(دراسة حديثية فقهية نقدية)
(الحلقة الثالثة)
المطلب الثاني: أسباب اختلاف الفقهاء في المسألة
إن السبب الأساس لهذا الاختلاف بين العلماء والفقهاء في المسألة يرجع إلى اختلافهم في ثبوت ما رُوي في الباب من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبولها وردّها. فالعلماء الذين يرون ثبوت أحاديث الأذان والإقامة في أذن المولود عن النبي صلى الله عليه وسلم ويحتجُّون بها؛ هم يقولون بشرعية واستحباب التأذين والإقامة في أذن الوليد. والعلماء الآخرون الذين يصحّحون أحاديث الأذان فقط دون الإقامة، هم يرون مشروعية الأذان فحسب، وأما أصحاب العلم الذين يرون عدم ثبوت مرويّات الباب كلّها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فهم يقولون بعدم شرعية هذا العمل كلّه للمولود، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى هناك من العلماء من يحتجون بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال، وهم يعتبرون عمل الأذان والإقامة في أذن المولود أيضًا من فضائل الأعمال، فهم يستدلون بها في تشريع هذا العمل مع اعترافهم بضعفها من ناحية الثبوت كما قال به الدكتور سامي بن فرج الحازمي[17].
والفريق الآخر من العلماء كما لا يَحتجّ بالأحاديث الضعيفة في أيّ بابٍ من أبواب الدين، كذلك لا يقبل أحاديث الأذان والإقامة للمولود، ولا يحتج بها لعدم ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم عنده وفق الصناعة الحديثية كما قال به الشيخ أبو إسحق الحويني[18] وغيره من العلماء.
ومن المعلوم أن الفقهاء الحنفية يقولون بردّ أخبار الآحاد في الأمور والأعمال التي تعمّ بها البلوى، ويرى الباحث أن نوعية عمل الأذان والإقامة في أذن الوليد في الواقع مما تعمّ به البلوى، فأخبار الأحاد في هذه القضية تكون مردودةً عند من يعترف بهذه القاعدة الأصولية المعترف بها عند كبار العلماء الحنفية، ويطبّقها على هذا العمل خلافًا للجمهور.
وكذلك من قال من العلماء بأن هذا العمل من نوعه عملٌ مستقلٌّ بذاته، والأحكام والسنن المستقلة بذاتها لا تثبت في الشريعة الإسلامية إلا بالنقل المتواتر وإجماع الأمة، ولا بد لها أن يشرعها الشارع لعامة المسلمين ويبلّغها ويقررّها قطعيّةً، وأن ينقلها الصحابة والمسلمون من بعدهم عن الشارع صلى الله عليه وسلم نقل العامة عن العامة كما قال به الأستاذ جاويد أحمد غامدي[19]؛ ففي ضوء هذا الضابط للأستاذ، وعند من وافقه عليه من أهل العلم؛ لا يثبت عمل الأذان والإقامة في أذني الوليد استدلالًا بأخبار الأحاد المروية في الباب خلافًا للآخرين.
فيتحصّل مما سبق من كلامنا أن هناك أربعة أسباب لاختلاف أصحاب العلم في المسألة، وهي:
- اختلافهم في ثبوت أحاديث الباب وصحتها عن النبي صلى الله عليه وسلم.
- اختلافهم في اعتبار عمل التأذين والإقامة في أذن المولود من فضائل الأعمال، ومسألة قبول الأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال.
- اختلافهم في قبول أخبار الآحاد وردّها في الأمور التي تعمّ بها البلوى.
- اختلافهم في قبول أخبار الآحاد في سنن الشريعة التي تستقل بذاتها.
خلاصة المبحث الثالث
إن أهل العلم قد اختلفوا في حكم الأذان والإقامة في أذني المولود قديمًا وحديثًا إلى ثلاثة أقوال، وهي:
- استحباب وسنية التأذين في الأذن اليمنى للمولود والإقامة في اليسرى.
- استحباب التأذين في أذن المولود اليمنى فحسب دون الإقامة في الأذن اليسرى.
- عدم مشروعية الأذان والإقامة في أذني المولود.
وإن هذا الاختلاف لأهل العلم في المسألة له أسباب أصولية تقدم ذكرها آنفا.
(يُتبع)
ـــــــــــــــــــــــــ
