logo

2-10- التكبّر والغرور.

2-10- التكبّر والغرور

    التوجيه العاشر هو ألّا يمشي المرء على الأرض مَرَحا واختيالاً، لأنّها مشية المغرورين. ويؤكد القرآن أنّه مهما ضرب المتكبّر الأرض بقدميه فلن يخرقها، ومهما شمخ برأسه فلن يبلغ قمم الجبال[19]. وهذه المشية هي سلوك حركي خارجي يشي بما هو مكنون في صدر المتكبرِّ من مشاعر وعواطف تكوّنت تحت تأثير الثروة والسلطة والجمال والمعرفة والقوة، وأشياء أخرى من هذا النوع؛ تكوّنت تلك المشاعر بعد أن أزاحت من طريقها المشاعر المتعلقة بعبادة الله وتعظيمه التي لا تتفجّر إلّا في قلب من سلك مسلك التواضع والاستكانة أمام عظمة الله، وخفّف وطأ قدميه على أديم الأرض[20].

ولا ينعكس الغرور في هيئة المشية فقط، بل ينعكس في أسلوب الحديث ونوع الملابس، والمظهر الجسدي، والسلوك، وطريقة حلق اللحية والشاربين، وهي أمور يتوخى المغرور من ورائها إظهار علائم نعمته وغناه، أو يتخذها باباً من أبواب استعراض الأبّهة والمنفخة وترهيب الآخرين، وهي - كما نلاحظ - أساليب المحتالين وطرائق الخلعاء المتهتكين، وقد نهى الله، من أجل هذا، عن كلِّ ما مِن شأنه أن يُظهر صاحبه بمظهر المغرور المتكبِّر الذي تُزيِّن له عقليته الذنوب الكبيرة، فيعمد إلى اقترافها مدفوعاً بغروره وتجبّره على الله، كما يعمد إلى الاستعلاء على الآخرين، والاستهزاء بهم وشتمهم والتنمرّ عليهم، وهمزهم ولمزهم ومناداتهم بألقابهم التي يكرهونها (التنابز بالألقاب)، والحطّ من مكانة الآخرين لمجرد الاختلاف في الرأي أو العقيدة أو اللون أو الطبقة. وقد حرّم الله كلّ ما سلفَ تحريماً جازماً.

    وكما وردت الوصايا العشر في التوراة، جاءت هذه الوصايا والأحكام العشرة في القرآن. والأخلاق عموماً هي نتيجة طبيعية لها؛ فما اعتبره الله تعالى من الكبائر وأعمال الفجور تنشأ من عصيان هذه الوصايا ومخالفة هذه التوجيهات. والقرآن واضح جدّاً في هذا الأمر، إذ يذكر أنّ الناس سيتعرضون لعقوبة هذا الانتهاك يوم الحساب. ولذلك، يجب على كلّ مسلم أن يظلّ حذراً حيال ذلك. وينبغي أن تظلّ

في خاطر المسلم واعتباره ثلاثة أمور:

    أوّلها أنّ الله لن يحاسب الإنسان على العصيان الواقع من غير قصد وتعمُّد. وتنصّ الشريعة على أنّه إذا قام المرء بعمل، ثم تبيَّن أنّه يقع في دائرة الذنوب، ولكنّه ارتكبه عن غفلة أو سهو ودون تعمُّد، فإن الله سيُعفيه من العقاب.

    والثاني أنّ الإنسان إذا نأى بنفسه عن عصيان تلك الوصايا، فإنّ الله سيغفر ذنوبه الصغيرة، وإلّا فإنّ ذنوبه الكبيرة والصغيرة ستسجل معاً في كتاب أعماله، ويحاسب عليها جميعاً.

    وثالث هذه الأمور: إذا عصى الإنسان أيّاً من تلك الوصايا تحت تأثير عواطفه، وجب عليه أن يتوب ويصحّح سلوكه من فوره، وذكر الله أنّه سيغفر لمن ارتكب الذنب في غمرة عواطفه إذا تاب بعد ذلك مباشرة. ولكنّه لن يغفر لمن ارتكب الذنب طوال حياته ثم تاب حين شعر بدنو أجله، ولن يغفر أيضاً لمنكري الحقّ إذا ظلّوا على إنكارهم حتى اللحظة الأخيرة من حياته.

    لقد حسم القرآن مسألة التوبة في الحالتين السابقتين، وتبقى حالة وحيدة غير محسومة، وهي أنّه إذا لم يكن المرء قادراً على التوبة مباشرة بعد ارتكاب الذنب لأسباب خارجة عن إرادته، ولكنّه لم يؤخّر توبته أو يؤجلها إلى الممات، فإنّ القرآن يصمت عن هذه الحالة صمتاً يُولِّد الخوف والأمل: الخوف من الجزاء، والأمل بالمغفرة. ومثل هؤلاء يغمرهم الرجاء والأمل بأن ينالوا الخلاص بشفاعة النبي (ص).