صاغه بالعربية: د. محمد غطريف شهباز الندوي
(الحلقة الثامنة)
الدرس التاريخي
عند العلماء العِلمانيين يُعدّ "الطوفان العظيم" (Great Flood) أو العثور على سفينة نوح فوق جبل أرارات مجرّد قضية تاريخية، لكن من زاوية القرآن الكريم فهذا الحدث يحمل معنى أعظم، إذ يمثل درساً كبيراً للبشرية جمعاء.
هذا الحدث يذكّر بأن الطوفان الذي وقع في زمن نوح عليه السلام لم يكن سوى إنذار مبكر لطوفان أعظم سيأتي لاحقاً. فاكتشاف السفينة يُعدّ بمثابة إنذار للناس كي يستيقظوا ويستعدوا لذلك اليوم قبل فوات الأوان.
ونوح عليه السلام نبيّ ما قبل التاريخ المدوّن، لذلك لا نجد ذكره في المصادر التاريخية القديمة، لكن القرآن يصرّح بأن سفينة نوح ستبقى محفوظة لتكون آية للناس من بعده:
﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (القمر 54: 15)
واكتشاف الطوفان العظيم وبقايا السفينة فوق جبل أرارات هو في الحقيقة توثيق تاريخي (historical verification) لهذا البيان القرآني.
البُعد العِبري
ورد في حديث طويل بلسان المَلَك قوله: وَمُحَمَّدٌ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ، (صحيح البخاري، حديث رقم 7281) أي أنّ محمدًا ﷺ هو الفارق بين الناس. وكلمة "فَرْق" معناها الفصل بين شيئين.
ومعنى الحديث أنّ الله سيُطلق من خلال محمد ﷺ رسالة تفرّق بين الصالحين وغير الصالحين، فيُجازَى فريق بالنعيم ويُعاقَب فريق آخر.
وهذا المعنى ليس خاصاً بالنبي ﷺ، بل هو سُنّة جارية في كل الرسل: كل نبي جاء برسالة الله ليقيم التمييز بين من يقبل الحق ومن يرفضه، ليترتب على ذلك الجزاء أو العقاب.
وقد ترك بعض الأنبياء شواهد تاريخية حاضرة إلى اليوم، لتظلّ تذكرة دائمة بمشروع الله في التاريخ.
مثال موسى عليه السلام
في مصر القديمة، أدى موسى عليه السلام دعوته، فانقسم الناس إلى فريقين:
١- فريق آمن به (بنو إسرائيل)
٢- فريق كفر به (فرعون وأتباعه)
ثم جرى قانون الله: نُجّي موسى وقومه، وأُهلك فرعون بالغرق.
وقد قال الله عند غرق فرعون:
﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ (يونس 10: 92)
وقد تحقق هذا الوعد، فحُفظ جسد فرعون بالتحنيط في أهرام مصر، ثم كُشف في القرن التاسع عشر على يد علماء غربيين، وأثبتت فحوص الكربون أنه عائد إلى فرعون المعاصر لموسى. هذا الجسد المعروض اليوم في متحف القاهرة يتحدث بصمت عن عاقبة المكذبين.
مثال نوح عليه السلام
نوح عليه السلام أُرسل في أرض العراق القديمة (بلاد الرافدين). ظل زمناً طويلاً يذكّر قومه بأنهم في امتحان. فلما انتهت المهلة، جاء الطوفان.
نوح ومن آمن معه ركبوا السفينة، فنجوا، بينما غرق الآخرون. وقال الله بعد النجاة:
﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ...﴾ (هود 11: 48).
هذه الحادثة وقعت منذ خمسة آلاف سنة، حين لم تكن حضارة ولا تكنولوجيا. ولزمن طويل اعتبر الناس الطوفان مجرّد "أسطورة دينية"، لكن في القرن العشرين ظهرت أدلة أثرية:
1- وُجدت طبقات طينية في أور (Ur) بالعراق تدل على طوفان ضخم.
2- وعُثر على بقايا السفينة مجمّدة تحت جليد جبل أرارات في شرق تركيا.
وقد صار بالإمكان رؤيتها من الجو، وتخطط الحكومة التركية لتحويل الموقع إلى منطقة سياحية.
البُعد الأخروي
كما أن نفخ إسرافيل في الصور سيكون إعلاناً صوتياً لبدء القيامة، فإن ظهور سفينة نوح هو إعلان صامت عن نفس الحقيقة بلغة الحال.
وفي مؤتمر صحفي في هونغ كونغ (25 إبريل 2010)، أعلنت بعثة NAMI (Noah’s Ark Ministries International) أنها متأكدة بنسبة 99.9% من أنّ هيكلًا خشبيًا عُثر عليه على ارتفاع 12 ألف قدم في جبل أرارات، يعود إلى سفينة نوح، إذ يبلغ عمر الخشب 4800 سنة.
وقد أكد مسؤولون أتراك من إقليم "آغري" حضورهم المؤتمر، وأعلن وزير الثقافة والسياحة التركي ترحيبه بالاكتشاف معتبراً أنه سيدعم السياحة.
سفينة نوح أو الدابّة
جاءت في القرآن آية في سورة النمل: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾.
(27: 82)
أي: حين يقع القول عليهم نخرج لهم من الأرض دابّة تحدّثهم بأنّ الناس لم يكونوا يوقنون بآياتنا.
وقد ذكر القرآن والحديث معاً أنّ قبل يوم القيامة ستخرج دابّة. وظهور هذه الدابّة سيكون بمثابة نهاية عهد من عهود التاريخ الإنساني وبداية عهد آخر. فظهور الدابّة يُعدّ بمثابة الإتمام الأخير للحجّة على الناس جميعاً. وبعد ذلك سيقع الحدث نفسه ولكن على نطاق أوسع، وهو ما وقع في عهد نوح، أي إنقاذ الصالحين وهلاك غير الصالحين من خلال طوفان عظيم. غير أنّ هذا الطوفان سيكون طوفان القيامة.
وفي كتب الحديث وردت روايات عن الدابّة، وأصحّها ما جاء في صحيح مسلم، حيث ورد فيها أنّه قبل القيامة ستخرج دابّة (صحيح مسلم، حديث رقم 158). ولم يرد في هذه الرواية شيء مما ورد في الروايات الأخرى، مثل كون الدابّة معها عصا موسى أو خاتم سليمان وغير ذلك. وتلك الروايات الأخرى فيها كثير من التعارض، ولذلك اعتبرها العلماء المحققون ضعيفة أو موضوعة، مثل الإمام الرازي، والعلامة الآلوسي، والعلامة الألباني (والمحقق الإمام شبير أحمد أزهر الميرتهي: المترجم) وغيرهم. والصواب أنّه ينبغي الاقتصار على ما ورد في صحيح مسلم، وأما التفاصيل الأخرى المنسوبة إلى الدابّة فهي غير معتبرة ويجب إهمالها.
تحقيق معنى الدابّة
المعنى اللغوي للدابّة هو: الزاحف أو ما يدبّ. واستعمالها لا يقتصر على الحيوان، بل تُطلق على كل ما يسير سيراً بطيئاً أو يزحف. وهذا الاستعمال موجود في العربية وغيرها من اللغات. فيُقال مثلاً: دبّ الشراب في عروقه (أي سَرَى أثر الشراب في عروقه). ويُقال: دبّ الجدول (أي جرى الماء في النهر). ويُقال: دبّ السقم في الجسم (أي تسلّلت العلّة إلى البدن). ومن هنا سُمّي أحد أدوات الحرب بـ الدبّابة.
