1-الإيمان بالله
الله هو اسم علم لخالق السماوات والأرض وسائر المخلوقات، وقد تميّز استعماله منذ البداية للدلالة على رب العالمين، واستخدمه عرب الجاهلية قبل بعثة النبي (ص) للمعنى ذاته، وهو في الحقيقة من بقايا الديانة الإبراهيمية التي ورثها العرب.
إنّ الاعتراف بوجود الله هو فطرة مغروسة في طبيعة الإنسان، ويتجلّى هذا الاعتراف، كما يقول القرآن، في صيغة عهد وميثاق بين العبد وخالقه، ويشير القرآن إلى هذا الأمر باعتباره حدثاً واقعيّاً، وليس شيئاً مجازيّاً؛ ولكن منذ أُرسِل الإنسان إلى هذا العالم، مُسِحَت هذه الحادثة من ذاكرته، ومُحِيت من قلبه بهدف إخضاعه إلى التجربة والامتحان. ومع ذلك فإنّ جوهرَها عالق في أعماقه، ومتأصِّل في روحه، لا يُمكِن لشيء أن يمحوَه، فهو لا يلبث أن يصعد إلى ذاكرته ما لم يكن هناك عائق نفسي أو مادي يحول دونه، فإذا به يقفز إليه فرِحاً كما يقفز الطفل إلى أمه، وينجذب إليها بيقين وكأنّه يعرفها من قبل، رغم أنّه لم يرَ نفسه وهو يخرج من رحمها إلى الدنيا. ويشعر الإنسان أنّ هذا العهد الذي قطعه مع الله تعالى هو استجابة لحاجة طبيعية في أعماقه، ما إن يجده حتى يشعر بأنّ كل مستلزماته ومتطلبات ذاته قد تحققت، ويؤكد القرآن أنّ شهادة الذات الداخلية العميقة لوجود الله لا تُنكَر؛ وما دام المرء يضع العناية الإلهية نُصبَ عينيه، فإنّه سيكون مسؤولاً أمام الله على أساس هذه الشهادة.
وقد مُنح الإنسان - إلى جانب هذه الهداية الفطرية - القدرةَ على استخلاص النتائج ممّا يراه بعينه أو يسمعه بأذنه أو يلمسه بيده، وهي استنتاجات تتجاوز هذه المَلَكات والقدرات في الواقع. ومن الأمثلة البسيطة لتوضيح ذلك، قانون الجاذبية الأرضية، فالتفاحة إذا سقطت لا تسقط إلّا على الأرض، وإذا رفعت عن الأرض حجراً شعرت بثقله، واحتجتَ إلى جهد كي ترفعه، وارتقاء السلّم أصعب من نزوله، والقمر والنجوم تدور في مساراتها وأفلاكها. ظلّ الإنسان يشاهد هذه الظواهر لعدّة قرون، حتى اكتشف (نيوتن) قانون الجاذبية الأرضية التي لا تُدرَك بالحواس، ومع ذلك، فإنّ العالم كلّه يؤمن بها كحقيقة علمية مقبولة. والسبب في ذلك أنّ كلّ النظريات والحقائق المعروفة تنسجم معها. يشرح هذا القانون جميع الحقائق التي يمكن ملاحظتها، ويفسَّر على ضوئه الكثير من الظواهر الطبيعية المحسوسة؛ وحتى الآن لا يوجد قانون آخر قادر على تفسير الظواهر المختلفة كما فسّرها هذا القانون.
من الواضح أن هذه العملية هي استخلاص للمحسوس والملموس من غير المحسوس والملموس. وعندما يستفيد الإنسان من قدرته هذه، ويدرس العالم من حوله، فإنّ هذه الدراسة تُثبِت له تلك الحقيقة الكامنة في ذاته الداخلية أيضاً.
وهكذا يرى الإنسان كلّ شيء في الكون بوصفه تجليّاً إعجازياً خارقاً من تجليات الخلق والتكوين، ومظهراً من مظاهر الإبداع المُعجِز، إذ يبدو الوجود كلّه زاخراً بالمعاني والدلالات العميقة، ودليلاً على عظمة إبداع الخالق الذي فطر السماوات والأرض بمقاييس وحقائق رياضية وهندسية فائقة، ليس لها من تفسير سوى أنّ هناك خالقاً عظيماً لها، وأنّ هذا الخالق لا يبدع خلقه بصورة عشوائية ودون ضوابط مُحكَمة، بل على العكس من ذلك، هو خالق ذو عقل لا يُسبَر غورُه، ذلك لأنّ القوة إذا لم تكن نابعة من كائن حكيم عليم كليّ المعرفة، فإنها تصبح مجرّد طغيان، وحقيقة الحال هي أنّ الأمر ليس كذلك، فالله ليس قوة غاشمة، بل هو عقل كلّي شامل فاضت منه الأشياء متدثرةً بلبوس الانسجام والتناغم. فهذا التعبير عن القوة والسُّلطة والقدرة له وجاهته وأسبابه، وهو متناغم ومفيد للغاية، وينتج عجائب عظيمة لا يمكن أن تنتجها قوة عشوائية غير منضبطة.
وعلى الرغم من كفاية تلك الأدلة على وجود الخالق، أراد الله أن يكمل الحُجّة على الإنسان، وألّا يترك له أي عذر أو تبرير يُنكِر به ربوبيتَه، فاتّخذ خطوة أبعد تمثلت في أنّه بدأ البشرية بآدم، وهو الإنسان الأول الذي سمع مباشرة من الله، ورأى ملائكته؛ وبهذه الطريقة شهد مباشرة للحقّ. وقد اتخذ الله تعالى هذه الخطوة كي تنتقل هذه الشهادة لله بعد وفاة آدم إلى أحفاده جيلاً بعد جيل، وكيلا يصبح مفهوم الله والآخرة غريباً في أيّ عصر من العصور، وفي أيّ مكان على الأرض، وعند أيّ جيل من البشر.
ليس هذا فحسب، بل بمجرد إرسال الله آدم وحواء للعيش في هذا العالم، جعل لهما وسيلة لمعرفة ما إذا كان إيمانهما وأعمالهما مقبولة لدى الله أم لا. كان ذلك بمثابة جعل كلّ إنسان في ذلك الوقت يختبر الحقيقة ويراقبها مباشرة كي يصبح من بين الشهود مع أسلافه. وكانت الوسيلة المعتمدة لهذا الغرض هي أن يقدم الناس الذبائح أمام الله من أجل استجلاب علامات الرضا الإلهي وقبوله، فإذا قدم المرء ذبيحة وقبلها الله أرسل عليها ناراً تأكلها علامةً على قبوله لها.
ويتضح من هذه المناقشة أنّ وجود الله هو حقيقة فطرية تنتقل من الأسلاف إلى الأبناء، ونلمس وفرة الشواهد على صحتها في المادة الجامدة والمادة الحية كلتيهما. ومع ذلك، تبقى هناك تساؤلات: من هو هذا الكائن؟ وما صفاته؟ وما النواميس والأحكام التي وضعها لنفسه؟ هذه هي الأسئلة التي يثيرها عقل كلّ من يريد معرفة الله التي تعتبر ضرورية للإيمان. وسنحاول تلمّس الإجابة عن هذه الأسئلة فيما يلي:
