2-3- الإنفاق في سبيل الله
التوجيه الثالث هو الإنفاق في سبيل الله؛ وفحواه أنّه إذا أنفق الإنسان على نفسه ممّا أنعم به الله عليه، فينبغي عليه أيضاً أن ينفق على مَن هم في مقام إخوته من الناس بعد تلبية حاجاته الأساسية الشخصية والعملية. ويتبيّن من القرآن أنّ مَن أراد أن يكون عبداً صالحاً، فلا بدّ من أن يلتزم بشيئين هما: بناء علاقة تقوم على أسس صحيحة مع الله أولاً، ومع الناس ثانياً؛ ويمكن إنجاز الأمر الأول بالصلاة: التعبير الأسمى عن حبّ الله، ويُنجَز الثاني بالإنفاق في سبيله لأنّه أيضاً التعبير الأسمى عن حبّ الناس. وأعظم ثواب يناله المرء هو محبّة الله له، لأنّ ما ينفقه الإنسان على الأرض يجتمع ويُدَّخَر له مثل كنز في السماء كما قال سيدنا المسيح، ونتيجة لذلك، فإنّ قلبه يصبح هناك في السماء أيضاً[9]. لأنّ ما ينفقه على الأرض مدّخّر في السماء، فما تخسره على الأرض تربحه في السماء، فأنت تخسر المال فتربح المحبّة، على حدّ كلمات السيد المسيح (عليه السلام)، ويظلّ قلبه مشغولاً هناك في السماء (متى 21-6:19). والإنفاق في سبيل الله هو حقّ يجب أداؤه للأقرباء والأيتام والمحتاجين، وأيّ تراخٍ في أدائه يمكن أن يجعل الإنسان في نظر الله مجرماً يغتصب حقوق الآخرين. وهكذا، أوضّح القرآن أنّه إذا أخذ المرء يكدّس المال والثروة غير مبالٍ بحقوق الآخرين فيه فذلك من الكنز[10]، وجزاؤه جهنم[11] التي يفزع منها المؤمن إلى الله.
ويُوفَّق في هذا الإنفاق مَن كانوا معتدلين في مصاريفهم، ويعتبرون أنّ ما لديهم من رزق هو من فضل الله عليهم لا من حكمتهم وتدبيرهم، ولذلك يكون لديهم الدافع والإرادة كي ينفقوا أموالهم على هذا النحو الصحيح. وبالتالي، يمكن هنا ذكر أمرين آخرين:
أولهما: لا يجوز الإسراف والتبذير وتبديد الثروة لأنها نعمة من الله. والموقف الصحيح في هذا الصدد هو أن ينفِق الإنسان على احتياجاته الأساسية المشروعة باعتدال وحسن تدبير، وما يدّخره يُعتبَر أمانة لأصحاب الحقّ، وعليه أن يؤدي هذه الأمانة إليهم بمنتهى العناية مقتنعاً بأنّ للآخرين حقّاً فيها يجب أن ينالوه من باب عودة الأمانة إلى صاحبها الأصلي. والسبب في ذلك هو أنّ الشخص الذي لا يمتلك مثل هذا الموقف المتوازن في إنفاق المال، لن يكون قادراً على إيجاد وقت يقتطعه من حياته التي انغمس فيها باللهو وجمع المال للوفاء بهذه الواجبات فيما يتعلق بالآخرين.
ويؤكد القرآن أنّ الذين يبدَّدون ثرواتهم في غير وجوه الحقّ هم إخوة الشياطين، والشيطان جاحد وكافر بنعمة ربّه[12]، ولا همَّ له إلّا إغراء الناس وإغواؤهم بإنفاق مالهم على ما يُغضِب الله. وحين يشرح القرآن الموقف المتوازن من الإنفاق يقول بأنّ على المرء ألّا يكون بخيلاً ولا مسرفاً مُبذِّراً، لأنه حين يفقد المال ستأكل قلبه الحسرة والندامة[13]. وعليه، على العكس من ذلك، أن ينفق ماله بطريقة متوازنة، وأن يدَّخر دائماً شيئاً يتمكن به من مساعدة الآخرين عند الحاجة.
والأمر الثاني: إنّ حكمة الله وإرادته هي التي تحكم الظروف المالية للشخص بحيث تنحصر مهمة الإنسان في السعي الدؤوب لتحصيل الرزق، ومن فاتته هذه الحقيقة يتحجّر قلبه إلى الحدّ الذي يندفع معه إلى قتل أطفاله خوفاً من الفقر[14]. والآيات القرآنية التي تتناول هذا التوجيه، تلمِّح في أحد المواضع إلى عادة عرب الجاهلية التي تتعلق بوأد البنات وهنّ على قيد الحياة، متذرّعين بأنّ المرأة عضو غير منتج، ويشكل عالة على الأسرة وعبئاً على أهلها. ولذا فقد حرّم كتاب الله تلك العادة المُشينة، وأكّد أن الله هو مصدر الرزق، وأنّه عليم وبصير بالظروف التي يمرّ بها المرء.