وقد استُخدم هذا المصطلح منذ القدم، إذ كانوا يصنعون مركبة على شكل حرف (U) مقلوب، يضعون تحتها عجلات، ويدخل فيها الجنود، ويدفعونها حتى يصلوا إلى أسوار الحصن، ثم يحدثون نقباً ويدخلون منه. فسُمّيت هذه الآلة دبّابة. وهذه التقنية الحربية القديمة باقية إلى عصرنا الحديث، إذ بُنيت الدبابات العسكرية الحديثة على هذا المبدأ نفسه.
وجاء في لسان العرب: «الدبّابة: آلة تُتّخذ من جلود وخشبة، يدخل فيها الرجال، ويقرّبونها من الحصن المحاصر لينقبوه، وتقيم ما يرمون به من فوقهم".
كذلك في اللغات الأخرى يُستعمل لفظ "الزحف" في هذا المعنى التوسّعي. مثلاً: حين تسير القطار ببطء شديد يُقال: القطار يزحف. وقد كتب الروائي الأميركي جيمس بالدوين عن سفينة فقال: The old boat creeps over the water no faster than a snail ( أي: السفينة العتيقة تزحف فوق الماء أبطأ من الحلزون).
تفسير الآية
- في قوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ ليس المعنى أنّها تنطق بالكلام، بل المعنى أنّها تدلّ وتشهد. وهذا الاستعمال ورد في مواضع أخرى من القرآن. قال تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ (الروم: 35). أي: هل أنزلنا عليهم حجة تشهد بصحة شركهم؟ فكما أنّ الكلام هنا بمعنى الدلالة والشهادة، كذلك هو في آية النمل.
- في قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾، المقصود بالآيات: العلامات والدلالات. وبيّن ذلك قوله تعالى في شأن نوح: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ۖ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (هود: 48). أي: إنقاذ بعض الناس كما أُنقذ أصحاب السفينة، وهلاك الآخرين بالعذاب. فـ "السفينة" هي سفينة نوح، و"الدابّة" تشير إلى دورها كعلامة.
تقسيم آية الدابّة (27: 82)
- ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾: أي حين يقرّر الله إنهاء التاريخ الإنساني.
- ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ﴾: أي بظهور السفينة من تحت الغطاء الجليدي حين ينكشف بفعل العوامل الطبيعية.
- ﴿تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾: أي أنّ على الناس حينئذٍ أن يرووا تاريخها ويُبرزوا العبرة منها، وأن ينهض المؤمنون بالقرآن لتبليغه للناس، لأنّ ظهور الدابّة سيكون تصديقاً لنبوءة قرآنية.
لماذا اختيرت السفينة؟
الصور (نفخة إسرافيل) هو الإعلان الناطق للقيامة، وسفينة نوح (الدابّة) هي الإعلان الصامت لها. فكما يُسمع الإعلان الأول بالأذن، يُرى الثاني بالعين. واختيار السفينة له أسباب:
- الحاجة إلى اسم ملتبس وفق سنّة الله (كما في الأنعام 9)، والدابّة يصلح أن يكون اسماً ملتبساً لها.
- الوسيلة الوحيدة التي تسير في الطوفان وتنقذ أناساً وتهلك آخرين هي السفينة.
- يمكن أن تبقى آلاف السنين تحت الجليد، ثم تظهر.
- تتحول إلى أثر محفوظ (fossil) ليكون آية للناس.
إذن، كانت السفينة هي الأمثل لتكون "الدابّة". فهي "تدبّ" فوق الماء، وظهورها من تحت الجليد يُجسّد تماماً معنى: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ﴾.
النتيجة
ذكر القرآن أنّ الدابّة "تُكَلِّمُ الناس"، أي تشهد عليهم بعدم اليقين بآيات الله، لكنه لم يقل إنّ الناس كلهم سيؤمنون بعدها. بل كما في عهد نوح، لن يؤمن إلا القليل، وأما الأكثرية فسيعرضون.
فالحق أنّ ظهور الدابّة (سفينة نوح) سيكون إعلاناً فقط، لا وسيلة لتحويل البشرية جمعاء إلى مؤمنين.
(يُتبع...)
ـــــــــــــــــــــــــ
