تفريغ النص الأردي من الفيديو[4]** وصياغته بالعربية: عثمان فاروق
(الخلافة، الأمّة، وعالَمٌ إسلامي منقسمٌ ...)
هل الخلافة أو الإمامة جزء من الإيمان؟ إذا سُئلتم: ما أركان الإيمان؟ فستقولون: الإيمان بالله، وبالرسالة، وبالآخرة، ولا يقول أحد إنّ الخلافة داخلة فيها. ولكن، أليس إقامة العدل جزءا من الإيمان؟ أليس منع الظلم جزءا من الإيمان؟ إن القرآن يقول: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ فهل النظام الذي يقيم العدل خارج عن دائرة الإيمان؟ ليست الخلافة ركنا من أركان الإيمان، ولكنها نظام يواصل مسيرة مهمة النبي عليه الصلوة والسلام ويمضي بها قدمًا.
لقد قِيل لنا إنّ الخلافة تصوّر قديم، ولا يمكن تحقيقه في العالَم الحديث، وإنها تعارض الحرية والأفكار العصرية وحرية الفكر، فسلمنا بذلك. وفي الحقيقة، كثيرا ما نسلم بأمور دون أن نسأل: من أين جاءت؟ ولماذا جاءت؟
ولكني أطرح عليكم اليوم سؤالا دقيقا:
إذا كانت الخلافة غير ضرورية فعلا، فلماذا بذل كل هذا الجهد لإنهائها؟ وليس الأمر مجرد إنهائها فقط، بل لماذا، إلى اليوم، إذا سمع ذكر الخلافة، أو دار حولها نقاش نظري، يبدو كأن في الأوساط الفكرية والسياسية في الغرب قلقا واضطرابا وخوفا؟ لماذا يُقال على الفور إنها صوت خطير متطرّف ويقال إنه يعارض العالم الحديث.
ولكن عندما سقطت الخلافة، لم يكن ذلك مجرّد زوال مؤسّسة سياسيّة، بل نشأ في داخل الأمة فراغ فكريّ. حتى في مناطق مثل الهند، حيث لم تكن الخلافة موجودة مباشرة، قامت حركة كبيرة لإعادتها. وبدأ الناس يبحثون عن خليفة بديل، وطرحت أسماء: شريف مكة، وملك مصر فؤاد، بل وحتى نظام حيدر آباد.
أما نظام حيدر آباد، وكان حاكما مسلما قويا، ذا موارد واسعة وسلطة نافذة، فقد كان قادرا على كثير من الأمور، والحقيقة أنه قد فعل كثيرا. فبعد غياب الخلافة، تحمل إلى حد ما مسؤوليات الخليفة؛ فتكفل بشؤون مكة والمدينة ونفقاتهما وخدمتهما. وليس هذا فقط، بل قدّم الدعم أيضا لأسرة آخر خليفة؛ فزوّج ابنتيه من ولديه وأسكنهما في بيته وخصّص مبلغا كبيرا لنفقة معيشتهما. أي إنه كان يساند بموارده مؤسسة الخلافة وهي في حال انحدار، ولكنه لم يكن يستطيع أن يعلن نفسه خليفة، ولم يكن بإمكانه أن يعلن إحياء الخلافة؛ لأن القُوى التي كان يستند إليها هي نفسها التي هدّمت مؤسسة الخلافة.
فليست هذه قصّة شخص واحد، بل هي قصة عصر بأكمله؛ عصر كانت النيّة فيه موجودة، والموارد متوافرة، ولكن الحرية كانت غائبة. فما السبب في ذلك؟ ولماذا يحدث هذا؟
إن تقسيم المسلمين إلى دُوَل قوميّة، وإلى فِرق وجماعات، يُعدّ أمرا مقبولا، بل يجري التشجيع عليه، ولا يواجه باعتراض. ولكن ما إن تذكر ’المركزية‘، أو يستحضر مفهوم ’الأمة‘، أو ينطق بلفظ ’الخلافة‘، حتى يتولد خوف وقلق. وذلك لأن الخلافة ليست مجرد مؤسسة سياسية، بل هي مركزية فكرية ومحورية أيديولوجية(Ideological Centrality) تربط المسلمين بسلسلة تاريخية متصلة، تبدأ بالرسول ﷺ، ثم أبي بكر، عمر، عثمان، وعلي رضي الله عنهم؛ سلسلة تبقي مهمة حيّة في العالَم.
وليست مجرّد حكومة بل هي رؤية (Vision)؛ بمقتضاها تعد الأرض أمانة، وتعدّ الأمة الأخيرة مسؤولة عن رعايتها وحفظها. ويجب علينا أن نمنع الظلم ونقيم العدل وألا نهدر الموارد، وأن نصون حقوق الأجيال القادمة في الموارد الطبيعية. وينبغي أن ينال كل إنسان، مهما كان دينه أو عرقه، حياة كريمة.
وليس هذا مجرّد سياسة، بل هو مسؤولية حضارية (Civilizational Responsiblity)، ومن هنا يتعمّق السؤال أكثر.
هل يمكن تحقيق كل ذلك في إطار الدولة القومية؟
أم ينبغي أن نسأل: هل الدولة القومية تفكك هذه الرؤية وتجزئها؟
فنعود إلى سؤالنا الأصلي: هل يستطيع الإسلام أن يظلّ حيّاً في إطار الدولة القومية؟
وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد أن ننظر فيما يقوله القرآن، وما الذي حدث في المدينة المنوّرة، وكيف نظم الإسلام الأمة.
والآن نتجه إلى القرآن: ماذا يخبرنا القرآن عن الأمة؟ ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. وليس هذا فحسب، بل يحذرنا القرآن أيضا: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. فانظروا حولكم: هناك تنازع، وهناك ضعف كذلك. وليس هذا كلاماً مجرّداً، بل هو واقعنا السياسي: دُوَيلات إسلامية صغيرة، لكل منها حدودها، وعلى تلك الحدود نزاعات مستمرة. وهذه الحدود لم نرسمها نحن، بل رسمتها قوى خارجية، دون مراعاة للتاريخ أو للانتماء أو للهوية الحضارية، ولا الأصول العرقية ولا الروابط العائلية.
أنظروا إلى الأكراد، أمة واحدة قسمت بين عدّة دُوَل. وانظروا إلى عائلات واحدة تفرق أفرادها في بلدان مختلفة. الهند وباكستان وبنغلاديش، لم تقسم الأرض فقط بل تقطعت الروابط والعلاقات. ثم أصبحت هذه الحدود (Boarders) نفسها سببا للنزاع؛ فهي ليست مجرد خطوط على الخريطة بل نظام ينتج الصراع (Conflict Generating System). فحيثما وجدت الحدود وجد النزاع، وحيثما وجد النزاع وجد الضعف. الإنسان واحد، ولكننا قسمناه إلى أجزاء.
ولا يدعونا القرآن إلى الوحدة فحسب، بل يكلّفنا برسالة أيضا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ليس لأنفسكم فقط، بل للناس؛ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر. وهذا لا يتحقق على المستوى الفردي وحده، بل يحتاج إلى نظام جماعي، ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ فإقامة العدل لا تتم بالموعظة وحدها، بل تحتاج إلى قوة (Power) وإلى بنية منظمة (Structure). ويقدّم لنا القرآن تصوّرا للمسؤولية، ويقدم لنا تصورا للعدل ولاستخلاف الإنسان في الأرض، ولكن صياغة هذا التصور في بنية معينة هي مسؤولية كل زمان. وفي النهاية تسلم الأرض إلى الذين يديرونها بالعدل. ولا يفرض القرآن علينا نموذجا سياسيا محددا، ولكنه يبين لنا أننا أمة واحدة، وأن علينا مسؤولية: أن نقيم العدل وأن نرعى الأرض ونحسن إدارتها. وهذا كله لا يمكن أن يتحقق دون نظام منظم.
(يُتبع ...)
ـــــــــــــــــــــــــ
