5-1- دلائله وبيّناته
الشاهد الأول هو وعي الإنسان بالخير والشرّ. وبفضل ذلك الوعي، فإنّ ضميره يؤنّبه عندما يقترف الذنب. وهو محكمة عدل صغيرة في أعماق كلٍّ منا تُصدِر أحكامَها النزيهة في كلّ وقت. والإنسان قادر على سماع هذا الحكم بوضوح بعد كل زلّة ترد في خاطره أو أعماله سواء قبل به أم لم يقبل. ويستمر على ذلك حتى يتورط في الشرّ إلى الحدّ الذي يحيط بكيانه، وبذلك يهدهد نداء الضمير الذي لا يلبث أن ينام. هذا التأنيب العميق هو شهادة ذاته الداخلية التي تسمّى شهادة (النفس اللوّامة) التي يشير إليها القرآن ليخبر الإنسان أنّه لن يهرب من الحساب على كلّ ما يفعله، ويجب عليه أن يعرف أنّ محكمة الضمير الصغرى هي مقدّمة تمهّد لمحكمة كبرى في يوم القيامة، إذ يحاسب الله الناس على أعمالهم حساباً يكون فيه العقاب والثواب من جنس العمل.
والشاهد الثاني هو طبيعة الإنسان التي جُبِلت على حبّ العدل وكراهية الظلم. ورغم كراهية الظلم، فما زال الإنسان يقترفه، ليس بسبب عجزه عن التمييز بين هذين النقيضين، أو بسبب حبّه الظلم، بل بسبب فقده التوازنَ والاتزانَ تحت تأثير غرائزه وعواطفه. وكلّنا يعرف أنّ الإنسان عموماً يكيل بمكيالين: تُسوّل له نفسه أن يسرق ويقتل ويطفّف في الميزان، ولكنّه لا يقبل أن يكون هو نفسه ضحيةً للممارسات نفسها؛ فإذا سألنا اللصوص والقتلة والمحتالين عن أعمالهم أقرّوا بذنوبهم، وتمنّوا زوال أسبابها، وهكذا لا يمكنُ لأحد بكامل قواه العقلية أن يساوي بين الخير والشر، وأن ينظر إليهما بعين واحدة. يقول القرآن تصديقاً لذلك: ﴿أفنجعلُ المسلمين كالمجرمين، ما لكم كيف تحكمون﴾[7].
والشاهد الثالث هو النقص الموجود في الإنسان والكون كليهما، فمهما كان المنظور الذي نرى به الأشياء، فمن الواضح أنّ قوة الخالق وحكمته تتجليان في كلّ جزء منهما. ثمة دلالة رائعة في كل ذرّة، ونظام وتسلسل لا نظير لهما، وكمال وتناسق ضمن أبعاد رياضية وهندسية منقطعة النظير، ورعاية استثنائية، وجمال بديع، فكلّ ذلك يُذهل العقل. وإذا حاول المرء من جهة أخرى أن يفهم الكون والإنسان بالإجمال رأى فيهما نقصاً وافتقاراً إلى الهدف، ويواجه في هذا السياق احتمالين: الاحتمال الأول أن ينظر إلى هذا العالم نظرته إلى شيء خالٍ من المعنى، وينتهي إلى أنّه عمل صانع عابث يلهو ويلعب فقط، والاحتمال الثاني أن يفهمه بوصفه جزءاً من مجموع مؤتلِف مع يوم الحساب ومملكة الله السرمدية التي شهد عليها الأنبياء وصرّحوا بها. ونسأل هنا: ما هو حكم العقل بهذا الصدد؟ هذا أمرٌ يمكن لكلّ إنسان أن يفهم مراميه.
الشاهد الرابع هو أنّ الوقع المؤثر للصفات الإلهية ملموس في كل ذرّة من هذا الكون، وأنّ عناية الله ورحمته جديرتان باهتمام المرء الذي ينبغي له أن يسأل: كيف لإنسان ذي عقل شهد التدبير الإلهي الذي شمله بالرعاية والتنشئة أن يتوقع من الله إعفاء عبده من الحساب؟ وكيف لله الرحمن الرحيم ألّا يعاِقب مَن جعل الدنيا مرتعاً للظلم والعدوان؟ ولهذا أشار القرآن في غير موضع إلى أنّ حساب الآخرة هو نتيجة لعناية الله ورحمته وقوته وحكمته. وكيف لامرئ أن يجحد ذلك بعد اعتناقه الإيمان؟
والشاهد الخامس هو الحساب الإلهي في الدنيا بواسطة الرّسل الذين باركهم الله بمعجزات خارقة، وأيّدهم بروح القدس جبريل، ثم أقام من خلالهم محكمة أرضية صغرى على غرار المحكمة السماوية الكبرى، بغرض إثبات وجود الله ويوم القيامة بالأسلوب ذاته الذي يتم به إثبات صحة الحقائق العلمية من خلال الأدلّة التجريبية في المخابر العلمية. وبات من الواضح بعد ذلك أنّ لا عذر لامرئ في جحود الحق.
والمنهج المتّبع في عرض ذلك الدليل هو أنّ الرسل أبلغوا الناس بالحقّ، ثم صرّحوا أنهم سيعقدون لهم محكمة عادلة بتفويض إلهي. وسيكون الثواب والعقاب على أساس الإيمان والعمل في الدنيا، وكما أنّ القوانين الفيزيائية تثبت صحتها مهما حدث من تغير في أحوال المادة، فإنّ قانون الله الأخلاقي ستثبت صحته أمامهم بحيث يقيم عليهم الحُجّة، ولا يترك لهم سبيلاً إلى نكران الحقّ، وهكذا فمَن استجاب لدعوة الرُّسل نال الخلاص في الدنيا والآخرة، ومن أعرض عنها ضُرِبت عليه المذلة وباءَ بالخسران.
وأيّاً كان القوم الذين ظهرت النبوة بين ظهرانيهم، فهي قد ظهرت في أحلك الظروف وأقساها، وكان ذلك حقيقة تاريخية مدهشة لأنّها وقعت بأسلوب جعل النّاس شهوداً على قيام العدل الإلهي الصارم لكي تمتلئ السماوات والأرض بنفحات جلالته وعظمته. وأبلغنا القرآن بأنّ المرة الأخيرة التي وقع فيها يوم الحساب المصغَّر كان في القرن السابع الميلادي الذي شهد حدثاً تاريخياً مذهلاً، اكتسب أهمية استثنائية لأنّه وقع تحت أنوار التاريخ المعروف، وما تزال أدقُّ تفاصيله ومراحله ماثلةً أمامنا بوضوح. وإذا قلّبنا صفحات التاريخ تراءت لنا أحداثه متجسّدة فوق صفحاته.
