إنشقاق القمر: موقف الأستاذ غامدي

نقله إلى العربية: د. محمد غطريف شهباز الندوي

[مقتبس من حوار الأستاذ غامدي مع محمد حسن إلياس]

(14)

وقد عبّر الأستاذ الإمام أمين أحسن الإصلاحي عن إعلان سورة حٰم السجدة بكونه:

"تسليةً للنبي ﷺ وتهديدًا ووعيدًا لمكذّبي القرآن".

وفي بيان ذلك كتب:

"المعنى أن هؤلاء القوم إن لم يكونوا مستعدين للإيمان بالقرآن على أساس حججه وبراهينه، بل يصرّون على مطالبة الآيات الحسية لتصديقه، فإن الوقت قريبٌ الذي ستظهر فيه دلائل حقانيته، في نواحي مكة نفسها، بل في داخل مكة، وداخل قريش ذاتها، بحيث سيضطرون إلى الاعتراف قائلين: إن هذا القرآن حقٌّ لا ريب فيه. والمقصود بـ (الآيات) مظاهر غلبة الحق وانكسار الباطل، تلك الشواهد التي سبق أن تنبأ بها القرآن. وقد ذُكرت هذه النبوءة في هذه السورة نفسها في موضع سابق، مدعومةً بالبراهين التاريخية. في البداية، حمل زعماء قريش هذه الأمور على المباهاة والتعالي، وسخروا منها، ولكن لما بدأ الإسلام يرسخ جذوره في المدينة، وفي داخل مكة وحولها، بل حتى في نفوس خيار قريش أنفسهم، تنبَّهوا هم وداعموهم إلى خطورة الأمر. ثم بعد الهجرة وقعت أحداث من غلبة الإسلام جعلت من المستحيل على قريش، فضلًا عن الروم وفارس، أن يصمدوا أمامه." (تدبر القرآن، 7/128–129)

وتحت الآية المذكورة من سورة النمل كتب أستاذ نا الجليل:

"أي سيتبيّن لكم أن هذه هي تلك الآيات التي كنت قد أنذرتكم بظهورها. ومن المعلوم أن هذه الآيات كلها قد تجلّت بعد الهجرة، ورآها الناس بأعينهم، فشهدوا بأن رسول الله ﷺ أخبرهم بأمورٍ كانت غايةً في الصدق." (البيان، 3/581)

إنَّ شقّ القمر لم يكن في حقيقته إلا تعبيرًا عمليًّا عن ذلك القرار الذي كان قد أُعلن من قبل. لقد كانت هذه الآية علامةً كونيةً بالغة الغرابة، عظيمة الشأن، ظهرت في الآفاق على نحوٍ غير مألوف. وقد أبرزها ما فيها من الدهشة، والجلال، والرهبة، والهيبة بوصفها آيةً إلهيةً كبرى.

ومن حيث الطبيعة، فإنها تندرج ضمن تلك الآيات التي أظهرها الله تعالى مباشرةً، من غير أن يتوسّط فيها نبيٌّ بالفعل أو القول. فهي، بهذا الاعتبار، من جنس العلامات التي ظهرت من قبل في عهود أنبياء بني إسرائيل.

ومن أمثلة ذلك: إنزال المنّ والسلوى، وتظليلهم بالغمام، ورفع جبل الطور فوقهم، وخلق السيّد المسيح عليه السلام من غير أب.

غرض حادثة انشقاق القمر

يتّضح من القرآن أنَّ آيةَ انشقاقِ القمر كانت موجَّهةً إلى كُفّارِ قريش، وكان مقصدُها تنبيهَهم إلى "السّاعة"، أي لحظةِ القيامة. وبالنسبة لمكذِّبي الرسول، تبدأ هذه الساعةُ بالعذاب الذي يقع في الدنيا نفسها نتيجةَ الإصرار على التكذيب، ويكتمل أمرُها حين يُنفَخ في الصور فتقوم القيامة.

ولفهم حقيقة هذا العذاب، لا بُدّ من فهم دعوة الأنبياء. وتفصيل ذلك أنّ أنبياء الله يأتون إلى الدنيا من أجل الدعوة إلى الله والإنذار والبشارة بالقيامة؛ أي إنهم يدعون الناسَ إلى الله ربِّ العالمين، ويبشّرون المؤمنين بحُسنِ المآل يوم القيامة، ويُنذِرون غيرَ المؤمنين بسوءِ العاقبة. وهذا هو الواجبُ الوظيفيُّ للأنبياء. وقد عبَّر القرآن عن هذا الواجب بهذه الألفاظ:

کَانَ النَّاسُ اُمَّۃً وَّاحِدَۃً فَبَعَثَ اللّٰہُ النَّبِیّٖنَ مُبَشِّرِیۡنَ وَمُنۡذِرِیۡنَ....

