، والأمراء والسُلطات العليا أيضا. شرع جدُّه في تدريس القرآن الكريم واستمر عليه بعده الشاه ولي الله؛ ولكنه كان للعلماء فقط، في إطار محدود. ذهب الشاه عبد العزيز مرة واحدة أو أكثر إلى القصر المغولي ودرَّس هنا، كما حضر أباطرة المغول أيضا في درسه.
قام الشاه عبد العزيز قرابة سبعين سنة بتدريس موطأ الإمام مالك وكتب حديثية أخرى كما أنه ألف كتابين عظيمين في مجال الحديث، أولهما: بستان المحدثين، وهو باللغة الفارسية. ترجمته الأردية متوفرة في المكتبات. وهو أول كتاب ظهر في شبه القارة الهندية حول تراجم المحدثين وخدماتهم، ليطلع العامي على مآثرهم وجهودهم. وتأليفه الآخر، العجالة النافعة، توجد له ترجمة باللغة الأردية مع شرحه كاملا. بيَّن فيه الشاه عبد العزيز الدهلوي أصول الحديث وعلومه باختصار، وألفه ككتاب مدرسي، فدُرِّست في كثير من المدارس إلى مدة طويلة.
(للحديث صلة...)
ـــــــــــــــــــــــــ
