1-2- صفات الله:
إذا كان الكائن البشري عاجزاً عن فهم الذات الإلهية، فإنه يبقى قادراً على فهم صفات الله إلى حدٍّ ما، لأنّ بعضها موجود فيه وإن على نطاق ضيّق جدّاً، فقد منح الله الإنسان بعضاً ممّا اتصف به من المعرفة والقوة والعناية والحكمة والرحمة. وبهذا يستطيع الإنسان أن يمتلك فكرة مماثلة عن صفات الله، فعندما يذكر القرآن أن الله هو الخالق والقادر والرحمن والرحيم والعليم والحكيم والأول والآخر والظاهر والباطن، فإننا نكون قادرين على تحصيل تصور أو مفهوم عن صفات الله.
وممّا يجدر الالتفات إليه عند فهم هذه الصفات هو جانب الروعة والجمال منها، لأنّ القوة لا تستحق المدح إلّا إذا اقترنت بالرحمة والشفقة والعدل، ولا يستحق الغضب والانتقام والسُّخط والضراوة الثناءَ إلّا إذا كانت لدفع الظلم والعدوان، ولا تكون الرحمة والمغفرة والكرم جديرة بالإشادة والثناء إلّا إذا كانت في محلّها. وذكر صفة الحميد مع الغنّي، والحكيم مع العليم، والغفور مع العزيز في ثنايا القرآن يميل بنا إلى ناحية الروعة والتوازن.
ومهما كان تصورنا عن الله، لا يمكن أن يخلو من إحدى صفات ثلاث: الجلال والجمال والكمال: وصفات الواحد والأحد والصمد تندرج تحت نطاق الكمال، وصفات القدّوس والسلام والمؤمن تندرج تحت نطاق الجمال، أمّا صفات المَلِك والعزيز والجبّار فهي تنتمي إلى الجلال. وتثير صفات الجلال الخوف والوقار والثناء في الإنسان، وتثير صفات الجمال الحمد والحبّ لله، وتبعث الأمل في النفس، وتخاطب صفات الجلال الحواس، وتخاطب صفات الجمال العقل والقلب، وإذا كان الله موضع اعتبار وتأمل عند الإنسان، فإنّ صفات الجمال هي التي تسود الموقف. أما الروح الإنسانية فإن صفات الجلال هي التي تناسبها، وحين يخاف الإنسان الله يفزع إليه ويبحث عن ملجأ في محراب الجمال. وعندما يقول القرآن: إنّ كلّ الأسماء الحسنى هي أسماؤه، فهذا يعني أنّ كلّ اسم يصور جلاله وجماله وكماله هو اسم حسن يُمكن أن يُطلَق عليه ويُنادَى به.
تتّضح عظمة الله بما يتصف به من الكمال. وعندما يكتسب المرء الفهم الصحيح لها، لا بدّ أن يؤمن بالله الواحد الذي لا مثيل له، والمتفرد في وحدانيته. وهو مأوى الجميع وملجؤهم. إنّه مالك السماوات والأرض وما بينهما. لا أحد ينازعه مُلكَه، ولا شريك له في إدارة شؤون الكون، لا يَخفَى عليه أمر، ولا شيء خارج نطاق حكمه وأمره. وكلّ شيء فقير إليه ويحتاجه، وهو ليس فقيراً إلى أحد أو إلى جماد أو حيوان أو نبات. كلّ الكائنات والمخلوقات تسجد له وتُسبِّح بحمده وتمجِّد عظمته. قوته جبارة، وهو شامل واسع الإحاطة، وكلّ جزء من هذا الكون خاضع لإرادته. ويمكنه، متى أراد، أن يُفنِي كلّ شيء ثم يُعيد خلقه متى شاء. يُذِلّ من يشاء، ويُعِزّ من يشاء. كلّ شيء هالك وهو الخالد الوحيد. إنّه خارج نطاق كلّ نطاق. لكنّه أقرب إلينا من حبل الوريد. علمه وحكمته يشملان كلّ شيء، وهو يعرف خافية الصدور. إرادته فوق كلّ إرادة، وأمره فوق كلّ أمر. إنّه خال من كلّ شائبة وعيب، ومُنزَّه عن كلّ نقيصة، وبعيد عن كلّ ادعاء.
تحتل صفة التوحيد من بين صفات الكمال الأهمية القصوى، ولذا فقد منحها القرآن القسط الأوفر من الشرح والتوكيد إلى حدِّ أنّ السورة التي انتهى بها القسم الأخير من القرآن توجِّه النبي (ص) إلى إعلان مفهوم التوحيد أمام الناس جهاراً، فجاءت سورة الإخلاص: ﴿قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد﴾.
وكان القرآن، بسبب أهمية صفة التوحيد، قد نصّ صراحة على أنّه لا يُقبل أي عمل من أعمال الإنسان دون الالتزام بها. وإذا التزم الشخص بها، يكون لديه أمل في أن تغفر كلّ خطيئة، ولا يُغفر أي ذنب دون الالتزام بها. وسبب ذلك أن الإنسان لا يمكن أن يظلّ مُصِرّاً على ذنبه بعد أن يؤمن بعقيدة التوحيد، فإذا سوّلت له نفسه أن يذنب، فإنَّ رحمة الله وبركته ستدفعانه إلى التوبة وطلب مغفرة الله، وكلّ مَنْ هو على شاكلة هذا المؤمن سيلجأ حتماً إلى الله بحيث يصبح مؤهَّلاً للعفو والمغفرة يوم القيامة.
إنَّ دلائل التوحيد الواردة في القرآن جدّ راسخة ومبنية على حقائق ثابتة ومُستمَدَّة من المعرفة والعقل. وهنا يكفي أن نعرف أنَّ الحُجّة المستخدَمة لإبطال نظام تعدد الآلهة (الشِّرك) هي أنّه لا يوجد أحد لديه أساس فكري يخوّله الإشراك بالله. وقد طلب القرآن من مخاطَبيه، في أكثر من آية وموضع، تقديم أي حُجّة أو برهان يثبت صحة الشِّرك سواء أكانت تعتمد على أساس عقلي أو نقلي عن مصادر إلهية. والله وحده يُعلِمُنا إن كان له شركاء في الخلق أم لا. والسبيل الوحيد لمعرفة مشيئة الله في هذا الصدد هو أنَّ الكتب السماوية الموحَى بها، والأعراف والمرويّات التي كانت قد انتقلت من أنبيائه ورسله جيلاً بعد جيل، لا يحتوي أيٌّ منها على دليل يثبت تعدد الآلهة، وليس فيها ما يدلّ على صحة الشِّرك بأيّ شكل من الأشكال.