(البقرة2: 213)

وجاء ذلك في النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ آتية:

یٰۤاَیُّہَا النَّبِیُّ اِنَّاۤ اَرۡسَلۡنٰکَ شَاہِدًا وَّ مُبَشِّرًا وَّ نَذِیۡرًا. وَّ دَاعِیًا اِلَی اللّٰہِ بِاِذۡنِہٖ وَ سِرَاجًا مُّنِیۡرًا. (الأحزاب33: 45-46)

إنَّ اللهَ تعالى يَختصُّ بعضَ الأنبياء، إلى جانب منصب النبوة، بمنصب الرسالة أيضًا. ومعنى ذلك أنَّ الرسول يُبيِّن الحقَّ لمخاطَبيه بيانًا نهائيًّا لا يَترك مجالًا للعذر، فتقوم حجَّةُ الله عليهم قيامًا تامًّا، وكأنَّ محكمةَ السماء تُنصَب في الأرض، فيُحسَم مصيرُ المكذِّبين الأخرويُّ حسمًا قاطعًا، ويُنفَّذ حكمُه عمليًّا في هذه الدنيا نفسها. فكأنَّ قيامةً صغرى تقوم على مكذِّبي الرسول، ويُقضى لهم بالجنة أو النار في حياتهم الدنيوية.

وتدلُّ القصصُ التي عرضها القرآن عن هؤلاء الرسل بوضوح على أنَّ هذا هو القانون الإلهي الجاري؛ فقد أُهلك منكرو نوح وصالح ولوط وهود وشعيب وموسى عليهم السلام بعذابٍ سماوي، فأُبيدوا عن آخرهم. وكذلك فإنَّ مكذِّبي رسول الله ﷺ قد أُهلكوا وفق القانون نفسه، ولكن على أيدي أصحابه، بسيوفهم، تنفيذًا للحكم الإلهي.

وفي هذا السياق، تأمَّل افتتاح السورة؛ إذ جاء فيه أنَّ الساعة — أي ساعة العذاب — قد اقتربت على منكري قريش، وهي الساعة التي كان رسول الله ﷺ يُنذرهم بها، وأنّ الله أراهم آيتها بانشقاق القمر. وبعد هذه التمهيد، أُشير إلى أخبار الأمم السابقة، وذُكِّر بأنَّهم هم أيضًا كذَّبوا رسلهم، فكان مآلهم الهلاك التام.

فقد كذّبت قوم نوح فأُغرقوا في الماء، وكذَّبت عاد فأُهلكوا بريحٍ عاتية، فصارت جثثهم كأنها أعجاز نخلٍ خاوية تتدحرج بقوة الريح. وكذّبت ثمود فجعل الله لهم الناقة آية، فلما عقروها أهلكهم بصيحةٍ مروِّعة ورجفةٍ مهلكة، فدُمّرت ديارهم تدميرًا كاملًا. وكذّبت قوم لوط فأُهلكوا برياحٍ تحمل الحجارة، فدُمّروا تدميرًا شاملًا. وكذَّب قوم فرعون أيضًا، فأخذهم الله أخذ عزيزٍ مقتدر، ففناهم عن بكرة أبيهم.

وبعد عرض هذه الشواهد التاريخية، يقرِّر القرآن حقيقةً قاطعة: إذا كان التكذيب قد أفضى بتلك الأمم إلى العذاب، فكيف يمكن أن يكون مآل تكذيبكم مختلفًا؟ إن استمررتم على هذا النهج قليلًا بعد، فاعلموا أنّ وقت عذابكم قد اقترب هو الآخر.

وإنَّ حادثة انشقاق القمر ليست إلا علامةً من علاماته؛ فهي تُنبّه إلى أنّ القادر المطلق، الذي يستطيع أن يشقّ جرمًا عظيمًا كالقمر ثم يُعيده كما كان، لا يعجزه أن يُفرِّق تجمعاتكم ويُعيد جمعها من جديد. فكونوا على حذر: إنَّ ساعتكم—قيامتكم الصغرى—قد اقتربت، ومعها ليست القيامة الكبرى ببعيدة.

ثم جاء في ختام السورة قوله تعالى ويتلو ذلك البيان الإلهي الحاسم:

"اَکُفَّارُکُمۡ خَیۡرٌ مِّنۡ اُولٰٓئِکُمۡ اَمۡ لَکُمۡ بَرَآءَۃٌ فِی الزُّبُرِ. اَمۡ یَقُوۡلُوۡنَ نَحۡنُ جَمِیۡعٌ مُّنۡتَصِرٌ. سَیُہۡزَمُ الۡجَمۡعُ وَیُوَلُّوۡنَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاعَۃُ مَوۡعِدُہُمۡ وَ السَّاعَۃُ اَدۡہٰی وَ اَمَرُّ. (القمر 54: 43-46)

(للحديث صلة ...)

ـــــــــــــــــــــــــ