ترجمة من الأردية: د. محمد غطريف شهباز الندوي
(16)
العلم الاضطراري
یوزع العلم إلی قسمین: بديھي ونظري، ویعرف البديھي بعلم یحصل بذاته بغیر ما تفكر ولا تدبر، ونظري یعرف بعلم یكتسب من البدھي نفسه بطریق التفكر والنظر وعُلم من ذلك أن البديھي ھو الأصل والأساس وكل شیئ ما عداه فرع له.
وقد ابتدأت الفلسفة من بحث و تمحیص عن الحقائق الخارجیة، ثم بدأ الكلام عن ماھیة المدارك وفرض البديھي أصلا وعلامته أنه لایختلف فیه أحد. إلا أن الإنسان یفكر ویختلف في كل شیئ. ومن ثم تولد الظنون والشبھات في ھذه التعریفات والتقسیمات. فالآن یصر فریق إصرارا على أن المعلوم ھو المحسوس فقط وھو الأصل یتفرع منه سائر الأفكار والمشاعر مما نعلمه بحواسنا فقط، فدماغ الإنسان ھو اللوح الخالي (Tabula Rasa) لایوجد فیه شیئ قبل إدراكنا. والجماعة الثانیة تقول إن العلم في الحقیقة ھو واردات النفس وخلجات الصدر ولا نوقن بوجود موجود إلا النفس المدركة. والفریق الثالث یدعي أنه لیس ھناك شیئ یقیني ماعدا الأثر المحسوس الملموس. علی حین أن الفریق الرابع یعلن عن عدم قطعیة الإثنین: الحس والفكر، ولذا فلا یوجد عندھم شیئ یقال له الیقین والقطع في الدنیا.
وما ھي النتیجة عن ھذه المباحث؟ الفریق الأول قد أنكر العقل، والروح والإلـٰه والمعاد. الثاني لا یؤمن بھذا العالم المحسوس، والثالث ینكر كلاھما ولایثبت إلا العلم المحض والرابع ینفي العلم والیقین مطلقا فلا یؤمن بھما. وحینما قال دیكارت (Descartes) "انا أفكر فانا موجود فإنه حاول لإخراج العلم والتفلسف من ھذا التشكیك[7] كما أن في عصر ما بعد الحداثة إن ھذه السوفسطائیة ترید إثبات مدلولھا من طریق تحلیل اللغة. فإنھا تقول إن أیة علامة أو لفظة (Signifier) لاتبین معنا معینا مستقلا لشیئ معین (Signified) لأنه لایوجد وجود محتم لشیئ معین. إنك تعني أي معنیً لِلفظ عبَر الفاظ أخری متواجدة في جملة ما. فإذا أضفت لفظا إلیھا أو أسقت منھا لفظة ستتغیر دلالة الجملة بأسرھا. ویعني ذلك أن ھناك لا وجود لأیة دلالة لا في الألفاظ ولا في الجمل ولا في أي شیئ. وكل لفظة في جملة ما لا تحتمل دلالة بكل معنی الكلمة ولذا تؤخر الدلالة إلی تواجد لفظ أو ألفاظ أخری في الجملة. وكذلك فإن المعنی یتجه جھة ما بطریق ألفاظ مختلفة. وسیاق العبارة یغیر المعاني دالماً فلا تكون حتما قطعیا أبدا. ولذا الأقدار والقیم المتصلة بالمعاني أیضا بلا معنیً ولا تكون حتما.
وبالأسف إن حاملي ھذه النظریة لم ینتبھوا إلی أن استدلالھم ھذا بنفسه ینم عن یقينھم بصحة نظر ودلیل. فمن الحقیقة التي لاتجحد أن إبطال الیقین لا یحصل إلا بیقین آخر أكبر منه، وھو اضطرار الإنسان. فإنه ینتج كل إبطال إحقاقاً لشیئ آخر. ومن مأساة الإنسان أنه ربما یعرض عن ذلك مغلوبا بعواطفه. فالحریة الشخصیة والفردیة التي لھا یموتون ھؤلاء إنها ھي الأخریٰ قیمة من القیم والإصرار علی نفي كل القیم والأقدار لاتھدف إلا وإثبات قیمة أخری كأنھا الحال ما یعبر عنه المعجز المطلق. فھذا ھو حكایة سفر للذین خرجوا بحثاً عن الحقیقة من غیر ترشید للوحي الالھي ولم یكن إقبال علی خطأ حین قال ومفھومه:
"إن العلم القائم علی العقل والدلیل ھو لیس الإفرط الحیرة."
وعلی خلاف ذلك فإن القرآن یؤسس استدلاله علی علم طبیعي مفطور علیه وملھم في النفس الإنساني. فإن ھذا العلم ھو في الواقع أساس لكل علم وعمل للإنسان وفكره واستدلاله. فلاشك أن الإنسان أول ما ینظر إلی شیئ ھو بدیھي فبطریق ابتناءه أصلاً وأساساً ینطلق الإنسان في بحثه وتفتیشه. إنه لا ینتبه أنه في الحقیقة علمه الفطري الذي یوصله إلی البدیھیات ویھدیه إلی النظریات. وإن لم یكن ھذا العلم المفطور لا یوجد ھناك بداھة ولا نظر ولا استدلال. لأن الشیئ الوارد من الخارج ھو الموضوعات. وحكمھا لا یأتي من الخارج وإنما یحصل في النفس من قبل. وھو الذي یحكم ویبدل موضوعات إلی مواضیع حدیثة لیحكم علیھا حكما ثانیا. والذوق والإدراك كلاھما ظھور لذلك. والأول منھا مصدر للعمل والثاني مصدر للعلم. وھو مرجع ومنبع لكل من الذات والصفات، والحامل والمحمول، والفعل والانفعال، والحسن والقبح والمدرك وغیره وھو مصدر الفرق والامتیاز في الذات وعوارضه.
(للحديث صلة ...)
ـــــــــــــــــــــــــ
